عمائم وسكاكين د. إحسان الثامري

576297

عمائم وسكاكين

 

د. إحسان الثامري

 

حينما تأزمت الأمور واشتدت إبان سيطرة البويهيين على الخلافة العباسية، وتحكموا بمقاليد السلطة، ونهبوا موارد الدولة المالية، وهيمنوا على القرار السياسي، وتدخلوا في الشؤون الثقافية والمجتمعية والاقتصادية في عموم العراق، وحينما وجد الناس أنفسهم في دائرة من القيود السياسية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية، وتخيم عليهم غيوم سوداء ممن لا يرحم ولا يرعى فيهم ضميراً، نهضت من بينهم عمامة تسكّن الجراح، وتشرح لهم ما الذي يدور حولهم بعدما حارت القلوب، فخليفة صاحب الحق الشرعي بلا سيادة، وأجلاف بلا أصول معروفة يسيطرون على السلطة والثروة والسلاح، تلك هي عمامة أبي الحسن علي بن محمد البصري الماوردي المفكر والمنظّر والقاضي المتنوّر، درس الأوضاع حوله، وقدم للعالم الإسلامي عملاً ما يزال يعد من أهم الأعمال الفكرية والسياسية، وهو كتابه (الأحكام السلطانية) الذي أوضح فيه ما يجري، وما يجب أن يجري، وأصول النظام السياسي، وفسّر أسباب الانحطاط الذي وصلت إليه مؤسسة الخلافة، وصعود البويهيين.

هذه العمامة المحترمة، والتي اكتسبت احترامها من الإيمان الحقيقي والنقاء والتنوُّر، أبحث عنها الآن بين آلاف العمائم في العراق على شتى ألوانها وأشكالها وأنواعها فلا أجدها، وإنما أجد عمائم تطفو على سطح القَذَر لا يعنيها أمر غير السلطة والثروة والمتعة الحرام، عمائم متحزبة لكل شيء إلا لله ولصاحب رسالته.

هذه العمائم هي التي قتلت العراقيين لمدة ستة عشر عاماً بسكاكين تارة وبطائرات تارة أخرى، وما بينهما من أدوات القتل والشر، وهذه مجزرة السنك وساحة الخلاني يوم الجمعة 6 كانون الأول 2019 ستبقى شاهدة على سكاكينهم إلى أن يقف الشهداء أمام ربهم.

هذه العمائم تختزل كل شرور الأزمنة الغابرة، تمثّلتها فأخرجت عنفاً وكرهاً وحقداً على أناس ليس لهم ذنب إلا أنهم أحفاد قوم امتثلوا لدعوة التوحيد، فساروا يهدونهم ويخرجونهم من الظلمات إلى النور، فما نام ثأر المجوس من الإسلام ومادته العرب، وجمجمته العراق، فعادوا إلينا يريدون إخراجنا من النور إلى الظلمات، متلبسين بآل البيت الطاهرين وتأليههم وإخراجهم عن طبيعتهم البشرية، يبثون في دين السلام والنقاء حقد المجوسية وضغينتها؛ فحرضوا الإخوة على بعضهم البعض بذريعة حق علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بالخلافة، وصرخوا بالثأر من قتلة الحسين الشهيد من هذا الشعب الذي لم يساهم بتلك الجريمة، وشغلوا طاقات الشباب بأحاديث الطائفية وحرفوهم عن التفكير بالمستقبل، وعطلوا البلاد بمناسبات وأيام لا تنتهي، وأرغموا الأطفال في الروضات على اللطم بدل اللعب، وقيدوا البنات بقيود الظلم وإشاعة الرذيلة والمخدرات في المجتمع، وجعلوا الناس يعيشون في حزن دائم على تاريخ أقسم بالله بأن أياً من العراقيين لم يشترك بصنعه.

كل ذلك المقدار المهول من الحقد والكراهية صدعت له عمائم الظلام التي تأتمر بعمامة الولي الفقيه، متبعين منهجية التجهيل، فوضعوا مناهج وخططوا لتجهيل الناس وتعطيل عقولهم وخاصة الشباب، وأسرهم بمبادئ غير حقيقية ليتساووا بالأنعام فيقودونهم كيفما يشاءون، واستغلوا المنبر الحسيني الشريف لبث أكاذيبهم وسمومهم ولشحذ سكاكينهم التي قتلوا بها آلاف الأبرياء ليس آخرهم شهداء السنك وساحة الخلاني يوم الجمعة 6 كانون الأول 2019، وقد وضعوا على لسان رسول الله آلاف الأحاديث المزورة وهو القائل: «من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار». وكأن محمداً صلى الله عليه وسلم جاء بالعبودية، ولم يأت بالمبدأ الإلهي العظيم (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)، ولم يسمعوا قول الفاروق: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟ بل لم يمتثلوا لقول الحسين الشهيد: كونوا في دنياكم أحراراً.

فليقف العراقيون مع أنفسهم وقفة صادقة شجاعة، ولينصفوا عقولهم ليسألوا أنفسهم: ما الذي قدمته تلك العمائم للعراق والعراقيين، عمائم عمار ومقتدى وقيس والصميدعي والفالي والمهاجر والزاملي وأكرم الكعبي وخالد الملا والصغير جلال الصغير والحلقي خالد العطية وحامد الجزائري الخارج من دبر الشيطان؟

ماذا قدموا غير سلب الحرية والكرامة ونهب الأموال وقتل الأبرياء والدَّجل وتنفيذ ما يأمرهم به الولي الفقيه الحاقد على العروبة والإسلام، فأوصلوا شعب الحضارات إلى غسل أرجل الحفاة القادمين من وراء الحدود إمعاناً في ذلهم وانتقاماً من إخراجهم من دينهم، فكانوا البوق الأجوف لكل جرائم عمائم إيران الحاقدة، يطبّلون لها ليل نهار، حتى حينما هدمت قبة الإمامين السيدين الشريفين العسكريين، وانحنوا لها لتمتطيهم في قتل الناس وتخريب التركيبة السكانية للعراق في أكذوبة داعش الكبرى. هذه العمائم هي اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، وهي مأمورة بعمامة هبل، والله أعلى وأجلّ.

عمامة الولي الفقيه لن يغمض لها جفن قبل أن تأخذ بثأر كسرى ورستم، تأخذه من محمد وعمر وعلي، فراحت ترسل صبيانها إلى لبنان وسوريا واليمن لتطبق على الحجاز. فوالله والله أن هدفهم سرّتا الإسلام يريدون عبادة النار في الكعبة المشرفة، ونبش قبر المصطفى بذريعة إخراج الصدّيقين أبي بكر وعمر. وليقولوا: ها نحن عدنا يا محمد، ها نحن عدنا يا عمر.

ولكن، أخيراً بزغ النور ولاح، وانتفض الشباب على قيود الجهل والظلم والظلام والسكاكين، ليستعيدوا كرامتهم وكرامة العراق، وحريتهم وحرية العراق، وليشتروا بدماء الشهداء مستقبل وطن قدم للبشرية أول أبجدية وأول قانون وأول آلات الزراعة والصناعة ومبادئ الحساب، خرجوا بلحمة تاريخية وقف لها شرفاء العالم تحية واحتراماً.

وبالنيابة عن الإسلام والمسلمين أعتذر بصوت عال عن هدايتنا لكم بالإسلام، وإخراجكم من عبادة النار إلى عبادة الواحد الأحد. فعودوا إلى نيرانكم، فلا تثريب عليكم اليوم، واتركونا وشأننا، نعيش في أمن وسلام، فلا نحتاج بعد اليوم أي عمامة، ومرجعنا الله ورسوله. الله مولانا ومولاكم خامنئي.

  • قراءة 271 مرات
الدخول للتعليق