من كان وراء قتل حمزة (رضي الله عنه) ؟

بســــــــــــــــم الله الرحمن الرحيـــــــــــــــم

من كان وراء قتل حمزة (رضي الله عنه) ؟  

 

الشيخ إدريس الرفاعي / التيار السني في العراق

 

من محاسن الباحث التشكيك بالمادة العلمية مع التزام آداب البحث حتى تثبت او لا تثبت تلك المادة ، في أي علم كان ، ولكن في تاريخنا وروايات الاحاديث يكون البحث والتشكيك روايةً ودراية اشد ، وهنا يجب التأكيد على قاعدة عند المحدثين لا نسلِّم بها بل لابد من نسفها من قصعة هذا العلم ، وهي قاعدة خطيرة تقول : من احالك فقد اسندك !

وقد جعلها كثيرون مسارا في دراساتهم ، وهذا الذي تردى به جيل بعد جيل من طلبة العلم وهم لا يبحثون في خطورة هذه القيلة .

وحتى انتقل الى ما عنونت له ، اقول : سلمت الامة خواصها وعوامها بأن قتل حمزة بن عبدالمطلب هي هند بنت عتبة زوج ابي سفيان بن حرب ، وراج الاتهام والحادثة ، وانتهت المسألة بأنها صاحبة المكيدة والقاتلة ، على قاعدة : ان الردء يأخذ حكم الاصيل ، أي يريدون ان يجرِّموا السيدة هند رضي الله عنها بأنها هي التي كانت وراء التحريض فلابد لها وهي ردء – أي عون ومحرك وسبب- ان تأخذ نفس حكم القاتل .

فكان هذا الترتيب الخبيث الذي تبنته عقول الدهاء والمكر الشعوبية ، التي ارادت تمزيق بني أمية ، فأسندت ودلست ثم تلقت الامة هذه الروايات على طريقة من احالك فقد اسندك وما يدريك لعلها اختراع شعوبي شيعي ؟!

نعم كان مرادهم هذا .

والمشكلة ان سطرت ايدي سنية في كتب الحديث والتاريخ والتي تعتبر مصادر عندنا اهل السنة والجماعة هذه الفواجع . واليك ما أخرجه البخاري في باب بيان مقتل حمزة ، وما نقله ابن الجوزي في صفة الصفوة ، عن وحشي وحادثة قتل حمزة رضي الله عنه وقد بوَّب فقال : ذكر مقتل حمزة رضي الله عنه

عن جعفر بن عمرو الضمري قال خرجت مع عبيد الله بن عدي بن الخيار إلى الشام فلما قدمنا حمص قال لي عبيد الله هل لك في وحشي نسأله عن قتل حمزة قلت نعم وكان وحشي يسكن حمص فجئنا حتى وقفنا عليه فسلمنا فرد السلام وعبيد الله معتجر بعمامته ما يرى وحشي إلا عينيه ورجليه فقال عبيد الله يا وحشي أتعرفني قال فنظر إليه ثم قال لا والله إلا أني أعلم أن عدي بن الخيار تزوج امرأة فولدت له غلاما فاسترضعه فحملت ذلك الغلام مع أمه فناولتها إياه فكأني نظرت إلى قدميه .

فكشف عبيد الله وجهه ثم قال ألا تخبرنا بقتل حمزة فقال نعم إن حمزة قتل طُعيمة بن عدي ببدر فقال لي مولاي جبير بن مطعم : إن قتلت حمزة بعمي فأنت حر فلما خرج الناس عام عينين قال : وعينين جبل أحد بينه وبينه واد خرجتمع الناس إلى القتال فلما أن اصطفوا للقتال خرج سباع فقال هل من مبارز فخرج إليه حمزة فقال : يا سباع يا بن أم أنمار يا بن مقطعة البظور ، أتحارب الله ورسوله ؟! ثم شد عليه فكان كأمس الذاهب ، وكمنتُ لحمزة تحت صخرة حتى مر عليَّ فلما أن دنا مني رميته بحربتي فأضعها في ثنته حتى دخلت بين وركيه ، وكان ذلك آخر العهد به فلما رجع الناس رجعت معهم فأقمت بمكة حتى فشا فيها الإسلام ... والقصة طويلة .

وروى ابن سعد في الطبقات الكبرى فقال : وحشي بن حرب وكان أسود من سودان مكة عبدا لابنة الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصي، ويقال: بل كان عبدا لجبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، ولم يبلغنا أنه شهد مع المشركين بدرا، ولكنه خرج معهم إلى أحد , فقالت له ابنة الحارث بن نوفل بن عامر: إن أبي قتل يوم بدر، فإن أنت قتلت أحد الثلاثة؛ فأنت حر، إن قتلت محمدا أو حمزة بن عبد المطلب أو علي بن أبي طالب .

وفيه الى ان قال :ثم أقبل إلي مكبسا– أي سيدنا حمزة -حين رآني فلما بلغ المسيل وطئ على جرف فزلت قدمه، فهززت حربتي حتى رضيت منها، فأضرب بها في خاصرته حتى خرجت من مثانته، وكر عليه طائفة من أصحابه، فأسمعهم يقولون: أبا عمارة، فلا يجيب، فقلت: قد والله مات الرجل . انتهى كلام ابن سعد .

وقد كانت العرب لها في الولاء علاقة وذكر حتى عند ذكر الرجال يُذكر هذا ، فقد ذكره اهل التراجم فقالوا:

*وَحشِي بن حَرْب بن وَحشِي بن حَرْب مولى جُبَير بْن مطعم يروي عَن أَبِيه عَن جده عداده فِي أهل الشَّام روى عَنْهُ صَدَقَة بْن خَالِد والوليد بْن مُسلم ، الثقات لابن حبان ، 5/564.

**وَحشِي بن حَرْب مولى جُبَير بن مطعم ، خلاصة تذهيب تهذيب الكمال في أسماء الرجال (وعليه إتحاف الخاصة بتصحيح الخلاصة للعلامة الحافظ البارع علي بن صلاح الدين الكوكباني الصنعاني) ،أحمد بن عبد الله بن أبي الخير بن عبد العليم الخزرجي الأنصاري الساعدي اليمني، صفي الدين (المتوفى: بعد 923هـ) ، تحقيق عبد الفتاح أبو غدة .

***وحشي" بن حرب الحبشي أبو دسمة ويقال أبو حرب مولى جبير بن مطعم ويقال مولى طعمة بن عدي ، تهذيب التهذيب ، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852هـ) ،مطبعة دائرة المعارف النظامية، الهند ،

هذا هو الولاء وهذا هو المحرك الذي دُعي اليه وحشي ، فلا هند لها دخل في تحريض او استئجار وحشي ولم يروِ احدٌ هذا .

والمحرك الثاني هو الوعد الذي قطعته ابنة الحارث بن نوفل بأن تجعله حرا .

هذا ما ثبت وما ترشح من باب ذكر قتل سينا حمزة رضي الله عنه .

نقد الاسانيد المروية في اتهام السية هند رضي الله عنها :

1-    روى موسى بن عقبة : ان وحشيا بقر عن كبد حمزة وحملها الى هند بنت عتبة فلاكتها فلم تستطع ان تستسيغها ، ذكره ابن كثير في البداية والنهاية (43/4) من غير اسناد فهو معلول مردود .

2-    روى ابن اسحاق ان هندا هي التي بقرت عن كبد حمزة ، وزاد ان هندا اتخذت من آذان الرجال وانفهم خدما –خلاخل – وقلائد ، واعطت خدمها وقرطتها وحشيا .

ابن هشام (133/3) بسند منقطع موقوف على شيخه ابن كيسان فهي ضعيفة .

3-    روى الواقدي : ان وحشيا عندما قتل حمزة حمل كبده الى مكة ليراها سيده جبير بن مطعم ، المغازي للواقدي ، وقل في الواقدي ما شئت ، واقل ما فيه متروك ، روايته ضعيفة جدا .

4-    ذكر الشامي ان الواقدي و المقريزي – في الامتاع- رويا ان وحشيا شق بطن حمزة واخرج كبد حمزة واخرج كبده وجاء بها الى هند فمضغتها ثم لفظتها ،ثم جاءت الى جثة حمزة فقطعت من كبده وجدعت انفه وقطعت اذنيه ثم جعلت مسكتين ومعضدين وخدمتين حتى قدمت بذلك مكة ، (321/4) وهاهنا اشار الشامي الى روايتين جمع بينهما ،رواية ابن اسحاق ورواية الواقدي وكلتاهما ضعيفتان .

5-    ذكر الطبري- وهو حاطب ليل- عن ابن اسحاق ان هندا كانت كلما رأت وحشي تقول له : اشف واشتفِ ، فمعلوم ان الطبري نفسه يحتاج الى نخل ، فضلا عن كتابه الذي يراد له جهود ابن معين و السفيانين وأنى لنا بهما !

6-    واما ابن اسحاق فمدلس ودجال من الدجاجلة كما ذكر اهل العلم فيه كمالك وابن معين ، وذكر الذهبي فيه سبعة اسباب للقدح ، وقد ثبت عنه انه شيعي .  

ويترشح لنا بعد ذكر الصحيح والضعيف من الروايات ما يأتي :

اولا : ان من اصول اهل السنة والجماعة ، انهم لا يأخذون بالحديث الضعيف وأصلوا لذلك وعللوا فقالوا : ان في الصحيح ما يكفي .

ثانيا : نعم جرى التمثيل بجثة سيدنا حمزة ولكن لا دخل للسيدة هند بهذا التصرف وهي بريئة منه ، انما انفرد به وحشي لأجل اعتاقه وأرضاء لجبير في قتل عمه طعيمة الذي قتله سيدنا حمزة في بدر .

وحق كلام شيخ الاسلام وهو يقول : الشيعة اكذب الناس فالأمر كله صنيعة الكذابين على في اتهام السيدة هند رضي الله عنها و تدليس وبهتان عظيم ، مقصد الكذابين فيه ، هند وابو سفيان ومعاوية ، رضي الله عنهم .

ونترضى عنهم فهذه عقيدتنا وما نتقرب الى الله بها .

لك الله يا تاريخ امتي ، ولكم الله يا آل ابي سفيان رضي الله عنهم .

والله تعالى اعلم ، وهو المقصود بالعمل ، وصلى الله وسلم على رسوله واله اصحابه الى يوم الدين.

  • قراءة 568 مرات
الدخول للتعليق