أجندة ترامب للشرق الأوسط: الفرص والتحديات

أجندة ترامب للشرق الأوسط: الفرص والتحديات
 
 
 
 

 علي حسين باكير – عربي 21  12/11/2016

ما نعرفه عن الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب من خلال ما أدلى به من تصريحات، وما أظهره من مواقف خلال المنافسة الانتخابية، يقول إنّه شخص استعراضي، ويمتلك شخصية غير مستقرّة، ويحب الارتجال، أي لا يمكن توقّع خطواته.

في المقابل، هناك من يعتبر أنّ المظاهر خدّاعة، وقد لا تعكس الأجندة الحقيقية بالضرورة، وهو ما يعني أنّ خطاب ترامب السابق كان للاستهلاك المحلي فقط، وأنّ سياساته ستكون مختلفة، ولذلك فلا داعي للخوف، فالولايات المتّحدة دولة مؤسسات، وترامب سيضطر في نهاية المطاف إلى أن يخضع لسقف هذه المؤسسات.

هذا الإدّعاء قد يمتلك شيئا من الصحّة، لكنّه ليس مطلقا، ويمكن المجادلة فيه أيضا. صحيح أنّ الولايات المتّحدة دولة مؤسسات لكن شخصية الرئيس وأجندته السياسية تؤثّر بشكل كبير في هذه المؤسسات. المؤسسات لا تمتلك أجندة سياسية بذاتها وإنما يتم استخدامها لتنفيذ أجندة سياسية، كما أنّ الفريق الفائز في الانتخابات يأتي بفريقه وأتباعه على المستوى السياسي في كل المؤسسات لكي يكون هناك انسجام على مستوى القرارات والتنفيذ.

أضف إلى ذلك أنّ الرئيس في الولايات المتّحدة يمتلك صلاحيات حقيقية، وهو قادر إذا ما أراد أن يحقّق أجندته وإن كانت تخالف السياق العام لما اعتادت عليه هذه المؤسسات. أبرز دليل على هذا الكلام أوباما نفسه، ولا سيما ولايته الثانية بالتحديد. وحتى لو افترضنا أنّ هناك جزءا من خطاب ترامب كان للاستهلاك المحلي، فإن هناك خصائص في ترامب راسخة وواضحة ولا يمكن التنكّر لها.

هناك خوف حقيقي داخل الولايات المتّحدة الأن على الصعيد الشعبي والرسمي، في ظل الاستقطاب الذي تحوّل إلى إنقسام مؤخرا مع خطاب الكراهية وحالة الشعبوية التي أتى بها دونالد ترامب. هناك تركيز  أيضا على مستوى البنتاغون والخارجية على نقل السلطة بشكل سليم إلى الرئيس المنتخب، وهو ما يعبّر عن حالة القلق التي تسود هذه المؤسسات مع التركيز مؤخرا على دعوة الموظفين لأن يحيّدوا التوجهات السياسية الشخصية عن عملهم.

هذه المعطيات بالتحديد من شأنها أن تخلق حالة من عدم اليقين والذعر وهذا أمر مفهوم. لكن لمواجهة هذا الوضع، سيكون من الأهميّة بمكان أن نراقب وندرس جيدا الشخصيات التي سيختارها ترامب للعمل معه ضمن في فريق إدارته لا سيما في السياسة الخارجية والدفاع والأمن القومي. وبما أنّ الرجل لا يمتلك أي خبرات سياسية أو عسكرية حقيقية فمن الصحيح أن نفترض أنّ هذه الشخصيات ستؤثّر إلى حدّ كبير على قرارات ترامب في المسائل الحسّاسة.

معظم الأسماء المرشحة لهذه المنصاب تنتمي إمّا الى معكسر المحافظين الجدد (القديم) أو إلى اليمين المتطرّف الغالب على مواقف هؤلاء هو: العلاقة الحميمة جدا مع إسرائيل، الموقف المتشدد من إيران، والعداء للإسلام تحت شعار محاربة الإرهاب. هذه الثلاثية غير المستقرّة، تحملها معها تحديات وفرص عددية، لكنّها ستزيد على الأرجح من حالة الفوضى التي تعاني منها المنطقة ما لم يتم الانتباه جيدا إلى السياسات التي يتم تطبيقها.

ترامب يرفض الاتفاق النووي مع إيران بشكل الحالي، وهذا أمر جيّد للدول التي لطالما شككت في نجاعة هذا الاتفاق. هناك حاجة إلى تحجيم إيران وإعادتها إلى حجمها الطبيعي بعد التمدد غير المسبوق في نفوذها خلال المرحلة الماضية، وهو التمدد الذي جاء نتيجة لسياسات أوباما المقصودة والتحالف غير المباشر مع نظام الملالي.

معظم الدول الإقليمية تعاني اليوم بشكل شديد من سياسات إيران التخريبية، وقد ثبت أنه ليس باستطاعة هذه الدول فعل شيء طالما أنّ الموقف الأمريكي يميل نحو إيران. أمّا وقد جاء ترامب، فإنّ من الممكن العمل معه ضد إيران. ومن المهم جدا في هذا السياق أن لا يقتصر التعاون على الملف النووي وإنما أن يشمل أيضا المليشيات الشيعيّة المسلحة في المنطقة بما في ذلك حزب الله والمليشيات الشيعية العراقية.

في المقابل ما لم يغيّر ترامب من موقفه السلبي من الإسلام ويوازن العلاقة مع إسرائيل من خلال التركيز على حل عادل للقضية الفلسطينية، فإنّ إيران ستستغل هذا الموقف بالتحديد لتجييش الجماعات المتطرفة والشعوب الإسلامية وتعمل على الاستفادة منها لتحمي نفسها ولتزيد من مشاكل الولايات المتّحدة والدول الإقليمية، وهو سيناريو  طبّقته طهران بشكل ممتاز منذ العام 2003 تقريبا وحتى العام 2009.

أمّا السلبيّة الأخرى لدى ترامب فتكمن في أنّه لا يمانع أبدا في الاستعانة بأنظمة مثل الأسد والسيسي وبوتين لمحاربة "داعش" و"القاعدة". مثل هذا الأمر يعني العودة إلى المربّع الأول، لأنّه يعتبر تجاهلا لجذور المشكلة والأسباب الحقيقية التي أدت إلى ولادة داعش والقاعدة. إذا لم يتغيّر هذا الموقف، فسندخل في دوامة، وستكون الدول الإقليمية هي الخاسر الأكبر، وقد يصبح ترامب عرضة للابتزاز من قبل هذه الأنظمة، ومن يقبل عروضها في مكافحة الإرهاب فقد يقبل كذلك عروض النظام الإيراني كما فعل أوباما.

سبق لترامب وأنّ أشار إلى إمكانيّة أن تترك الولايات المتّحدة حلفاءها يواجهون المخاطر بأنفسهم دون مد يد العون إليهم خاصّة إذا لم تقم هذه الدول بالدفع مقابل الموقف الذي سيتّخذه ترامب. مثل هذه الوضع قد يشكّل فرصة مهمة لتحفيز الدول الإقليمية للاعتماد على نفسها والتعاون أكثر في ما بينها لا سيما على الصعيد الدفاعي والأمني.

سياسات ترامب قد تدفع أيضا بعض الحلفاء في المنطقة لأن يصطدموا مع بعضهم البعض، أو أن تلغي جهود بعضهم جهود البعض الآخر لا سيما في منطقة الخليج العربي. من الخطر بمكان إذا ما قرر ترامب أن يحارب الجماعات الإسلاميّة التي لا تنتهج العنف أن تنضم إليه بعض دول الخليج، فهذه سياسة عقيمة وسبق وأن تمّ اختبارها أواخر عهد الملك السعودي الراحل عبدالله وأدّت إلى كوارث لا نزال نعاني من تداعياتها حتى اليوم

هل يمتلك ترامب سياسة محددة تجاه إيران؟

علي حسين باكير – عربي 21 19/11/2016

هناك الكثير من التكهّنات التي تتعاطى مع جوانب جزئية من تصريحات الرئيس المنتخب دونالد ترامب كأنها سياسات قطعيّة، على الرغم من أن الرجل لم ينته من اختيار فريقه بعد، ولم يعلن بشكل واضح عن رؤيته السياسية في كل الملفّات، في الوقت الذي يعتقد فيه كثيرون أنّه لا يمتلك أصلاً أي رؤية سياسية متماسكة حيال أي من الملفات الأساسيّة.

كل ما هو موجود حتى الآن مجرّد عناوين عريضة ومواقف سطحيّة من قضايا محددة، وهي إن كانت تعطي مؤشرات قوية على توجهات ترامب، فإنّها ليست كافية وحدها لكي نبني عليها تصوّرات كاملة قبل أن يتم الإعلان بشكل نهائي عن تشكيلة الإدارة المقبلة وعن التوجهات السياسية الرئيسية.

في الملف الإيراني، لا يمتلك الرئيس المنتخب ترامب سياسية محددة بعد للتعامل مع النظام الإيراني، فكل ما يمتلكه هو موقف من الاتفاق النووي كان قد أعلن عنه قبل الفوز في الانتخابات الرئاسية. ترامب وصف مرات عديدة الاتفاق النووي بأنّه سيئ وغير مقبول، كما قال حرفيا في إحدى المناسبات إنّ الاتفاق النووي هو "أسوأ ما يمكن أن يكون قد تمّ التفاوض عليه على الإطلاق"، وقد وعد في حال فوزه بأن يجعل من تفكيك الاتفاق النووي "الأولوية رقم 1" لديه. لكن في المقابل، ترامب كان قد ذكر أيضا أنّه سيقوم بإعادة التفاوض حول الاتفاق النووي لتحسين شروطه، وتشديد القيود على إيران، ومراقبة التطبيق التام لكافة بنوده، بشكل لا يسمح للنظام الإيراني باستغلاله لغايات أخرى.

وانطلاقا من هذه المعطيات، فإن من غير المعروف ما إذا كان ترامب سينهي الاتفاق فعلاً، أو سيقوم بإعادة التفاوض عليه. هناك نقاشات عديدة حول هذا الموضوع ربما نتطرق إليها في مقال لاحق، لكن ما نقصده هنا هو أنّ شكل السياسة التي سيتم إتّباعها تجاه إيران لم يحدّد بعد. ما يؤكّد هذا الاستنتاج أيضاً عدم اكتمال قائمة المناصب الرئيسية في إدارة ترامب المقبلة، علما بأنّ لمرشحي هذه القائمة آراء متفاوتة حيال إيران، مع التسليم بأنّ معظم -إن لم نقل جميع- المرشحين ينظرون بسلبية إلى النظام الإيراني.

هذه النقطة الأخيرة بالتحديد تطرح تساؤلاً عن الكيفية التي سيتم بها التعامل مع إيران لاحقا في ظل التناقض الظاهر في الطروحات بين من يريد من هؤلاء المرشحين أن يواجه النظام الإيراني، وبين قبول موقف ترامب في الملف السوري، وهو الموقف الذي لا يرى مشكلة في السياسية الروسية الداعمة للأسد فضلا عن بقاء الأسد نفسه!

لا شكّ أن قبول ترامب بالتحالف مع روسيا لمحاربة داعش والإبقاء على الأسد، يشكّل -على الأقل من الناحية النظريّة- عامل التقاء لا افتراق مع النظام الإيراني الذي يتحالف بدوره مع روسيا تحت شعار مكافحة داعش ويدعم الأسد للبقاء في السلطة. هذا يعني حكما أن انفتاح ترامب على إيران في نفس الموضوع سيكون من ناحية النظرية أيضاً احتمالا ممكناً، وإلا فإنه سيتحوّل في حينه إلى تناقض غير مفهوم.

يعلم النظام الإيراني هذه المعطيات جيداً، ولذلك فقد شرع مبكّراً عبر شخصيات مختلفة، وعلى مستويات متعددة، في إطلاق سلسلة من التصريحات والمواقف التي تهدف إلى التأثير على توجهات ترامب المقبلة. خلاصة القول أنّ ترامب لا يمتلك سياسة واضحة تجاه إيران بعد، وليس من الصائب ربما التوصل إلى استنتاج عميق من خلال البناء على موقف واحد فقط لا غير، إذ سيكون علينا الانتظار حتى نبني على الشيء مقتضاه، خاصّة أنّ الجانب الإيراني يرى أنّ هناك إمكانيّة للاستثمار في موضوع "محاربة داعش" و"الحرب على الإرهاب" و"تخلي ترامب عن الحلفاء" ليقوم هو بملء الفراغ مجددا، تماماً كما فعل مع أوباما.

  • قراءة 409 مرات
الدخول للتعليق