ما هي سياسة ترامب في العراق؟

ما هي سياسة ترامب في العراق؟

عبد الجليل زيد المرهون

أين تتجه السياسة الأميركية في العراق بعد فوز المرشح الجمهوري، دونالد ترامب، في الانتخابات الرئاسية؟.. هذا سؤال جوهري، سوف تتضح في ضوء الإجابة عليه العديد من ملامح المقاربة الأميركية لواقع هذه المنطقة ومستقبلها.

هل سنشهد امتداداً خطياً لهذه السياسة؟ أو سوف تحدث إعادة إنتاج جزئي لها؟ أم سنكون بصدد تحوّل جذري؟

القضية هنا أبعد من مجرد تفاوت في الرؤية أو تفاوت في الأولويات. إنها تتصل بأصل منظور الولايات المتحدة لأمنها القومي ودورها في الساحة الدولية.

إن الأمن القومي لدولة تتزعم قيادة العالم لا يُمكن مقاربته دون رؤية واضحة لما يجب فعله في العراق.

وهل تحتاج أميركا لزيادة حضورها في المعادلة العراقية؟

بالطبع. إنها تحتاج لذلك.

وهل هذا يعني مزيدا من الحضور العسكري؟

ليس بالضرورة ذلك.

قد لا يحتاج العراق إلى مزيد من الجنود الأميركيين، وقد لا يحتاج أيضاً إلى مزيد من المستشارين.. القضية هنا ترتبط بنوع واتجاه الدعم العسكري.

لقد تعهدت الولايات المتحدة بعد انسحابها الرسمي من العراق باستمرار دعمها لقدراته الدافعة باتجاه فرض سيطرته على كامل ترابه الوطني، ومنع تفككه، أو اختطافه من قبل قوى العنف الظلامي.

وقد جرى تثبيت هذا التعهد في اتفاقية الإطار الإستراتيجي الموقعة بين البلدين في السابع عشر من تشرين الثاني نوفمبر 2008، والتي تعتبر الوثيقة الأهم على صعيد تنظيم علاقاتهما المشتركة.

هذه القضية تجسدت عملياً في الوعد الخاص بتنفيذ عقود التسليح، بما في ذلك التسليح الجوي، وعلى الأخص صفقة مقاتلات (F-16)، وبيع مروحيات هجومية من طراز (أباتشي)، ومنظومة مراقبة جوية حديثة.

حصل العراق حتى الآن على قسم من طلباته، كما قدمت له بعض الآليات في صورة هبات ومعونات أميركية.

وبعد احتلال مناطق واسعة في الأنبار، وتالياً نينوى، من قبل الجماعات الظلامية المتطرفة، تعهدت الولايات المتحدة بتسريع عمليات التسليح الخاصة بالقوى الأمنية العراقية.

وفي السياق ذاته، جرى التعهد بزيادة عدد المدربين والاستشاريين، وقوات الدعم البري المباشر. وقد حدث ذلك بقدر أو آخر.

هذا المسار، لازال في بداياته، وهناك شوط طويل يجب قطعه، إذا كانت الولايات المتحدة بصدد تمكين العراق من تحقيق استقراره الأمني، واستتباعاً استقرار هذه المنطقة الحساسة من العالم.

لازال تسليح الجيش العراقي دون المستوى المطلوب لإنجاز الهدف الذي تم تحديده والتوافق عليه. وهذا الهدف لا يتصل بالأيديولوجيا السياسية، بل بالأمن الدولي، وفي الطليعة منه أمن الشرق الأوسط والولايات المتحدة.

وبالنسبة للرئيس ترامب، فإن هذه القضية لا يُمكن فصلها عن تعهده بتعزيز الأمن القومي الأميركي. وهذا ليس مجرد استنتاج تحليلي.

لا يريد الأميركيون إعادة دفع مئات الآلاف من أبنائهم إلى صحراء العراق، ولا إعادة تعريف التاريخ العسكري لبلادهم.. العبرة هنا هي كيفية تحقيق الأهداف بأقل ثمن ممكن. كيف يُمكن للإدارة الأميركية القادمة أن تقول إنها حققت الأمن في دولة مركزية كالعراق، وبات الشرق الأوسط أقل اضطراباً.

هذا هو جوهر التحليل الذي يُمكن للإدارة الأميركية الدخول فيه، ارتكازاً إلى دروس التاريخ وتجاربه.

إن المقاربة التي يُمكن الذهاب إليها يجب أن تنطلق من البناء على ما تم تحقيقه، فالتاريخ لا يُمكن هدمه، مها بدا مختلفاً عليه.

إن وحدة العراق الإقليمية يجب أن تبقى عنصراً ثابتاً في أي إعادة إنتاج للسياسات، كما يجب أن يكون اعتماد العراقيين على أنفسهم عنصراً آخر في المقاربة. ومن دون هذين البعدين، فإن أحداً لا يُمكنه أن يضمن بأن يصبح المستقبل أفضل من الحاضر، بل لا أحد يُمكنه تصوّر المآلات، والعواقب السالبة بعيدة المدى، على العراق والشرق الأوسط.

إن الواقعية السياسية يجب أن تكون هي الأصل في الرؤية والتحليل. وقضايا الأمن لا يُمكن مقاربتها ارتكازاً إلى ميول أيديولوجية بحتة. وهذه تجربة خمسة عقود من الحرب الباردة تؤكد ما نحن بصدده الآن.

هذا العراق يُمثل نموذجاً لكيفية مقاربة التحديات ذات العواقب الإقليمية، والنجاح فيه قد يكون طريقاً للنجاح في قضايا مماثلة حول العالم.

إن الإدارة الأميركية القادمة معنية بالتركيز على كيفية جعل العراقيين قادرين على تحقيق أمنهم الوطني ارتكازاً إلى سواعدهم. وعليها الحذر من حبل التوازنات التائهة، فهذا حبل يجعل من العمل السياسي مجرد حلقة مفرغة، لا تقود أصحابها إلى أي نتيجة يصبون إليها.

وإذا كانت إحدى ركائز إستراتيجية الأمن القومي الأميركي تقوم على مبدأ التصدي لقوى العنف الدولي، والقضاء على قدراتها، قبل أن تصبح تهديداً وشيكاً للولايات المتحدة الأميركية، فإن النجاح في العراق يعني أيضاً نجاحاً على هذا الصعيد.

إن الرئيس ترامب يُمكن أن يحقق للولايات المتحدة منظومة معطيات أساسية ذات صلة بأمنها الوطني، ومصالحها الدولية، إن هو حقق نجاحاً في العراق. ومن هنا، لا بد أن تكون بلورة السياسة الخاصة ببلاد الرافدين في مقدمة أولوياته.

  • قراءة 345 مرات
الدخول للتعليق