أين العرب في العراق

أين العرب في العراق

إبراهيم الزبيد ي

يبدو أن النظامين العربييْن الرسمي والشعبي، في المعارك الحامية التي كانت تدور، والتي تدور اليوم، في منطقتنا، والتي تتوقف على نتائجها مصائرُ دول المنطقة وشعوبها، مدمنان على الجلوس على التل، والاكتفاء بالمراقبة، وانتظار وضوح الرؤية بعد انقشاع دخان المعارك، على قاعدة “ابعد عن الشر وغنِ له”، والعاقبة للمتقين.

ولعل أكبرَ أخطائهم كانت في أعقاب الغزو الأميركي للعراق وبدء مسلسل الهوان الطويل. فهم، حتى بعد نزول النازلة ودخول قوات الغزو، ومعها حلفاؤها المعارضون العراقيون، لم يفعلوا شيئا جديا ذا قيمة للتأثير على القرار الأميركي القاضي بتسليم العراق لإيران، وإشعال حروب مذهبية مدمرة لا تنجو منها مصالح أميركا ذاتها.

كما لم يفعلوا شيئا مقدورا لمنع إيران من استغلال حالات الفراغ والفوضى والفلتان التي أحدثها الاحتلال، وخاصة في ما يتعلق بأمن الحدود العراقية مع الخارج، وحفظ الأمن في الداخل. لقد تركوا الشعب العراقي وحيدا يواجه العواصف الأكبر من قدرته على وقفها أو تخفيف اندفاعها.

فأقوياؤهم، وأثرياؤهم، تحديدا، تخاذلوا، وتخلوا عن أي تفكير بأي نوع من التدخل الجدي القوي والعميق في المسألة العراقية، كما فعلت وتفعل إيران، خوفا من أميركا، أو تحسبا لغضبها المفترض.

وبدل أن يعاونوا، ولو من تحت الطاولة، جموع العراقيين الوطنيين الذين لم يلوثوا أنفسهم بالمشاريع الأميركية والإيرانية والسورية، على تثوير الشارع الوطني المستقل، وتحويله إلى قوة ردع حقيقية قادرة على مواجهة الهجمة الدينية الطائفية وأدواتها المسلحة، فقد تسابقوا على احتضان خيول عراقية (سنية) فاسدة أنانية وانتهازية، ألهت الطائفة السنية بشعارات أكبر من حجمها ومن أحجامهم كثيرا، وبمواجهات غير عقلانية وغير متكافئة مع إيران ووكلائها المالكين لقوة الدولة وثرواتها، ولم يفعل “الأشقاء” الممولون لتلك الأحصنة لِلَجمها والإمساك بأرسانها والحد من نفاقها وانتهازيتها، فألحقوا بأشقائهم سنة العراق وبأنفسهم ضررا ظل يتزايد يوما بعد يوم.

والأكبر من كل أخطائهم تلك أنهم أغمضوا عيونهم عن الشارع الشيعي العربي العراقي، وتعاملوا مع ملايينه، وفيها كثرة كاثرة من الوطنيين العقلانيين المتنورين، وكأنها كلَّها مخبأ للعفاريت والشياطين، الأمر الذي أشعرها بأنها عدوٌ، وبأن أمة العرب الواحدة ذات الرسالة الخالدة جبهة واحدة ضدها.

لقد دفعوا بالكثيرين من الشيعة العراقيين المعارضين لفكرة ولاية الفقيه إلى الحضن الإيراني، حين لم يتركوا لهم خيارا سوى الاحتماء بإيران التي يكرهونها ولا يأمنون سفراءها ولا وكلاءها أجمعين.

بالمقابل كانت إيران، مباشرة، أو من خلال الأحزاب والشخصيات الشيعية الموالية لها، تبالغ في التعاون والتفاهم مع الاحتلال الأميركي في حملاته على المجاميع (الإرهابية) السنية، من جهة، وتحتضن منظمات إرهابية، سنية طبعا، من جهة أخرى، وتقوم بتدريبها وتسليحها وإرسالها، من إيران ذاتها، ومن سوريا، إلى العراق لتنفيذ عمليات (مقاومة) همجية تقتل عراقيين أكثر مما تقتل من جنود “الشيطان الأكبر” وضباطه “الاستكباريين”.

كما لا يخفى سجل النظام الأسدي المُسير إيرانيا في تصميم العمليات الإرهابية وتنفيذها، بذريعة مقاومة الاحتلال، والتي تكون ضحاياها من العراقيين وليس من المحتلين.

والمحزن، في هذا أيضا، أن أنظمة عربية مقتدرة ساهمت، أو سهلت تلك الهجمات، مدفوعة بالخوف من عراق ديمقراطي محتمل يهدد وجودها بشكل أو بآخر، دون أن تتنبه لخطورة ما تقدمه من خدمة لإيران التي كانت تستخدم تلك العمليات وسيلة لتعميق الكره والخوف والحقد لدى الأميركان على العرب السنة، ولتزكية أحزابها وميليشياتها من الإرهاب، ولإقناع سلطات الاحتلال بأن ميليشياتها موجودة فقط لحماية جيوش الاحتلال، ولدرء أخطار الإرهابيين العرب السنة على ديمقراطية العراق الأميركي الجديد.

من هنا يمكن القول إن جميع ما ترتب على الغزو الأميركي منذ العام 2003 وإلى اليوم، وأخطرُه احتلال داعش لمدن عراقية كبرى، وإطباقُ الميليشيات الطائفية على القرار الرسمي للدولة العراقية، وهيمنة إيران على العراق، واتخاذه قاعدة انطلاقها نحو دول المنطقة، إنما هو نتيجة طبيعية لغفلة النظام العربي وتقاعسه عن واجب المواجهة قبل وقوع الفأس في الرأس، وقبل خراب البيوت.

وفي الحروب المسرحية الحالية التي تتخذ فيها إيران من داعش ذريعة للكسب السياسي، ولانتزاع مواقع متقدمة جديدة على الأرض العراقية وفي الإقليم، يغيب العرب تماما، وبالكامل، عن ساحة المبارزة، وكأن الأمر يجري في الكونغو أو جزائر الواق واق.

فحكومة حزب الدعوة، وهي إيرانية الولادة والرضاعة والفطام، تُعطي قاسم سليماني مكان القيادة، وتفاخر بوجود الحرس الثوري الإيراني كقوة مساعدة استقدمت بطلب رسمي لاحتلال الدولة العراقية، ولكنها ترى في تصريح عابر لسفير السعودية في بغداد يَصمُ فيه الحشد الشعبي بالإرهاب جريمة بحق السيادة وخرقا لأعراف الدبلوماسية، ولا تسمح بوجود جندي عربي واحد على أرض عراقية اعتداء على شرف الشعب العراقي وكرامته وأمنه، ثم يؤيدها الأميركيون في ذلك، دون تردد.

والواضح أن حكومة حزب الدعوة تستصغر الدول العربية، صغيرتها وكبيرتها، معا، وتتعالى على تركيا، ولا تحسب حسابا سوى لإيران. وما غزلها المفتعل بالأكراد، ولقاءات حيدر العبادي التلفزيونية مع مسعود بارزاني، ووعدُه بالقبول “المغشوش” باستقلال كردستان بعد تحرير الموصل إلا تقية وانحناء للريح العاصفة، في انتظار الفرصة المواتية لإنكار ذلك القبول.

وها هي دولة الولي الفقيه أشعلت حربَها الكلامية والعملية على أكراد أربيل، مستعينة بأكراد السليمانية، ولا بد أن تنخرط حكومة العبادي، وهي العبد المأمور، في هذا الضخ العنصري الطائفي ضد دولة كردستان (الصهيونية) التي وعدت بتأييد استقلالها. وهنا أيضا لا وجود لعربي واحد يُطلق صوتا مسموعا واحدا في هذه الملحمة.

وفي القفزة الأميركية نحو الرقة، وإهمال جيوش أردوغان وتركها معطلة على الحدود دليل آخر على عدم احترام السيد الأميركي والقائد الإيراني للتحالف العربي التركي الخجول المُشكَّل على شاشات التلفزيون، وعلى زهدهما بأي دور، حتى لو كان هامشيا، لغير الإيرانيين في حروب يتقرر على ضوء نتائجها لا مصير العراق وحده، بل مصير الدول العربية كلها، مهما توهمت بأنها في منأى عن شظايا حرب تحرير الموصل، والرقة، وما بعدها.

وهاهو العراق اليوم، لا يستطيع أيٌ كان، حتى لو كان الرئيس الأميركي نفسُه، أن يأخذ مكانا في السلطة في العراق إذا لم يحصل على موافقة إيران عن طريق وكلائها العراقيين.

  • قراءة 265 مرات
الدخول للتعليق