عاصفة في اتحاد أدباء العراق

عاصفة في اتحاد أدباء العراق

عبد اللطيف السعدون

18 نوفمبر 2015وجد شعراء وأدباء عراقيون ملتزمون بشرف الكلمة، ومتمسكون بجامعة وطنية عريضة لم تنفصم بعد، أنهم معنيون بحماية القيم التي آمنوا بها، وأن "اتحادهم" الذي بلغ مرحلة الشيخوخة لم يعد الوعاء الأمثل لتمثيلهم، وكان أن قطعوا الخيط الأخير الذي يربطهم به. 
رحيل الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد، ورفض الاتحاد إصدار نعي له، كما عند رحيل الشاعر يوسف الصائغ، كان القشة التي فجّرت الاختلاف الأعمق بين المهيمنين الحاليين على الاتحاد وخصومهم الذين اكتشفوا في هذه الهيمنة استنكافاً عن الفعل الوطني الذي عرف به أدباء العراق في مختلف الأزمان. تندرج، في هذا الاستنكاف، جملة مواقف، اتخذها الاتحاد: مباركة الغزو الأميركي واعتباره "فعل تحرير". "وثيقة العار" التي بعث بها أدباء ومثقفون عراقيون، بينهم أعضاء في الاتحاد، إلى جورج بوش وتوني بلير لشكرهما على "مبادرتهما النبيلة والشجاعة في تحرير الشعب العراقي". الاصطفاف مع بقايا اليسار الهجين الذي قبل ولاية بول بريمر عليه، وكذا مع التيارات الإسلاموية الطائفية التي شرذمت البلاد. تقليد إبراهيم الجعفري "درع الجواهري"، ومنحه عضوية الاتحاد، تقديراً لما قدمه للثقافة العراقية، (لا نعرف إسهاما للجعفري في مسيرة الثقافة العراقية، إلا إذا اعتبرنا خطبه الطلسمية التي حوتها مجلدات أربعة، أسماها "خطاب الدولة"، فتحاً مميزاً في الفكر واللغة وفن الخطاب). النكوص عن إدانة سلوكياتٍ صدرت من "أدباء"، تدخل في إطار التطبيع مع الكيان الصهيوني. نتذكّر زيارة "ثلاثة من أهل الثقافة في العراق"، بحسب وصف سعدي يوسف لهم، إلى إسرائيل، ولم ينبس الاتحاد تجاههم ببنت شفة. آخر ما عرف به "الاتحاديون" إنكارهم الحق في الرأي المختلف والرؤية المغايرة على الآخرين، والانطلاق من مسوغات غير موضوعية، ولا شرعية، في التأليب عليهم ومخاصمتهم، وهو ما فعلوه، أخيراً، مع عبد الرزاق عبد الواحد، حين استكثروا عليه نعياً له من سطرين. 
لم يحالف الحظ رئيس الاتحاد، فاضل ثامر، في تسويق ما نعتبره "تمويهاً"، بغرض الإساءة إلى الشاعر الراحل، وتبرير الموقف السلبي منه، إذ أورد ثامر، في مقالته في موقع الاتحاد، جازماً، أن عبد الرزاق وجّه وصيته إلى زعيم داعش، أبي بكر البغدادي، يبلغه فيها "إذا تحرّر العراق، فاني سآتي إلى جنبك في الموصل"، فيما العبارة مستلة من وصية عبد الواحد إلى صديق له من الموصل، هو كفاح قصاب باشي، وتربطه به علاقة عميقة، وكان من مجموعة رعت عبد الرزاق، واعتنت به، في أواخر أيامه، كما يعرف مقرّبون منه. وعبد الرزاق، من قبيل العرفان بجميل صديقه، وعده بأن يقيم معه، في مدينته الموصل، بعد تحرير العراق من الطغمة الحاكمة اليوم. وأيضاً، لم يحالف الحظ ثامر في ادعائه أن عبد الرزاق كاتب النشيد الخاص بجيش النقشبندية. يريد، هنا، أن يضفي على الشاعر الصابئي المندائي الراحل صفة "الداعشية" و"النقشبندية" في آن، وهو الناقد الحصيف للنتاجات الإبداعية الذي لا تفوته معلومة أن عبد الرزاق ترجم، لأبناء طائفته المندائيين، كتابهم الأقدس "الكنزاريا". 
تظل أسئلة في البال: هل اضطربت الرؤية لدى "الاتحاديين"، وتقلصت الخيارات عندهم إلى درجة الاستنكاف المفرط عن الفعل الوطني، وهل ذلك نتيجة اختناق الوضع السياسي العام، بحيث لم يجد المبدع الملتزم، وفي "الاتحاد"، كما نقر ونعترف، ما يزال هناك مبدعون في الشعر أو النثر أو الرواية، سوى أن ينحني، كي يداري "الخبز" الذي يأكله، وإنْ مغمساً بالدم ورائحة العفن؟ وهل بلغت المكابرة والاعتداد بالذات لدى بعضهم درجة محاولة إلغاء الآخر ونفيه، وإنكار حقه في المغايرة والاختلاف؟ 
وهل يدرك "الاتحاديون" أن المنظمات التي تضم المبدعين من الكتاب والشعراء والفنانين لا تملك القوة المحركة للإبداع، لكنها تستطيع أن تسهم في تهيئة متطلبات وضعٍ أفضل، يمكّن المبدعين من العمل والإنجاز، وأن تخلق جسوراً بينهم وبين العالم المحيط بهم، وإنها لا تصنع الأديب أو الشاعر أو الفنان، إنما هو الذي يصنع منظمته إن شاء. 
على أي حال، قد لا يستطيع الأدباء والشعراء العراقيون "المنتفضون" في مواجهة اتحادهم تحقيق كل ما يريدونه، لكن فضيلتهم أنهم رموا حجراً في مياه راكدة. 

  • قراءة 369 مرات
الدخول للتعليق