مرحلة ما بعد تحرير الموصل.. الضمانات والتداعيات!

مرحلة ما بعد تحرير الموصل.. الضمانات والتداعيات!


هارون محمد


في غضون أقل من اسبوع، فقد العراق اثنين من مثقفيه الكبار، يوسف العاني الفنان المسرحي البارز، ووميض عمر نظمي المفكر والباحث المعروف، الاول شُيع حكوميا لاغراض دعائية رخيصة، خصوصا وقد شارك في حمل نعشه وتلقي العزاء بموته مسؤلون حشروا أنفسهم حشرا في استقبال جنازته وهم من عتاة الحرب على الفنون والآداب والابداع عقب الاحتلال، وأحدهم فاخر في لقاء متلفز انه ينفق على هاتفي ولديه (الحسن والحسين) وهما في السابعة والخامسة من العمر، مبلغ خمسة ملايين دينار شهريا، من رواتبه ومكافآته (الحلال) دون ان يرف جفنه خجلا، لان هذا المبلغ يكفي لاعالة اكثر من عشرين عائلة شيعية فقيرة في بلدته الحلة، في حين نزل الثاني الى قبره بصمت وسط أهله ورفاقه وبعض مريديه وتلامذته، موصياً ان لا يقرب الى جنازته، من عليه (ريحة) احتلالية او طائفية، رحمهما الله وصبّر احبائهما.
وفي العراق الحالي بات الموت يمثل رحمة لمن عاش في حقبة  الزمن الجميل الماضي، وعاصر سنوات القهر والخراب عقب الاحتلال ، وكثير من المثقفين والفنانين والمبدعين يتمنون ان يأتي اليوم الموعود الساعة وليس غدا أو بعد غد، حتى يتخلصوا على الاقل، من سماع وعود الاصلاح التي اعلنتها حكومة العبادي منذ قرابة عامين ولم يتحقق منها، غير تعيين وزير للنقل من (التكنوقراط) مهووس بالكائنات والمركبات الفضائية التي كانت تحط وتطير في مطارات الناصرية جنوب العراق قبل خمسة الاف عام، ويريحوا رؤسهم من صداع تصريحات النائبة حنان الفتلاوي وآخرها محاربة تركيا برمي منشورات (الفشار) أي السب والشتم، على جنودها حتى يهربوا من المواجهة، ومن حسنات الموت ايضاً في هذا الزمن الاغبر، ان الميت وهو في رقدته الابدية سيكون في راحة لا يسمع ولا يرى بلاغات هادي العامري وابو مهدي المهندس وقيس الخزعلي في سحق أهل الموصل عقب تحريرها، ولا يفور دمه ولا يجبر على مشاهدة اكثر من اربعين قناة تلفزيونية فضائية وارضية تبث على مدار الساعة يوميا، مشاهد اللطم والتطبير، ولا يتفطر قلبه ألماً على نبأ وفاة طفل في الثالثة من عمره في أحد مستشفيات بغداد، شج رأسه الغض والده المتخلف بـ(قامة) حادة احدثت نزيفا قاد الطفل المسكين الى الموت.
وعلى ذكر المواكب الحسينية التي تزايد عددها في شهر محرم الحالي بشكل يثير الشبهات عن مصادر تمويلها وشراء مستلزماتها من طعام وشراب ونقل وخيم ومحطات توليد الكهرباء وخدمات اخرى، في وقت تعلن الحكومة التقشف وتحجب اعانات النازحين وتؤجل دفع رواتب الموظفين وتتسول من البنك الدولي لسد العجز المالي، فان هذا الموسم، شهد عرض مسرحية بائسة في اعدادها واخراجها قدمت في كثير من الامكنة تظهر شكلا مكورا بالسواد يوحي بانه امرأة، وياتي رجل قبيح الهيئة رث الخلقة ويرفسها، وتصرخ المرأة الملفوفة بسوادها وتنطلق صيحات جمهور المشاهدين باللعنة على عمر بن الخطاب، لانه كسر برفسته ضلع فاطمة الزهراء وأجهضها، في منظر يدفع الى التقيوء من طريقة تقديمه المبتذلة، وبعد كل هذا يطلع زعيم حزب الدعوة نوري المالكي ويعلن انه مع المصالحة الوطنية، ويتناسى انه وجمع على شاكلته، اشاعوا الفرقة وحرضوا على الفتنة الطائفية وصنفوا نصف الشعب العراقي ضمن معسكر يزيد، ووصفوا كل حراك سلمي يطلب حقوقه المشروعة بالارهاب.
والسؤال الذي يطفح على السطح، هل من المعقول ان تتصاعد حملات الاساءة والتشهير برموز دينية تحظى بمحبة واحترام فئات واسعة من الشعب العراقي، والبلد يخوض معارك دامية مع مسلحي تنظيم داعش، في اكثر من محافظة اغلب سكانها ـ شئنا أم ابينا ـ من السنة العرب معروف عنهم انهم يحبون عمر وصحابة رسول الله، ويقدرون زوجاته عائشة وامهات المؤمنين، وهم يتعرضون الى التجريح والسب وفي هذا الوقت بالذات ؟
ومن المحزن ان يترافق هذا الصخب الطائفي مع تصريحات لقادة مليشيات الحشد بالانتقام من أهل الموصل، كما جاء في تهديدات زعيم العصائب قيس الخزعلي، الذي دعا الى سحق المدينة الصابرة وسكانها الصامدين وعددهم حسب احصاءات الامم المتحدة اكثر من مليون انسان، وحجته انهم لم يقاوموا تنظيم داعش ولم يطردوا مقاتليه المدججين بالمدافع والصواريخ والدبابات والمدرعات التي خلفتها لهم قوات المالكي عند انسحابها بلا قتال من الموصل في مؤامرة انكشفت بعض صفحاتها والبقية تأتي تباعا.
لقد اعلن العبادي المباشرة بعمليات تحرير الموصل، ولكن العبرة ليست في الاعلان واصدار الاوامر بالتحرك صوب المدينة والقاء الاف المنشورات عليها، تحذر سكانها بالابتعاد عن مقار التنظيم المتوحش، وانما كان المطلوب اعطاء ضمانات ملزمة من حكومة العبادي وتعهدات من الامم المتحدة واعلان امريكي رسمي صريح، ما دامت واشنطن تشارك بقواتها البرية والجوية والاستخبارية في رسم الخطط العسكرية وتحديد جبهات القتال، بان الهدف المركزي لمعركة تحرير الموصل، هو تخليصها من احتلال داعش وعدم استبدال هذا الاحتلال البغيض بغزو مليشيات بدر والعصائب وكتائب حزب الله وسرايا الخرساني التي تشكل الوجه الاخر لتنظيم داعش، في ارهابها وجرائمها وانتهاكاتها، وتتفوق عليه في سرقاتها وخصوصا الدجاج والثلاجات والافرشة واواني المطابخ كما شاهدناها بالصورة والصوت في تكريت وبيجي والفلوجة والصقلاوية والخالدية.      
معركة الموصل في بدايتها وقد تقصر او تطول، حسب ظروف القتال، ولكن من الضروري طمأنة سكانها الذين كابدوا الويل والتنكيل والتقتيل على مدى 28 شهرا مريرا، بان مليشيات الحشد الشعبي لا مكان لها في المدينة العربية التي كانت تحمل اسم (ام الربيعين) في ازمنة العز العراقي، لا الآن ولا مستقبلا، والا فان الآتي من الايام سيكون أشد فجيعة من اليوم.
----
صحيفة (العرب) اللندنية

  • قراءة 368 مرات
  • آخر تعديل على %AM, %20 %415 %2016 %08:%تشرين1
الدخول للتعليق