التكرار وأثره على القلب

التكرار وأثره على القلب

 
 

ابنة الرميصاء


بسم الله الرحمن الرحيم ..



اللهم لك الحمد أنك أنت الله سبحانك، لا علم لنا إلا ما علمتنا، ولا هادي لنا سواك، اللهم صل وسلم وبارك على البشير النذير والسراج المنير وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان، وبعد:
فإن فائدة التكرار في الحفظ والمراجعة معلومة لكل أحد(1)، ومواقف علمائنا في ذلك كثيـرة لكن.. ماذا عن الفائدة القلبية للتكرار؟
هب أن بقعة حبر سقطت على ثوب أبيض، فجاء الأول بطست من ماء عذب زلال وسكبه دفعة واحدة على الثوب بغير فرك ولا إعمال يد، وجاء الآخر بملئ كفٍ واحدة من ماء فجعل يصبه شيئا فشيئا على البقعة ويفركها، من تطهر بقعته بشكل أفضل؟
وهكذا الحال، ذاك الذي يهذّ القرآن هذّاً، ولا يعمل عقله تدبرا، ولا قلبه تخشعا، ولا عينه تباكيا، وهمه آخر السورة وإنهاء ما أوجبه على نفسه؛ وهذا الذي تطهر وأقبل بقلبه على كلام ربه سبحانه متأملا متدبرا مكررا فإذا ما لامست آية قلبه توقف.. توقف عندها، وظل يكررها فتُجَلّى له المعاني ويُغمَرُ في ملكوت من نور وعالم انشراح وجنة من حبور وسرور، فلا يزال يكررها ويُلْهَم من البركات والخيرات ورقة القلب وانكشاف الهم والغم والكرب والحزن، ويستقي منها لقلبه، لخُلُقِهِ، لعمله، لعِلمِه.. فيقوم حينها بالزيادة، زيادة من جميع النواحي كما قال قتادة الدوسي رحمه الله: (لم يجالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان، قضى الله الذي قضى، شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا).
إن أساس مشروعنا قائم على التكرار، التكرار وطموحنا في ذلك تحصيل الفائدتين؛ تحرك القلب أولا، ثم تمكين الحفظ.
هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أسوتنا قام بآية يرددها حتى أصبح {إن تعذبهم فإنهم عبادك}(2)
يكررها حتى أصبح!
كم كررها؟! وماذا كان يدور بخلده؟!
أتراه يناجي ربه شفاعة لنا واسترحاما!
بأبي وأمي -صلى الله عليه وسلم- فكيف تعاملنا معه مع سنته مع هديه؟
وآه كم زهدنا فيها! ثم ندعي حبه؟!
انظر إلى من صدقوا في حبهم كيف اتبعوا هديه، وساروا على أثره، مستبصرين، عالمين بعظيم أثر التكرار في تدبر القرآن، وعظيم أثره في انتزاع القلب من الأقفال.

فهذه أمنا رضي الله عنها وأرضاها السيدة عائشة قائمة تصلي وتردد {فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم * إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم} وتبكي فغدى عليها ابن أختها وظل ينتظر حتى ملَّ.
كم انتظر؟!
فذهب إلى السوق يقضي حوائجه.
كم ظل في السوق؟
ثم رجع، فإذا هي كما هي! نفس الآية.. نفس الوجدان.. نفس البكاء!.
كم كررتها؟ كيف كانت تشعر؟ ماذا كانت تستحضر من المشاعر؟!
كأني أراها في الجنان بفكرها تبكي شوقا وتصبرا واصطبارا! (3)

وهذا ابن مسعود رضي الله عنه، ومن ابن مسعود؟
أتذكرون كم روى من الأحاديث؟ بل أتذكرون قول النبي صلى الله عليه وسلم فيه:
(مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ ، فَلْيَقْرَأْ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ)؟!
رجل يقرأه كما أنزل! ألا ليت شعري كيف كانت قراءته!
وها هو ذا نقل لنا عنه طول تكراره لقوله تعالى: {رب زدني علما} فكم زاده الكريم!

وهذا تميم الداري قام ليلة بآية الجاثية يبكي فيركع ويسجد ويقوم فيعيدها فيبكي ويركع ويسجد حتى أصبح!
وهذا سعيد بن جبير يردد هذه وتلك، وقد نقلت عنه عدة آثار كل فيها كان يكرر آية غير الأولى.. وغيرهم وغيرهم.

إننا نسعى للتغير بالقرآن، لطهر القلوب، لسمو الأرواح، لرقي الأخلاق، نسعى لحب الله ومن أحب الله أحب كلامه، ألم ترى فلان من الناس كيف أنه لما أحب فلانا، أصبح يكرر ألفاظا بعينها ويكثر استخدامها مما هي كلمات حبيبه!
رضي الله عنك يا عثمان بن عفان، رضي الله عنك!
كم عشت للقرآن! وكم خدمته! حتى قُتِلتَ وهو بين يديك وسال دمك الطاهر على صحف مطهرة!.
رجل بلغ من محبة الله والحياء منه، أن تستحي منه الملائكة، ويستحي منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (لو طهرت قلوبنا ما شبعت من كلام ربنا) إيه .. فماذا نقول نحن!.
إن القرآن كما في الدعاء ربيع للقلوب ونور للصدور وجلاء للأحزان وإذهاب للهموم والغموم، فهل تكون التجلية والإزالة بغير ذهاب وإياب وترداد وتدبر؟!

مواضيع مشروع حياة | التكرار وأثره على القلب
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

----------------------------------
(1) من أرادت الاستزادة في هذه فلتراجع مقال: التكرار هو طريقة السلف في العلم والحفظ لابن المهلهل في صيد الفوائد.
https://saaid.net/mktarat/alalm/75.htm
(2) أخرجه النسائي وأحمد وابن ماجه وابن أبي شيبة والحاكم في المستدرك وقال : هذا حديث صحيح ولم يخرجاه، وحسنه الألباني، ونصه: (عن أبي ذر – رضي الله تعالى عنه – قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم بآية يرددها حتى أصبح. والآية: ﴿ إن تعذبهم فإنهم عبادك ﴾).
(3) عن القاسم قال: كنت إذا غدوت أبدأ ببيت عائشة –رضي الله عنها- فأُسَلِّم عليها فغدوت يوما فإذا هي قائمة تسبح وتقرأ: {فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم} وتدعوا وتبكي وترددها، فقمت حتى مللت القيام فذهبت إلى السوق لحاجتي ثم رجعت فإذا هي قائمة كما هي تصلي وتبكي-رضي الله عنها- والقاسم هو ابن أخيها محمد بن أبي بكر -رضي الله عنهم-.

  • قراءة 349 مرات
الدخول للتعليق