محنة القضاء العراقي

محنة القضاء العراقي

إبراهيم الزبيدي  

لا معنى للضجة الغاضبة التي يثيرها سياسيون ومثقفون وإعلاميون عراقيون حول القضاء العراقي بسبب إلغائه أول قرار (إصلاحي) اتخذه حيدر العبادي أقال بموجبه نواب رئيس الجمهورية من مناصبهم، بتشجيع من المرجعية، وتهدئة لخواطر المتظاهرين في ساحة التحرير.

فهي تكاد تقول إن القضاء العراقي، وحده، المتهم بخيانة الأمانة والضمير، وباستخدام سلطته وسيلة لتنفيع هذا السياسي ومعاقبة ذاك، وتجريم البريء وعدم مساءلة المجرم، وكأن الدولة، كلها، صالحة ونزيهة، والقضاء، وحده، الطالح وغير النزيه. وقبل كل شيء ينبغي الإجابة عن هذا السؤال، هل لدينا دولة أم هي ساحة يأكل فيها القوي الضعيف، وتحكمها المقاييس التي يقررها صاحب السلاح والمال والدعم الوارد من وراء الحدود؟

فأي دولة تلك التي تعلن، على لسان رئيس وزرائها، أن الحشد الشعبي مؤسسة أمنية رسمية مقدسة تُمول من خزانة المال العام، وقراراتها فوق كل قرار، ويصرح فيها وزير خارجيتها رسميا، بأن وزارة الخارجية مجندة لخدمة مشروع الحشد الشعبي، رغم أن القاصي والداني يعلم أن أساسه وأهم مكوناته ميليشيات تفاخر بطائفيتها، وتجاهر بعدائها لنصف الشعب العراقي، وتعلن أنها فوق الرؤساء والوزراء، وفوق الجيش والشرطة، ولا تأتمر إلا بما يقرره المرشد الأعلى في طهران؟

ولعل أدق تشخيص لحقيقة العملية السياسية التي أنتجت هذا الكيان الهش، وسلطت الحشد الشعبي على البلاد والعباد، يأتي من داخل العملية السياسية ذاتها، على لسان السياسي الكردي الجريء الدكتور محمود عثمان. فهي الأهم والأخطر من جميع الشهادات والتحليلات التي حاول بها جميع المحللين والسياسيين الواقفين خارج النظام تشخيص الوضع الراهن في العراق الجديد.

صحيح أنه ليس واحدا من صناع القرار الفاعلين، لكنه صانع قرار أيضا ولو من بعيد. يقول في حديث أدلى به لصحيفة الشرق الأوسط إن “قادة الكتل هم الذين يديرون العراق. البرلمان والوزارات ورئاسة الجمهورية تدار من قبل قادة الكتل السياسية، وهذه الكتل غير متفقة مع بعضها”. “كلهم انتقائيون بالالتزام بالدستور. يقولون نلتزم بالدستور، وهذا غير صحيح، فكل واحد منهم يلتزم بالفقرة الدستورية التي تعجبه أو تفيده، أما التي لا تفيده فلا يلتزم بها”.

ويزيد في تفسير هذه النقطة فيقول “اليوم في العراق يوجد نحو مليون مسلح يقودهم المالكي، ومن يتحكم في القوات المسلحة يكون هو الأقوى. فالعراق لا يزال يُحكم بقوة السلاح. صحيح أن هناك برلمانا ورئاسة جمهورية ورئاسة وزراء، لكن الذي يتحكم بالقوات المسلحة هو الذي يحكم”. ويختم قائلا، إن “العراق ليس دولة”.

وقد جاء قرار المحكمة الاتحادية الأخير تأكيدا لرأي محمود عثمان، وبالقلم العريض. فقد برر المتحدث باسم السلطة القضائية عبدالسلام بيرقدار ذلك القرار بالقول “إن وجود منصب نائب أو أكثر لرئيس الجمهورية إلزامٌ نص عليه الدستور وإن إلغاءه يعني تعديل الدستور لسنة 2005”.

إنها كلمة حق أريد بها باطل. فلو كان القضاء يحترم نفسه، ولو كان حافظا لاستقلاله وعدالته لقال “إن إلغاء منصب نائب رئيس الجمهورية يخالف أحكام الدستور” وسكت لتعود القضية، بعد ذلك، إلى البرلمان، ليقرر تأييد قرار رئيس الوزراء بطرد النواب الثلاثة، أو رده بأغلبية الأصوات، بالرغم من أن النتيجة ستكون هي ذاتَها في البرلمان الذي يدار من قبل رؤساء الكتل، وخصوصا أقوياءهم أصحاب القوة المسلحة (على رأي محمود عثمان).

الضجة العراقية على القضاء تظلم رئيسه ورفاقه معه حين تصب عليهم نقمتها، وتتهمهم بمسايرة نوري المالكي، وخدمة مصالحه والخضوع لإرادته، دون احترام لأنفسهم ولا لسمعة العراق، ودون اكتراث برأي الشارع المحتقن، وذلك لأنها تجهل أن رئيس المجلس الأعلى للقضاء لا يستطيع أن يكون طرزان القرن الحادي والعشرين.

فلو جئنا بالمهاتما غاندي، أو نيلسون مانديلا، أو ديغول، وعيناه رئيسا لمجلس القضاء الأعلى، في دولة يديرها نوري المالكي وهادي العامري وقاسم سليماني وحيدر العبادي وصالح المطلق وإياد علاوي وأسامة النجيفي وإبراهيم الجعفري فلن يستطيع أن يفعل سوى واحد من ثلاثة، إما أن يستقيل فيعتقله المالكي والعبادي والعامري بتهمة الاختلاس والرشوة، وإما أن ينتحر كما انتحر عبدالمحسن السعدون، وإما أن يفعل ما يفعله مدحت المحمود، منذ 13 سنة، فيطأطئ كما طأطأ، ويرضخ كما رضخ، ويغمض عينيه، ويسد أذنيه، ويقطع لسانه، وهو كظيم.

  • قراءة 227 مرات
الدخول للتعليق