كيف سترد السعودية على القانون الأميركي (جاستا) / د. محمد عياش الكبيسي

كيف سترد السعودية على القانون الأميركي «جاستا                 (المقال كاملا


الثلاثاء، 04 أكتوبر 2016 / صحيفة العرب

 

بأغلبية ساحقة تزيد على الثلثين، أبطل مجلس النواب الأميركي الفيتو الذي استخدمه الرئيس أوباما ضد قانون (جاستا)، الذي يتيح لذوي ضحايا العمليات الإرهابية مقاضاة الدول التي لها صلة بمنفذي هذه العمليات.
القانون اكتسب صيغته النهائية رغم كل الاعتراضات المحلية والدولية، حيث ينظر إليه محليا على أنه يقوض الشراكات الاقتصادية مع (الحلفاء)، بينما يُنظر له عالميا أنه تهديد صارخ لسيادة الدول، حيث ينص على أنه (لا يجوز لدولة أجنبية أن تكون في مأمن من اختصاص المحاكم الأميركية في أي قضية من القضايا التي تطالب بتعويضات مالية ضد دولة أجنبية جراء إصابات جسدية لشخص أو ممتلكات أو حوادث قتل تحدث في الولايات المتحدة)، وعلى هذا جاء تحذير الاتحاد الأوروبي (أن اعتماد مثل هذا القانون سيدفع بلدانا أخرى إلى تطبيق نفس المبدأ مع تفسير مبدأ سيادة الدول بشكل فضفاض)، هناك أيضا اعتراضات قانونية لأن القانون وبمنظور علمي مجرد يطيح بالثوابت القانونية التي تحرم امتداد العقوبات على الجريمة إلى غير فاعلها، فكيف بمعاقبة شعب بأكمله بجريرة فرد متمرد على دولته وخارج عن قانونها؟ من هنا تنبه مدير وكالة الاستخبارات المركزية إلى التداعيات الخطيرة لهذا القانون في حالة تبني الدول الأخرى لقوانين مماثلة لملاحقة أفراد أميركيين تورطوا بعمليات إرهابية.
على خلاف ما توهمه كثير من المعلقين، فإن القانون لا ينص على المملكة العربية السعودية ولا يشير إليها، سوى ما يردده بعض الأميركيين خارج السياق القانوني من إمكانية تحريك دعاوى ضد المملكة، لأن بعض المنفذين لهجمات 11 سبتمبر يحملون الجنسية السعودية! 
القانون بعنوانه ومضمونه ينطبق على إيران ولا ينطبق على السعودية، وذلك بناء على التقارير الأميركية الموثقة، ففي يوليو 2012 أصدرت وزارة الخارجية الأميركية تقريرا حول الإرهاب في جميع أنحاء العالم، جاء فيه أن إيران لا تزال دولة راعية للإرهاب، ثم جاء قرار محكمة نيويورك الفيدرالية الأخير الذي يؤكد تورط النظام الإيراني بهجمات 11 سبتمبر، وقد قدم القاضي جورج دانيلز ست وثائق قضائية تثبت أن إيران سهلت انتقال عملاء القاعدة إلى معسكرات التدريب في أفغانستان، مما كان ضروريا لإنجاح مهمتهم، كما أثبتت أن الحكومة الإيرانية أصدرت أوامرها إلى مراقبي الجوازات في الحدود بعدم وضع أختام على جوازات المنفذين، وأظهرت الوثائق أن عماد مغنية -القيادي في حزب الله- زار المنفذين في أكتوبر 2000. ومن ثم فإن التقديرات الأولية للتعويضات التي يمكن أن تتحملها إيران تتجاوز 21 مليار دولار.
وفي المقابل فإن نتائج التحقيق في هجمات 11سبتمبر، التي سمح الكونجرس بنشرها قبل شهور، أثبتت أن التقرير فشل في العثور على أي دليل بتورط المملكة العربية السعودية بأي صلة مع أي من المنفذين.
الذي ينبغي تذكره هنا، أن قيادات كبيرة في تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة (داعش) قد أدلت باعترافات مسجلة بالصوت والصورة عن علاقات واتفاقات خطيرة بين تنظيماتها وبين إيران، وأن إيران قد احتضنت كبار القاعدة ووفرت لهم الدعم اللوجستي, في مقابل استهداف الدول العربية ومن بينها السعودية وعدم استهداف إيران، وهذه الاعترافات يصدقها الواقع الملموس والمشاهد

 
 

 

الإشكال الذي تواجهه المملكة العربية السعودية ليس في نص القانون، وإنما في طريقة تعامل ذوي الضحايا معه، ثم في المؤسسات المعنية بالنظر في مثل هذه القضايا، حيث من المتوقع أن يكون هناك جو من العواطف والمحاباة والرغبة في الإثراء المفتوح، طالما أن الشكاوى لا توجه ضد طرف أميركي، بل ضد السعودية البلد العربي الثري! 
وإذا اقترن هذا بصورة العربي بشكل عام والسعودي بشكل خاص في مخيلة الرأي العام الأميركي، التي أنتجتها ورسختها وسائل الدعاية النشطة التي تتبناها لوبيات معروفة بعدائها الشديد لكل ما هو عربي، فإننا أمام مخاوف جادة وخطيرة بالفعل.
السؤال الذي يرد في هذا السياق أين دور اللوبي السعودي؟ وكيف تتمكن الدوائر المعادية للسعودية من تشويه الحقائق وتوظيفها دون أن يكون هناك رد مكافئ؟
الحقيقة أن المسألة أوسع بكثير من ذلك، وهي بحاجة إلى مراجعة ومناصحة أكثر، فالسعودية بالرغم من ثقلها ورمزيتها الكبيرة في ضمير الأمة، نجد أن إيران تمكنت من منافستها وإيذائها في المساحة التي كان يفترض أن تكون خالصة لها، إن العالم الإسلامي كله وبسواده الأعظم متوافق مع السعودية من الناحية الدينية ويعدها قبلة له، وهو أيضا كاره لانحرافات التشيع الصفوي الإيراني، إلا أن اللوبيات الإيرانية تعمل في كل هذا العالم بشبكة من العلاقات الفعالة والنشطة بخلاف السعودية, وعلى سبيل المثال لو أحصينا عدد المنح الدراسية التي تقدمها الجامعات الإيرانية للطلاب السنة من إندونيسيا وماليزيا وأفريقيا والهند مقارنة بالجامعات السعودية، فإننا أمام كارثة حقيقية، أما أبواب إيران المفتوحة للمفكرين والإعلاميين والنشاطات الاستثنائية التي تقوم بها الملحقيات الثقافية الإيرانية، وحضورها الفاعل في المناسبات الوطنية وحتى الاجتماعية فحدث ولا حرج، وأذكر بهذا الصدد يوم عقدت إحدى الملحقيات مؤتمرا بعنوان (الإمام الخميني مجددا) ضمن سلسلة من أنشطتها، ودعت له أساتذة الشريعة أيضا، وشارك بعضهم بالفعل! بينما لا أذكر أي نشاط مقابل لأي سفارة عربية أو إسلامية ، فإذا كان هذا في عالمنا العربي السني، فما بالنا في العالم الغربي الذي تزدحم فيه اللوبيات المعادية لكل ما هو عربي وإسلامي؟
على صعيد آخر نرى أن السعودية قادرة الآن على أن تقود بطريقة مباشرة أو غير مباشرة مشروعا مناهضا لهذا القانون، فضحايا الحروب الأميركية الظالمة في العراق وأفغانستان وغيرهما لا يمكن عدهم أو حصرهم، وهناك اعترافات أميركية صريحة بارتكاب جرائم إنسانية كما في سجن أبي غريب، ومجزرة حديثة، واستعمال الأسلحة المحرمة دوليا في الفلوجة، وإذا جاء هذا المشروع متزامنا ومتعاضدا مع ما يمكن أن تقوم به اليابان مثلا، أو ما تقوم به تركيا بعد تورط فتح الله غولن في الانقلاب الأخير الذي تسبب بإزهاق مئات الأرواح، والذي لا زالت الولايات المتحدة الأميركية تقدم له الحماية والرعاية، فإن هذا كله سيجعل البيت الأبيض أمام أزمة عالمية معقدة، تجبره على إعادة النظر في هذا القانون أو التريث في تفعيله على الأقل.
هناك خطوات كثيرة يمكن القيام بها، إذا توفرت الإرادة الصادقة والإدارة الناجحة، وهذا الذي نأمله ونرجوه.

 




 




 

 

  • قراءة 388 مرات
الدخول للتعليق