الحكومة العراقية ليست هي العراق

الحكومة العراقية ليست هي العراق

إبراهيم الزبيدي 

من الصيغ المستخدمة في الأوساط الدبلوماسية وأجهزة الإعلام الدولية نسبة أيّ نشاط أو تصريح لرئيس جمهورية أو رئيس وزراء أو رئيس برلمان إلى الدولة التي ينتمي إليها، فيقال، (أميركا تقرر)، و(بريطانيا تعلن)، و(فرنسا تدعو) حين يقرر الرئيس أو يعلن الوزير أو يدعو السفير، وذلك في الدول التي تحترم نفسها، والتي يصحّ أن يُعتبر كبار المسؤولين فيها ممثلين حقيقيين لحكوماتها وشعوبها.

والسبب بسيط لمثل هذا التصرف وهو أن رؤساء هذه الدول ووزراءها وسفراءها لم يتبوّأوا مراكزهم بالمحاصصة، ولم يشتروها بالمال المختلس من خزينة الدولة، أو لم يكتسبوها بقوة سلاح ميليشياتهم، أو بجيوش دولة أجنبية غازية سهّلوا لها احتلالها لبلادهم، أو بأموال مخابرات أجنبية اشترت ضمائرهم ليكونوا لها جواسيس ووكلاء مؤتمنين على مخططاتها.

على هذا يصبح من غير المنطقي ولا من العدل ولا الإنصاف أن نقول إن (العراق يعلن)، و(العراق يقبل)، و(العراق يرفض)، حين يكون رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء أو رئيس البرلمان أو الوزير أو النائب هو الذي يعلن، وهو الذي يقبل، وهو الذي يرفض، وليس العراق.

والقاصي والداني يعرفان كيف جلس الرئيس على كرسي الرئاسة، ومن سلّط الوزير والنائب على البلاد والعباد، بغير الإرادة الحرة والحقيقية لعشرات الملايين من المواطنين المستضعفين أو المضللين أو المخدرين.

وإذا نظرنا إلى ما أعلنته المفوضية العامة العراقية للانتخابات، قبل أيام، بخصوص الذين سجلوا أسماءهم للتصويت في الانتخابات المقبلة فسوف نجد أنهم ثمانية ملايين فقط، من اثنين وثلاثين مليونا، أي ربع سكان العراق.

وإذا سارت الانتخابات المقبلة كسابقتها، ولا شك في أنها ستسير كما سارت من قبل، فلن يتمكن ثلث هذه الملايين الثمانية من الوصول إلى صناديق الاقتراع، بفعل حواجز مصطنعة ومتفجرات ومفخخات، وبأيّ عوائق أخرى اعتاد عليها العراقيون أيام التصويت.

وبهذا لن يتجاوز عدد الواصلين إلى الصناديق أكثر من خمسة ملايين ومئة ألف. ولنقل إن نصف هؤلاء سيكونون مسوقين بفتوى رجل دين، أو قرار شيخ، أو رئيس، أو وزير، أو نائب، يمسك عليهم رزقهم، أو يقدر على أذاهم وأذى عوائلهم، سيكون عدد المقترعين النهائي مليونين وستمئة ألف، فقط لا غير. بعبارة أوضح. مليونان وستمئة ألف ناخب أغلبهم لا يعون ولا يعقلون يصنعون مصير شعب بأكمله لا حول له ولا قوة.

 

والعراقيون يحفظون الآلاف من القصص والحكايات المضحكة المبكية عن حالات قتل وخطف وقطع طرق وترغيب بأموال أو بقطع أرضٍ وهمية فضائية وزعها (س) و (ص) على الناخبين، أو بتزوير.

ولو عدنا إلى عدد الأصوات التي دخل بها هذا النائب أو ذاك إلى قبة البرلمان لوجدنا العجائب. فنحن نعرف أكثر من نائب يصرخ على شاشات التلفزيون مناديا بالإصلاح ومحاربة الفساد لم يحصل في الانتخابات السابقة إلا على ألف أو ألفي صوت فقط من أصوات اثنين وثلاثين مليونا من العراقيين، فمد له (عمه) أو (صهره) أو شريكه في الاختلاس يد العون، وأهداه ما يحتاجه من أصوات تدخله قبة البرلمان لينوب عن العراقيين، كلهم، في تجليس رئيس جمهورية، وتتويج رئيس وزراء، ووزراء وسفراء وقادة أمن واقتصاد وثقافة وزراعة وماء وكهرباء، وليصبح، في سنة أو سنتين، من أصحاب الملايين القادرين على شراء مقعده في البرلمان في أيّ انتخابات مقبلة.

ولا يقف المسلسل عند هذا وحسب، بل صار من حق حكومة من هذا النوع، وهيئة برلمانية على هذه الشاكلة، أن تدعو جيوش دولة أجنبية لتحتلّ وطنها وشعبها، باسم الأخوّة والصداقة والسيادة، حتى حين تعلن تلك الدولة، دون خوف ولا حياء، أن الوطن العراقي عاد إلى ممتلكاتها (المغتصبة)، وأصبحت، هي وحدها، الحاكمة التي تأمر فيه وتطاع، ولها وحدها أن تعيّن رؤساءه ووزراءه وسفراءه، وأن تقرر، هي وحدها أيضا، مَن عدوّ حكومته (الوطنية)، ومَن عدوّها، وتغضب وتثور وتأمر وكلاءها وعبيدها بأن يهبّوا غاضبين مهددين ولاطمين خدودهم على السيادة فقط لأن دولة أخرى، معتدية وغازية، تجرأت وأقامت لها قاعدة عسكرية صغيرة في مدينة واحدة من هذا الوطن المباح.

والسجال الدائر حاليا بين إيران خامنئي وفريقها العراقي من جهة، وبين تركيا أردوغان وفريقها العراقي العربي الكردي، حول السيادة (المغشوشة) يذكرنا بسلسلة الحروب التاريخية المدمرة المتعاقبة بينهما على أرضنا، وفي شوارع مدننا وقرانا، وحول مدارسنا ومستشفياتنا، والتي يدفع كبارنا وصغارنا أثمانها الباهظة.

وفي كل مرة كان الصفويون يتمكنون من بسط هيمنتهم على بلادنا كان العثمانيون يسارعون فيحتلّونها، ويطردونهم منها، ويلاحقونهم، ويقاتلونهم في بلادهم ذاتها. والظاهر أن التاريخ اليوم يعيد نفسه، في حلقة جديدة من تلك الحروب الخاسرة الغبية التي لم تعد، ولن تعود علينا وعليهم، في النهاية، سوى بالدمار والخراب.

وحكومة حزب الدعوة وشركائه أعضاء الائتلاف (الوطني) تقول إن القوات الإيرانية موجودة بطلب من الحكومة. ورئاسة إقليم كردستان العراق تقول إن القوات التركية موجودة بموافقةٍ حكومية أيضا. وفي الحالين لا يمكن اعتبار هذه وتلك إلا خيانة وعمالة وسمسرة على حساب الوطن والمواطنين.

فهل يحق لأحد بعد ذلك أن يقول إن (العراق يرفض) و(العراق يطلب) حين يكون رئيس جمهورية أو رئيس وزراء هو الذي يرفض ويطلب، برغم أنف الاثنين والثلاثين من الملايين العراقية البائسة المغلوبة على أمرها؟ أليست هذه حكاية من حكايات ألف ليلة وليلة وعلي بابا والأربعين حرامي؟

  • قراءة 347 مرات
الدخول للتعليق