الاختراق الشيعي لمصر.. قطار دون مكابح/ أسامة الهتيمي

الاختراق الشيعي لمصر.. قطار دون مكابح

 أسامة الهتيمي – كاتب مصري

خاص بالراصد

رغم ما تشهده المنطقة العربية من تطورات متلاحقة وصراعات متعددة تتضاءل آمال وتطلعات تخفيف وطأتها يوما بعد يوم إلا أن الدولة الإيرانية التي هي الطرف المشترك في كل هذه الأزمات، لم تتزحزح قيد أنملة عن إصرارها على تطبيق مبدئها الأساسي في إدارة صراعاتها في المنطقة الملتهبة حيث الاستمرار في اللعب بجميع الملفات التي بأيديها في آن واحد، غير مترددة في أن تستخدم كل ما هو متاح من وسائل شرعية وغير شرعية لتحقيق هدفها في استعادة مجد تليد وابتعاث إمبراطورية بائدة، فالحروب العسكرية التي تخوضها إيران بشكل مباشر أو غير مباشر عبر ميلشياتها الطائفية في كل من العراق وسوريا واليمن والصراع السياسي الحاد الذي تخوضه في لبنان فضلا عن عمليات التخريب والإرهاب التي يقوم بها الموالون لها في بعض بلدان الخليج لم يمنعها على الإطلاق من أن تواصل تنفيذ خطتها فيما يخص اختراق مصر التي كانت وستظل بالنسبة لإيران الورقة الأهم والأخطر في مخططها لاعتبارات تاريخية وجغرافية وسياسية يدركها الجميع.

وعلى الرغم أيضا من مرور أكثر من ثلاث سنوات على إزاحة جماعة الإخوان المسلمين من حكم مصر والذين تكاثر الحديث حول جهودهم لتوطيد العلاقات المصرية – الإيرانية ما كان محل انتقاد الكثيرين من المتخوفين من حدوث تقارب مصري – إيراني على حساب محور مواجهة المد الإيراني ووصول أحد رجالات القوات المسلحة لسدة الحكم في البلاد ما دفع الكثيرين إلى الاعتقاد بأن السلطة الجديدة ربما تتنبه إلى خطورة التحركات الإيرانية تجاه مصر ومن ثم تتخذ خطوات سريعة لإجهاض هذه التحركات إلا أن ذلك كله لم يتحقق بكل أسف إذ بدت ملامح المشهد أكثر خطورة مما كانت عليه منذ ثورة يناير 2011 فقد أضحت العلاقات المصرية - الإيرانية ورقة سياسية يتم استخدامها لتحقيق مصالح ضيقة ووقتية تتجاوز الكثير من الاعتبارات التي يجب مراعاتها والتي يمكن أن تمثل ثغرات خطيرة لتهديد الأمن  القومي.

مهرجان جروزني

ليس من المبالغة أن نصف المؤتمر الذي عقد تحت عنوان "من هم أهل السنة والجماعة؟"  خلال شهر أغسطس الماضي في العاصمة الشيشانية "جروزني" بأنه صدمة كبيرة وطعنة في الظهر فقد أكد إلى أي حد تمكن العدو من التغلغل في جسد محور المواجهة ليضعف منه ويستنزف كل طاقاته في معارك ونزاعات داخلية فيكون هو المستفيد الأول والأخير، فالمؤتمر الذي يفترض أن يكون دينيا جاء سياسيا بامتياز حتى ولو كان بمشاركة نحو 200 من أصحاب عمائم من دول إسلامية عدة، فالعبرة ليست بالشكل وإنما بنتائج المؤتمر وملابسات انعقاده التي على ما يبدو أنها سارت جميعها في اتجاه تحقيق هدف واحد هو تعميق الخلاف بين أهل السنة والجماعة وتفتيت مكوناتهم فتغيب بوصلتهم وتضعف شوكتهم.

والحقيقية أن اختيار المكان والزمان وطبيعة الموضوع والمنظمين للمؤتمر فضلا عن تحديد المشاركين في فاعليات هذا المؤتمر "المهرجان" عكست درجة الخبث التي اتسم بها القائمون عليه حيث أرادوا أن يضربوا بحجر واحد عدة عصافير دون أن يتكبدوا أية خسائر ودون حتى أن تظهر ملامحهم بوضوح في مشهد المؤامرة، وهو ما كان.

ففيما يخص المكان فهو مدينة "جروزني" عاصمة دولة الشيشان، إحدى جمهوريات روسيا الاتحادية التي قامت على أنقاض الاتحاد السوفيتي والتي ناضل أهلها كثيرا من أجل التحرر والاستقلال بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 غير أنها لم تحقق استقلالا كاملا بسبب تفعيل روسيا لآلة التخريب والتدمير فضلا عن شراء ولاءات بعض ممن كانوا يحسبون يوما على الجهاد الشيشاني.

كذلك فإن لهذا الاختيار رمزية أخرى تعبر عن حالة الثأر التي ما زالت تسيطر على الروس تجاه المسلمين السنة الذين كانوا بجهادهم ضد الوجود السوفيتي في أفغانستان أحد أهم العوامل التي عملت على انهيار الاتحاد السوفيتي ومن ثم فإن الروس كأنهم أرادوا أن يردوا الصاع صاعين للمسلمين السنة.

ويرتبط بالمكان أيضا اسم رئيس الشيشان رمضان أحمدوفيتش قديروف الذي أشرف ورعي بنفسه انعقاد المؤتمر وهو ما حمل إشارتين مهمتين إحداهما دينية تتمثل في الانحياز لاتجاه بعينه إذ الرجل ووفق التصنيف المذهبي يعد من أهل السنة غير أنه من للمنتمين لحركات التصوف الباطني التي تحظى برضا غربي ودولي في مقابل بقية المدارس والمناهج الإسلامية الأخرى والثانية سياسية ذلك أن قديروف يوصف بأنه فتى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المدلل حيث استلم السلطة في فبراير 2007 بعد أن انضم إلى جانب المعسكر الروسي وليصبح الأقرب إلى بوتين بعد أن أعلن مرارا أنه يهب حياته دفاعاً عن روسيا وعن الرئيس بوتين.

أما فيما يتعلق بالزمان فقد جاء توقيت انعقاد المؤتمر محاولة لتثبيط همة المقاومة السنية في العديد من البلدان التي تواجه بشراسة محاولات إيران وحلفائها الذين يريدون فرض السيطرة والهيمنة كما هو الحادث في العراق وسوريا واليمن، إذ تدرك كل من روسيا وإيران أن السنة هم من يقود هذه المقاومة وعليه فقد أراد كل منهما أن يحدث شرخا كبيرا في صفوف أهل السنة.

كذلك فإن انعقاد المؤتمر تزامن مع موسم الحج واستعداد المملكة له وسط تحديات خطيرة فرضها الموقف الإيراني حيث أعلنت طهران منع حجاجها من الحج هذا العام فيما طالب قادتها بتدويل الإشراف على الحج متهمة المملكة بالتقصير والإهمال وعدم القدرة على توفير الأمن والسلامة للحجاج.

ولعل ما سبق يفسر إلى حد كبير أسباب اختيار موضوع المؤتمر الذي حاول أن يقصر مفهوم أهل السنة والجماعة على الأشاعرة والماتريدية والصوفية وأهل المذاهب الأربعة الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في الفقه وأهل التصوف الصافي علما وأخلاقا وتزكية غير أنه استثنى غير المعتدلين من الحنابلة وهو استثناء له مغزاه فقد أراد استبعاد السعوديين ترتيبا على الظن بأنهم ليسوا من المعتدلين الحنابلة إذ لم يتم إلا دعوة باحث سعودي واحد هو حاتم العوني، وقد أريد بذلك أن يتم عزل المملكة العربية السعودية عن دائرة أهل السنة وتوصيف منهجها بالتطرف والتشدد فيفقدها أقوى سلاح تمتلكه وهو قدرتها على التأثير على أكثر من مليار مسلم حول العالم فضلا عن أن يكون دعمها للمقاومة السنية في العراق وسوريا واليمن هو دعم للإرهاب الذي يجب أن يواجه من كل القوى الدولية.

كما تثير الجهة المنظمة للمؤتمر الكثير من علامات الاستفهام فقد تبين أن مؤسسة طابة التي أسسها ويشرف عليها الداعية اليمني الحبيب علي الجفري منذ عام 2005م وتتخذ من إمارة "أبو ظبي" الإماراتية مقرا لها هي التي قامت بتنظيم المؤتمر ومن ثم فليس مستغربا أن يكون موقفها معلوما مسبقا حيث من المعلوم أن الجفري ينتمي إلى التصوف.

كذلك لم تنحصر أهداف المؤتمر "المهرجان" عند هذا الحد فحسب بل إنه سعى أيضا إلى زرع الفتنة بين أهم المرجعيات السنية في العالم الإسلامي عندما وجه المؤتمر الدعوة إلى جهات وشخصيات بعينها فيما تجاوز آخرين فجاء في مقدمة المدعوين مؤسسة الأزهر الشريف التي مثلها أربعة من الرموز الدينية المصرية على رأسهم الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر والدكتور علي جمعة مفتي مصر السابق والدكتور شوقي علام مفتي مصر الحالي والدكتور أسامة الأزهري مستشار السيسي ومن ثم فإنه بموافقة هؤلاء على البيان الختامي الذي صدر عن المؤتمر والذي حصر مفهوم أهل السنة والجماعة على الفئات السابق ذكرها فإن هذا يعني وبوضوح شديد موافقة مؤسسة الأزهر الشريف على هذا التصنيف واستبعاد أتباع المنهج السلفي الذي تتبناه السعودية والذي يحلو للبعض أن يطلق عليه "الوهابية" من هذا التصنيف الأمر الذي أثار حالة كبيرة من الضيق والضجر في صفوف العديد من علماء السلفية ليس في المملكة فحسب بل وفي كل بلدان العالم الإسلامي ومنها مصر.

وعلى الرغم من أن شيخ الأزهر الدكتور الطيب حاول أن يصحح المسار ويؤكد أن ما صدر من بيان ختامي لا يحظى بقبوله وذلك عبر إصداره بيانا تبرأ فيه من البيان الختامي للمؤتمر وأكد أنه أدخل في كلمته الافتتاحية "أهل الحديث" ضمن تعريفه لمصطلح "أهل السنة والجماعة" نافيا أن يكون قد قصر مفهوم "أهل السّنة" على "الأشاعرة" و"الماتريدية" فقط ومؤكدا ضرورة لم شمل أهل السنة بدون أية إقصاءات إلا أن الكثيرين لم يتفهموا موقفه واعتبروا أن الرجل وقع في فخ أريد له وما كان له أو لمن كانوا معه أن يقعوا فيه خاصة وأن كل الملابسات كانت تشير إلى أن مثل هذا المؤتمر هو جزء من مخطط سياسي كبير لا علاقة له بما رفعه من شعارات تتعلق بمحاربة الإرهاب والتطرف وغير ذلك.

وفي هذا السياق رفض الكثيرون القول بأن قادة الأزهر الذين شاركوا في المؤتمر لم يكونوا على دراية بأهدافه مستدلين على رأيهم بهذا التمثيل الكبير في المؤتمر ومشددين على أن الأزهر فقد الكثير من رأس ماله المعنوي فيما أعرب الكثير من الدعاة السلف سواء في المملكة أو غيرها عن استيائهم من عقد مثل هذا المؤتمر وإقصاء الدعاة السلف حيث اعتبر الدكتور ناصر العمر عضو الهيئة العليا لرابطة علماء المسلمين أن المؤتمر طعنة في عقيدة الأمة ومنهجها ودعماً لألد أعدائها في أصعب محنة تمر بها فيما أكد أستاذ العقيدة والمذاهب المعاصرة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في السعودية أن مؤتمر الشيشان أبطل ما أراد أن يخرج به من تعريف لأهل السنة والجماعة مشيرا إلى أن "الأشاعرة والماتريدية حدثت بعد القرون الثلاثة المفضلة، فمؤتمر الشيشان أخرج تلك القرون من السنة والجماعة مما يقتضي بطلان تعريفهم للسنة والجماعة" كما عدّ الشيخ محمد البراك المؤتمر "أعظم إساءة وجهت لمذهب الأشاعرة منذ أن ظهر بعد القرون الثلاثة المفضلة أن ينتسب إليه ثلة من الخونة في مؤتمر الشيشان برعاية بوتين" مشيراً إلى أن المؤتمر أشبه بمسجد الضِّرار وحضره رؤوس المبتدعة والمؤيدون لغزو روسيا للشام، وحصر أهل السنة والجماعة بمن يرتضيهم راعي المؤتمر الصليبي بوتين. وعلق الكاتب السعودي محمد آل الشيخ قائلا: "مشاركة شيخ الأزهر في مؤتمر جروزني الذي أقصى المملكة من مسمى أهل السنة يحتم علينا تغيير تعاملنا مع مصر فوطننا أهم ولتذهب مصر السيسي إلى الخراب".

من جانبه استنكر نائب رئيس الدعوة السلفية المصرية الدكتور ياسر برهامي أن ترعى روسيا مؤتمرا إسلاميا يحدد مَن هم أهل السنة والجماعة؟ متسائلا: هل يتصور ‏عاقل حرص روسيا الشديد على نشر المفهوم الصحيح للإسلام وهي وريثة الاتحاد السوفيتي التي ‏لها تاريخ في الماضي والحاضر في سفك الدماء ونشر الإلحاد في المسلمين، وفي غيرهم؟

وأبدى نائب رئيس "الدعوة السلفية" أسفه الشديد من أن من أعدَّ البيان الختامي للمؤتمر لم يراع أن عامة شباب الصحوة في كل الأقطار ينتسبون إلى مذهب السلف في الجملة وأن إقصاءهم من أهل السنة والجماعة هو روح عدائية تبثّ الفرقة وتعمِّم الخلاف.

كما اتهم القائمين على المؤتمر بأنهم حصروا "أهل السنّة" في "الأشاعرة والماتريدية وأتباع المذاهب الأربعة والصوفية" محذرا من أنهم يدفعون مَن خلفَهم للأقوال المتشددة وأنه سوف يتصدر المشهد بدلا من هؤلاء من يرى إخراجهم من "أهل القِبلة" ولا يقبل التعايش معهم مع الاختلاف.

ودخل الدكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين على خط الأزمة حيث استغرب في بيان نشره عبر الصفحة الرسمية لاتحاد علماء المسلمين منتقداً مؤتمر جرزوني في الشيشان قائلا: "أزعجني هذا المؤتمر بأهدافه وعنوانه وطبيعة المدعوين إليه والمشاركين فيه كما أزعج كل مخلص غيور من علماء الإسلام وأمته فرأيت أن أصدق ما يوصف به أنه مؤتمر ضرار واصفًا من حضروا المؤتمر -وبينهم الشيخ الطيب - بـ «شيوخ العار»".

والخلاصة أنه ليس من المنطقي القول بأن عقد مثل هذا المؤتمر جاء في سياق غير معد له أو حيثما اتفق وإنما كل الشواهد تؤكد أن هذا المؤتمر ليس إلا جزءا من مخطط تقوده كل من روسيا وإيران بهدف إثارة الفتن بين أهل السنة والجماعة خاصة وأن الحديث عن ماتريدية وأشاعرة هو حديث لا علاقة للجماهير المسلمة به، بل إن كثيرا من المسلمين لا يعلمون عن مثل هذه المصطلحات شيئا ومن ثم فإن اجترار خلافات عقدية تعود لنحو 9 قرون تقريبا يقصد منه بالأساس تفتيت هذا التكتل السني لصالح التكتل الشيعي في صراعه على مد النفوذ.

الاختراق الشيعي

كثيرا ما كانت بعض الجهات والشخصيات المصرية تستخف من التحذيرات الخاصة بالتحركات الإيرانية لإحداث اختراق شيعي بين صفوف الشباب المصري مؤكدين أن مصر عصية على هذا الاختراق وهو الاعتقاد الذي أثبتت الأيام -يوما بعد يوم- عدم صحته فعمليات الاختراق الشيعي لمصر تقوم على قدم وساق متبعة في ذلك منهجا محكما يعتمد بالأساس على ثلاث خطوات تبدأ بكسب التعاطف السياسي ثم كسب التعاطف العقائدي ثم التشيع.

ويمكننا في هذا الإطار أن نسجل لقطتين ربما تكشفان عن جوانب من هذا المخطط ومنها:

قضية عضو حزب الاستقلال

منذ نحو ثلاث سنوات تقريبا وعلى صفحات "الراصد" نشرنا مقالا تحت عنوان "حزب العمل وإيران.. محاولة لفك الطلاسم" طرحنا خلاله تساؤلات عديدة حول حقيقة العلاقة الخاصة بين حزب العمل والدولة الإيرانية، الأمر الذي أثار حفيظة العديد من قيادات وأعضاء الحزب الذين أعربوا عن استيائهم من نشر مثل هذا المقال وطرح هذه التساؤلات التي رأوا أن فيها تجنيا على الحزب وأعضائه وتوجهاته غاضين الطرف عما سقناه من أدلة وشواهد تثير الكثير من الشبهات حول هذه العلاقة، والتي كانت تحتاج إلى أن يصدر الحزب ما يبرئ ذمته ويحدد طبيعة علاقته بإيران وموقفه من سياساتها بعد أن تكشف للجميع حقيقتها.

لكن يبدو أن الأقدار أبت إلا أن تثير القضية من جديد، إذ وفي الثاني عشر من شهر سبتمبر الماضي فؤجئ عدد من المتابعين بقيام أحد قيادات حزب الاستقلال "العمل سابقا" ويدعى الشحات شتا بنشر مقال خطير على أحد المواقع اللبنانية الشيعية تحت عنوان "عليّ إمام العدل إمام الحق إمام النور إمام المتقين حبيب سيد المرسلين حبيب رب العالمين" والذي ردد خلاله الكثير من ترهات الشيعة غير عابئ بمشاعر السنة ولا حتى بالمنهج الفكري الذي ما فتأ الحزب يؤكد ويعلن تبنيه له.

وكان مما جاء في مقال المدعو "شتا": "أنه في تقرير للأمم المتحدة عام 2002 اعترف بأن أعدل حاكم على وجه الأرض منذ خلق آدم إلى الآن هو الإمام علي بن أبي طالب لكن آل سعود دفعوا 50 مليار دولار للأمم المتحدة كي لا يتم نشر هذا التقرير وبمليارات "آل سعور" – حسب قوله - تم التكتم على هذا التقرير".. وبالطبع ما ساقه شتا يثير الضحك فلو أننا أقررنا بصحة ما ذهب إليه بشأن التقرير الأممي وهو أمر يعتز به كل مسلم سني أو شيعي، فعلي بن أبي طالب رضي الله عنه هو أحد الخلفاء الراشدين إلا أنه ليس من المنطقي على الإطلاق أن يدفع آل سعود هذا المبلغ الضخم لكي يتم إخفاء التقرير فأهل السنة ومن بينهم آل سعود ليسوا في حالة عداء مع الإمام علي – كرم الله وجهه – بل إن له منزله عظيمة في نفس كل مسلم وعليه فإن "شتا" يردد بلا وعي ما يردده بعض الشيعة الذين لا يعتمدون إلا على أكاذيب لا أصل لها.

وعلى هذا المنوال يواصل "شتا" مقاله حيث الدفاع عن علي رضي الله عنه والتأكيد الدائم والمتكرر على فضله ومكانته وكأن هناك من يطعن في هذا الفضل ويقلل من هذه المكانة فتستشعر وكأنه استحدث عدوا غير موجود بالأساس ليحاربه ويقاتله ومن ثم يحاول من خلال هذه الحرب الوهمية أن يبث أفكاره الساقطة التي لا تعدو عن كونها أفكارا شيعية بحتة فيقول: "الإمام علي بن أبي طالب كان رمز الحق وما زال رمز الحق رغم حرب التشويه التي يتزعمها "آل سعور" ومرتزقتهم وعملاؤهم وإعلامهم لمحاولة تشويه صورة إمام الحق المضيئة.. علي الذي شهد له كل المسلمين في عهده بأنه لم يضع لبنه علة لبنه أي طوبة على طوبة أو لم يبن جدارا واحدا لنفسه وهو خليفة المسلمين وكان مرتبه الشهري مثل مرتب الجندي وهو الحاكم الوحيد في العالم الذي لم يدخر مليما واحدا وعرف عنه العفاف".

ثم يتحدث "شتا" في مقاله بأسلوب فج وغير أخلاقي عن أحد الصحابة الأجلاء وهو معاوية بن أبي سفيان – رضي الله عنه- واصفا إياه بالمجرم ورأس الفتنة في الإسلام وبأنه ابن آكلة أكباد البشر في إشارة إلى السيدة هند بنت عتبة مخالفا بذلك منهج أهل السنة في التعاطي مع صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم ووجوب إبداء احترامهم وتقديرهم والنأي بالنفس عن التورط في فتنة وقانا الله شرها فيقول "شتا": "منذ تعيين عمر بن الخطاب لابن آكلة أكباد البشر واليا على دمشق وهو يعد العدة لخلافة المسلمين ولو بالقوة ولو قتل كل المسلمين فهذا المجرم هو رأس الفتنة في الإسلام وهو مفرق المسلمين وهو الذي قال أتباعي سنة وأتباع علي شيعة...".

ولعل في هذا القدر مما نقلنا من مقال المدعو شتا الكفاية التي تغني لتؤكد خطورة الموقف وأنه لا بد من وقفة حاسمة وحازمة مع أمثال هؤلاء الذين يستغلون مناخا سياسيا تسوده حاله من الاستقطاب الحاد والذي يعد البيئة الأخصب لانتشار مثل هذه الأفكار حيث الكل منهمك ومنشغل في صراعات بينية غير منتبهين لما يحاك بالأمة من أخطار ومؤامرات.

لكن الأخطر حقيقة من موقف "شتا" هو موقف حزب الاستقلال الذي ينتمي إليه "شتا" إذ كان ينتظر الكثيرون أن يحْسن الحزب استغلال حادثة "شتا" استغلالا حسنا فيعلن عن موقف قوي وواضح تجاه الكثير من اللغط الذي أثير حوله فيما يتعلق بمسألة إيران والشيعة وحزب الله والثورة السورية والأوضاع في اليمن وغيرها من القضايا التي تعد إيران طرفا أصيلا فيها غير أنه وبكل أسف اكتفى  بإصدار بيان مقتضب حول قضية المدعو "شتا" لم ترح الكثيرين الذين كانوا يتطلعون لموقف أكثر قوة وحسما فكان البيان الذي جاء بعد خمسة أيام تقريبا من نشر المقال تحت عنوان "المكتب القيادي لحزب الاستقلال يحول الشحات "شتا" للتحقيق والذي كان نصه: "قرر المكتب القيادي للحزب والذي انعقد اليوم 17/9 /2016 أن يحول عضو الحزب الشحات شتا إلى التحقيق لقيامه بنشر مقال بأحد المواقع يتنافى مع خط الحزب الفكري.. وننوه إلى أن ما قام به الشحات هو موقف فردي ولا علاقة له بأي ندوة ثقافية أو مؤتمر للحزب كما أوحت الصورة المنشورة مع المقال".

وكما هو واضح من البيان فإن الحزب على ما يبدو كان في حاجة إلى أدلة وشواهد أكثر مما جاء في مقاله حتى يتخذ قرارا بشأن "شتا" وهو ما سيتأكد لديه عبر التحقيق الذي سيجريه الحزب معه وهذا ربما أمر تفرضه عليه اللوائح التنظيمية الخاصة به لكن ثمة موقف سياسي كان يجب أن يتضمنه بيان الحزب وهو الذي أشرنا إليه من قبل والذي يتعلق بالإعلان عن موقف صريح من مثل هذه القضايا.

في اتصال مباشر مع أحد قيادات الحزب أبلغني أنه تواصل بشكل شخصي مع المدعو "شتا" واصفا إياه بأنه شاب صغير السن وأن ما وقع فيه كان نتيجة جهله ومن ثم فإن علينا أن نعذره بالجهل.. والحقيقة أن ما ذهب إليه هذا القيادي حكم حق يراد به تسويف وتهميش للقضية فليس من الجهل مثلا اتهام الصحابي معاوية بن أبي سفيان بأنه مجرم وقاتل وأنه ابن آكلة أكباد البشر لكن يبدو أن الانتماء الحزبي أحيانا يعطل البصر عن رؤية الحقيقة كاملة.

لكنني وفي محاولة أيضا لأن أكون موضوعيا ولا أتوقف عند قناعاتي الشخصية المسبقة طلبت من قيادي الحزب أن يطلع على مقال المدعو "شتا" وأن يقيمه تقييما موضوعيا ثم أبلغته أنني أتحداه شخصيا أن يصدر رئيس الحزب بيانا واضحا وحاسما حول إدانة إيران وما تقوم به في منطقتنا العربية والإسلامية.

وفي اتصال آخر مع الكاتب الصحفي شريف عبد الحميد رئيس تحرير مجلة "إيران بوست" ومدير التحرير السابق لصحيفة الشعب – الناطقة بلسان حزب الاستقلال – أشار خلاله إلى أنه تواصل شخصيا مع الأمين العام للحزب الدكتور مجدي قرقر حيث تطرقا بالنقاش إلى قضية "شتا" وما كتب في مقاله لعله يتحرك بشكل فوري وعاجل للتصدي لهذه المهزلة لكنه اكتفى فقط باتهام «إيران بوست» والقائمين عليها بأنهم لم يصونوا «العيش والملح» ولم يراعوا «الأصول» وكان من الأولى أن «يتستروا» على الحزب في فضيحته!!

لكننا وقبل الانتهاء من الحديث في هذه القضية يجدر بنا أن نشير إلى مسألة أخرى تتعلق أيضا بالمدعو "شتا" إذ وبالبحث عنه وجدنا أن له العديد من المقالات المثيرة للريبة وأن المقال الأخير حول الإمام علي ليس هو فقط مما يؤخذ على "شتا" ومن هذه المقالات المثيرة التي لا نعرف كيف لم يتنبه لها قيادات حزب الاستقلال طيلة الفترة الماضية ومنها:

عام على الحرب في اليمن[1]، فضائح آل سعود حكاما وملوك[2]، كلاب الأمريكان يقطعون العلاقات مع إيران[3]، وغير ذلك من المقالات التي يشير محرك البحث إلى أن أغلبيتها تركز على "آل سعود" وتناولهم بطريقة مسيئة بشكل يكشف عن دوافع طائفية لا سياسية فحسب.

 الممثلون والغدير

أيضا وقبل أكثر من عام كتبنا على صفحات "الراصد" مقالا بعنوان "ممثلون مصريون في احتفالات شيعية بالعراق.. الاختراق الإيراني لا يتوقف" حذرنا خلاله من التوظيف الإيراني للفنانين المصريين وتسخير شعبيتهم بين جموع الشباب والشابات وعوام الناس الذين يعانون غالباً من أمية دينية للتبشير بالتشيع في أوساطهم، ولذلك تتقصد الماكينة الإيرانية استقطاب بعض الفنانين عبر دعوتهم لزيارة إيران والعراق ومن ثم زيارة المزارات الشيعية وارتداء الملابس الخاصة بالشيعة والمشاركة في فاعليات شيعية والإدلاء بتصريحات تصب جميعها في صالح الدعوة للتشيع.

وظننا كما ظن الكثيرون أن الحملات التي تناولت مثل هذه السلوكيات ستكون كفيلة بالإحجام عن تكرارها خشية الغضب المجتمعي إلا أنه خاب ظننا جميعا حيث فاجأنا عدد من الفنانين المصريين من بينهم أحمد بدير وفتوح أحمد فضلا عن عدد من الإعلاميين بالمشاركة في الاحتفال بـ "عيد الغدير" الشيعي الذي يتم إحياؤه بالعراق.

والمشاركة هذا العام تعد أخطر من مثيلتها العام الماضي ذلك أن المشاركين العام الماضي اعتذروا بعد حضورهم الاحتفال نافين علمهم بأن هذا المهرجان خاص بالشيعة ومؤكدين أن الدعوة التي وجهت إليهم كانت لحضور حفل سينمائي ومن ثم فإنه ليس ثمة مبرر للمشاركين هذا العام وبالتالي فإن المشاركة جاءت عن وعي وإدراك لما يقومون به بل إن بعضهم ومن بينهم محمود قاسم الناقد السينمائي برر المشاركة بقوله: "إنه لا يوجد ما يمنع من ذهاب الفنانين للحفلات وحضورهم حفلا ينظمه الشيعة" ومضيفًا: "الفنان عليه أن يحضر جميع الحفلات وأن يستجيب لجميع الدعوات التي توجه إليه خاصة إذا كانت من دولة عربية وحتى لو كان الحفل ينظمه الشيعة".

وأكد الفنان فتوح أحمد الذي يرأس البيت الفني للمسرح أن مشاركة الفنانين المصريين بمهرجان الغدير العاشر للإعلام والذي أقيم في مدينة النجف الأشرف بجنوب العراق كان من أجل التكريم ولا علاقة بالدين أو الطائفة مشيرا إلى أن المهرجان ينظم في النجف منذ 10 أعوام، وبمشاركة 50 دولة.

والشاهد في شأن المشاركة أن إيران وحلفاءها لم يتوقفا عن مواصلة مخطط الاختراق سواء كان ذلك باستخدام القوة العسكرية وآلة الحرب أو عبر الضغوط السياسية أو عبر القوة الناعمة والغزو الثقافي المتعدد الأشكال.

ويكفينا في هذا المقام أن نشير إلى نموذج لهذا الغزو الثقافي حيث تقديم الفنانين الإيرانيين على اعتبار أنهم مثال للإبداع فيتم تكريم عدد كبير منهم في هذا المهرجان، وكان من بين هؤلاء المكرمين أحمد رضا درويش المخرج الإيراني لفيلم رستاخيز، الذي يتناول قصصا من حياة الإمام الحسين، والفنان الإيراني فرهاد قائميان، والممثلة الإيرانية فريبا كوثري عن تجسيد زوجة المختار في المسلسل الذي تناول قصة حياة “المختار الثقفي” أحد الرموز الشيعية.

[1] - http://www.yemenipress.net/archives/38873

[2] - https://www.facebook.com/scandal.king.Saud/posts/1070144576360729

[3] - http://alhadathtoday.com/?page=News&id=8199

  • قراءة 331 مرات
الدخول للتعليق