البارزاني في بغداد للتحالف مع العبادي ضد المالكي

البارزاني في بغداد للتحالف مع العبادي ضد المالكي

 هارون محمد 

في 18 يوليو الماضي حط نوري المالكي في مطار السليمانية، أكبر مدن إقليم كردستان، ليقدم التهنئة إلى قادة حزب الاتحاد الوطني وحركة التغيير اللذين وقعا اتفاقية ثنائية بينهما. وصفت زيارة المالكي بأنها تسعى إلى تحجيم رئيس الحزب الديمقراطي مسعود البارزاني وإزاحته عن رئاسة الإقليم، ومن يومها بات معروفا في الأوساط السياسية والنيابية، بأن زعيم حزب الدعوة يتطلع إلى التحالف مع حزب جلال الطالباني وحركة نوشيروان مصطفى، ويسعى إلى تشكيل ائتلاف نيابي يجمع الأطراف الثلاثة، من أهدافه عزل البارزاني كرديا وإضعافه عراقيا، وإنعاش حلم الولاية الثالثة للمالكي التي ضاعت عليه وأصبحت من الماضي.

ورغم أن المالكي قد صرّح يومها بأن زيارته إلى السليمانية تأتي لإجراء لقاءات (عادية) مع قادة الاتحاد وحركة التغيير، إلا أن أوساط البارزاني، فسّرت دوافع الزيارة بأنها محاولة من رئيس الوزراء السابق لترتيب تحالف سياسي جديد (شيعي ـ كردي) غرضه التمهيد لعودته إلى رئاسة الحكومة التي راحت عليه في أغسطس 2014 بعد اتفاق أغلب الأطراف الشيعية على استبداله بقيادي من حزبه وقطب من ائتلافه حيدر العبادي، الذي تمرد عليه وتصدى له في لحظة شجاعة نادرة، وأزاحه حتى عن منصب نائب رئيس الجمهورية الذي مُنح له مجاملة اقتضتها الظروف القائمة وقتئذ.

ومع أن تحالف (الدعوة والاتحاد الوطني والتغيير) لم يعلن رسميا ولم يؤطر تنظيميا، إلا أنه ظهر على الساحة السياسية، على شكل تفاهمات بين الأطراف الثلاثة إزاء العديد من القضايا والملفات، وبرز بصورة واضحة تحت قبة البرلمان، عندما صوت نواب الكتل الثلاث على إقالة وزير المالية هوشيار زيباري، القيادي في الحزب الديمقراطي وخال رئيس الحزب والإقليم مسعود البارزاني، في أول شقاق معلن في البيت الكردي، ينذر بتداعيات سياسية على مستقبل البارزاني في رئاسة الإقليم، واستمرار حيدر العبادي في رئاسة الحكومة الحالية، والأخير لم يخف انزعاجه من تنحية وزير ماليته في أجواء وصفها بأنها ليست سليمة وغير ملائمة، خصوصا وأنها تأتي بعد أيام من إقالة وزير دفاعه خالد العبيدي بالطريقة نفسها.وواضح أن مسعود البارزاني الذي استشعر الخطر من الاتفاقية (الاستراتيجية) ـ كما سمّيت- بين الاتحاد الوطني والتغيير وقد تلتحق بها الجماعة الإسلامية بقيادة الشيخ علي بابير في أي وقت، ساءه جدا تقرّب المالكي، خصمه اللدود، من الكتلة الكردية الجديدة وسعيه إلى التحالف معها، وأدرك منذ البداية أنه هو المستهدف من هذا التطور السريع، وقد ثبت ذلك في إقالة خاله من وزارة المالية، وأدرك أن الدور قادم على حيدر العبادي، المتّهم من حزب الدعوة وائتلاف دولة القانون، بأنه يجامل مسعود ولا يحاسبه على تصديره النفط إلى تركيا بكميات تفوق ما اتفق عليه مع بغداد، إضافة إلى عدم اعتراضه على استقطاع نسبة 17 بالمئة من الميزانية السنوية العامة لصالح الإقليم، وهي نسبة وصفها رئيس كتلة حزب الدعوة البرلمانية، خلف عبدالصمد، بأنها مبالغ فيها، وقالت عنها النائبة المقربة من المالكي، حنان الفتلاوي، بأنها مجحفة للشيعة وخاصة في البصرة التي تنتج حقولها قرابة مليوني برميل يوميا. والمفارقة أن اعتراضات النواب الشيعة على هذه النسبة تلقى استحسانا من نواب الاتحاد الوطني والتغيير والحركات الإسلامية الكردية، الذين يتهمون البارزاني بأنه يحتفظ بمواردها لنفسه وعائلته وحزبه في تصريحات معلنة ويؤكدون أنها تدخل في أرصدته المليارية.

ولم يكن أمام البارزاني، وهو يشهد خطورة الوضع المحيط به كرديا، وحجم التآمر عليه من تحالف المالكي وحزب الطالباني وحركة نوشيروان سياسيا، غير التوجه إلى بغداد بعد قطيعة لها استمرت خمس سنوات، واللقاء مع رئيس الحكومة (الاتحادية) كما يسميها الأكراد، حيدر العبادي، مخلّفا وراءه في أربيل أطنانا من التصريحات ذات الطابع الشوفيني، عن انفصال الأكراد وإعلان استقلالهم وتقرير مصيرهم في دولة كردية منشودة، منتقلا في العاصمة إلى مواقف جديدة برزت فيها عبارات “العراق عمق الأكراد الاستراتيجي” و“بغداد لن تتخلى عنا” و“مستمرون في دعم العبادي وحكومته”، حتى أنه وفي واحد من تصريحاته البغدادية الأخيرة، وهو يبرر دعواته السابقة إلى انفصال الإقليم الكردي، وقع في حرج شديد ولجأ إلى “التقية” الشيعية عندما قال إنه يقصد من استفتاء الشعب الكردي على تقرير مصيره بأنه استقلال وليس انفصالا، على طريقة “وفسر الماء بعد الجهد بالماء”، وهو ما لقى تجاوبا من العبادي الذي بلغت به نشوة الفرح بلقاء مسعود، وهو يحتاجه في الوقت الراهن لإغاظة ابن طوريج المالكي، والسيدة الحديدية في السليمانية هيرو خانم زوجة الطالباني، والماركسي الماوي السابق والعنصري الحالي نوشيروان مصطفى، والتعهد بدفع رواتب موظفي الإقليم المحجوبة منذ شهور من حكومة بغداد، مثل أقرانهم العرب في بغداد والمحافظات، وهي خطوة ستجد ارتياحا شعبيا في السليمانية، يحسب للعبادي والبارزاني اللذين نجحا، سويا، في تسديد هدف قاتل في مرمى الثلاثة.

زيارة البارزاني إلى بغداد وما صاحبها من أجواء إيجابية وما أسفرت عنه من نتائج طيّبة، أوقفت العبادي على رجليه، وأسهمت في رفع معنوياته بعد الهزة التي تعرض لها بخسارته لوزيريْ الدفاع والمالية في حكومته، وفوتت على المالكي فرصة دحرجة الحكومة الحالية نحو الهاوية ولو إلى حين، كما أن الزيارة عززت موقع مسعود كرئيس للإقليم وممثل حقيقي للأكراد يمارس سياسة “خذ وطالب” التي لا تتقنها هيرو خانم ولا يحسنها نوشيروان، اللذين سحرهما زعيم حزب الدعوة بكلامه المعسول، ولاحظنا كيف بادر كوسرت رسول، المرشح الساخن لرئاسة حزب الاتحاد الوطني في المرحلة المقبلة بعد الإطاحة بزوجة الطالباني وابنه قباد، بالترحيب بهذه الزيارة وعدّها فاتحة خير في إرساء علاقات وطيدة بين الإقليم والمركز.

كاتب عراقي

هارون محمد

  • قراءة 349 مرات
الدخول للتعليق