إيران ونظرية أم القرى المحاولات العملية لتطبيق هذه النظري

إيران ونظرية أم القرى المحاولات العملية لتطبيق هذه النظرية
 
 
 
 
 

 

 عبد الهادي علي- كاتب عراقي

خاص بالراصد

إن نظرية أم القرى لم تعد نظرية ولا أطروحة فكرية، فقد غدت اليوم مشروعاً شيعياً دينياً وقومياً فارسياً إيرانياً رسمياً، لكنه غير مُعلن، رغم أن مقدمات تنفيذ أجندته على أرض الواقع بارزة وواضحة، ومسرح تطبيق هذه النظرية الأول والأهم هو أرض العرب، بداية من الأقرب والأهم وهي دول العراق والشام والخليج، ومن ثم مصر والسودان. 

تقترب إيران اليوم من تطبيق نظرية أم القرى التي كتبها محمد جواد لاريجاني على أرض الواقع، فقد أصبحت الأقليات الشيعية في كل البلدان العربية والإسلامية تبعا لإيران في الفكر خاصة بعد الثورة الخمينية، وأصبحت تجنّد منهم من كل بلد مجموعة كقوى تدافع على حياض التشيع وإيران، وأصبحت إيران لا تتوانى عن التصريح بنظرية أم القرى في خطب خامنئي وخطب الجمعة وغيرها من المناسبات إما تصريحا أو تلميحا.

وأهداف نظرية أم القري تتلخص في أمرين:

* الأول: الحِفاظ على أم القرى وهي إيران ممثلة بمدينة قُم، من أي محاولات لتدميرها. وسماها دولة القلب المذهبي، والداعم مستقبلا لحكومة المهدي المنتظر عند الشيعة.

* الثاني: تنفيذ فكرة تصدير الثورة التي طرحت منذ سنة 1979، لتحقيق الحلم الإيراني الكبير.

 وتريد إيران من أفعالها توجيه رسالة إلى جهتين أساسيتين:

الأولى: الغرب متمثلا بأمريكا وأوربا بأن إيران الأقوى في المنطقة، وهي الحليف الثاني لكم بعد إسرائيل، ولا بد أن تقبلوا بهذا الواقع الذي لا مناص لكم عنه.

الثاني: الجمهور العربي والإسلامي، بأن إيران وحدها من تمثل الإسلام الحق ووحدها من يملك مشروعا في المنطقة تحيي به أمجاد الإسلام!

كما أنّ من مهام نظرية (أم القرى) في المنطقة -وبتواطؤ مع جهات بالغرب- هو تدمير العالم الإسلامي (السني) ومن أمثلة ذلك:

1- الطعن بالنبي صلى الله عليه وسلم والذي يمثل أعظم شخص عند المسلمين، لذا يسعى الغرب لإهانته من أجل إهانة أعظم شخص في الإسلام، ويساعدهم على ذلك الشيعة بطمس الدور النبوي وإبراز دور آل البيت.

2- صرف الأنظار عن أعظم مسجد عند المسلمين، ألا وهو البيت الحرام والكعبة، وثمة رغبة غربية بتدمير الكعبة، وهذا موجود أيضا في الأدبيات الشيعية القديمة والحديثة، بل في سلوكياتهم منذ القرامطة إلى الحوادث الأخيرة في مواسم الحج، وكما في فكرة تدويل الكعبة مؤخرا، حيث يجتمع في ذلك الغرب وإيران.

3- شيطنة الإسلام (السني) وجعله مصدر الإرهاب، وهذا ما وظّفه الغرب لصالحه؛ فعندما ظهر تطرف إسلامي نتيجة لظروف ما، عمل الغرب والشرق وأدواتهما في بلداننا على الزعم بأن هذا التطرّف هو الدين الإسلامي، وكانت هذه رغبة إيران بإظهار أنّ التطرّف هو تطرف سني، ولم يكتفيا بذلك بل دعما التطرف وأمسكا بزمامه في بعض المناطق؛ كما في حالة التطرف في سوريا (داعش) وفي العراق، وفي غيرهما، وقد كشفت علاقات عديدة بين القاعدة وإيران، وأصبح التطرف معولا يهدم بلداننا لصالح الغرب وإيران.

مقاومة مشروع أم القرى:

لكن إيران وجدت معوقات كثيرة واجهت نظريتها ومشروعها نذكر منها:

الثورة السورية: فلم يكن في حسبان إيران أن تنطلق ثورة في سوريا بهذا الحجم، ثم تتحول إلى ثورة عسكرية، فقد كانت إيران ماضية في إكمال هلالها الأول، والذي كانت بدايته من العراق والشام([1]) بينما العرب غارقون في ملذاتهم وصراعاتهم. فاهتز أحد أركان هلال إيران -وهو النظام السوري- ودفعت إيران الكثير من دماء قادتها وجنودها ومرتزقتها في سوريا ولا تزال.

فشل انقلابها في البحرين سنة 2011: وهي الدولة التي كانت من أوائل من خططت إيران للسيطرة عليها، لكن تدخل درع الجزيرة (1200 عسكري سعودي + 800 عسكري إماراتي) وقوات بحرية كويتية بمساعدة بعض الدول العربية (غير معلن عنها)، أحبط مخطط إيران لاحتلال البحرين وبضوء أخضر غربي.

عاصفة الحزم باليمن: ومن بعدها إعادة الأمل في اليمن ردا على احتلال ذراع الإيرانيين في اليمن (الحوثيين) مع قوات الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح لليمن، والتي كادت أن تنتهي وتغرق في المستنقع الإيراني، ورغم أن المعركة مُستمرة لكنها كسرت المخطط الإيراني الغربي للإحاطة بالسعودية، البلد المستهدف إيرانيا؛ كونه الممثل الأول للسُّنة.

هذه أهم الحوادث البارزة التي قاومت المشروع الإيراني (أم القرى) وهناك جهود متنوعة فكرية وعسكرية وسياسية ساهمت بالحدّ من المشروع الإيراني الكبير، وتأخيره أحيانا أو تغيير مساره.

تطبيقات أم القرى على أرض الواقع:

- تـأسيس ميلشيات عسكرية في العديد من الدول بشكل واسع، ففي العراق اليوم 80 ميلشيا عراقية، وفي الدول الأخرى مثل لبنان وسوريا واليمن وباكستان وأفغانستان ونيجيريا هناك عشرات الميلشيات، وأخرى في طور التشكل حالياً في معسكرات العراق وسوريا لدول مثل البحرين والكويت والسعودية.

فمؤخرا أعلن القيادي في الحرس الثوري الجنرال محمد علي فلكي بتاريخ 18/8/2016 عن تأسيس جيش التحرير الشيعي في ثلاث دول، وهي العراق وسوريا واليمن، وأنّ نواة هذا الجيش سيكون من ميلشيات (فاطميون) وهي ميلشيا من شيعة أفغانستان، كونهم الأرخص تكلفه فإن راتب الواحد من هؤلاء لا يتجاوز 100 دولار شهريا، وطمعهم في الحصول على الجنسية الإيرانية.

الأهم من هذا والمتعلق بنظرية أم القرى أنّ الجنرال فلكي يصرح بوضوح أن غير الإيرانيين يجب أن يضحوا أولا فيقول: "ليس من الحكمة زج القوات الإيرانية بشكل مباشر في الحرب في سوريا، بل يجب أن يقتصر دور عناصرنا على تدريب وتأهيل وتجهيز السوريين للقتال في مناطقهم"([2])، لأن إيران تشعر أنها استهلكت كثيرا من قيادات الحرس الجمهوري في سوريا، كما أنها فقدت العديد من قيادات حزب الله في لبنان والذي تعول عليه كثيرا، وهذا ما يعرضها لنقد من داخل المنظومة الحكومية الشيعية في إيران.

كما يخطط قائد فيلق القدس قاسم سليماني منذ مدة في العراق لتمكين الحشد الشعبي العراقي، وتحويله إلى قوة ضاربة عسكريا، وتحويله كذلك إلى مؤسسة سياسية واقتصادية تكون هي الأولى داخل العراق، مثلما فعلت إيران مع حزب الله في لبنان، فلم تعد إيران تثق بالأحزاب الشيعية العراقية القديمة؛ لذا يحاول سليماني أن يرسل جزءا من الحشد العراقي إلى سوريا بعد انتهاء معركة الموصل.

- العمل على التغيير الديمغرافي بالعراق لعزل المحافظات السنية عن دول الجوار السني مثل السعودية؛ فقد سيطرت الميلشيات على مدينتي النخيب وعرعر السنيتين التابعتين لمحافظة الأنبار، وضمتها إداريا إلى محافظة النجف الشيعية لتصبح الحدود العراقية مع السعودية مفصولة عن محافظة الأنبار، بعد أن حفروا خندقا بطول 60 كم وعرض وعمق 3م، ليكون حاجزا طبيعيا لتحرك العشائر هناك، وتمركز فيلق مكة الإيراني في منطقة النخيب والرطبة ونصب صواريخ بعيدة المدى، من منطقة صحراء السماوة تجاه السعودية.

- وفي اليمن -بعد أن فشلت خطتها الكبرى بالسيطرة عليه– أصبح استنزاف السعودية بمعارك هنا وهناك داخل اليمن لإشغالها وتشتيتها لكسب الوقت لصالح الحوثيين وصالح، ولصرف السعودية عن دعم الثورة السورية، لأن السعودية تمثل الثقل الديني السني وهي منافس كبير لإيران، فتحاول إحاطتها من العراق شمالا، ومن الجنوب بالحوثيين، ولا ننسى أن في المنطقة الشرقية يوجد شيعة ومن السهل تحريكهم وقد تصاعدت عملياتهم الإرهابية مؤخراً ضد الشرطة ومؤسسات الدولة.

- ولإيران مخططها تجاه تركيا التي تمثل اليوم بلدا سنيا له ثقله في المنطقة، وإيران لا تنسى أن تركيا دولة منافسة سنية بشرياً واقتصادياً، وصعودها يمثل لإيران والغرب صعود بلد سني؛ لذلك تحاول أن تحطم النظام الموجود وتخرب علاقاته مع الدول العربية، وقد نجحت إيران قديما في التواجد الاقتصادي وتشكيل خلايا داخل تركيا([3])، وهي اليوم تتصارع معها في سوريا، بالرغم من أن هناك مصالح مشتركة مثل محاربة التمدد الكردي في سوريا وإيران كي لا يشكلوا حكما ذاتيا أو شبه دولة كما فعلوا في العراق.

- وإيران تحاول كسب علاقات جديدة داخل تونس والجزائر ومصر (الحكومة)، لكسب مواقف ضد دول الخليج.

هذا بعض ما يمكن رصده من محاولات إيرانية لتنفيذ مخطط أم القرى.



[1] - لدى إيران في توسعاتها هلالان، الأول: هلال منطقة الحجاز – العراق - الشام، الثاني: بقية دول العالم، انظر: إيران والإمبراطورية الشيعية الموعودة، د. نبيل العتوم، ص 228.

[2] - مقال " سليماني قائد 'جيش تحرير شيعي' يقاتل بالعراق وسوريا واليمن"، ميدل إيست أون لاين 19/8/2016.

[3] -  مقال "طبيعة الاختراق الإيراني لتركيا: معالم النفوذ ومخاطر التأثير"، علي باكير، منشور في أكثر من موقع.

  • قراءة 352 مرات
الدخول للتعليق