العراق.. مكافأة الفاسدين

العراق.. مكافأة الفاسدين

مروان ياسين الدليمي 

لن يجد السراق زمنا أفضل من الزمن الذي يعيشونه هذه الأيام في العراق، فبالإضافة إلى أنه قد أتاح لهم الفرصة لكي يسرقوا دون حسيب ولا رقيب، فقد منحهم فرصة أن يصبحوا زعماء وقادة تاريخيين لطوائفهم.

وقائع استجواب المسؤولين الحكوميين في البرلمان العراقي تعد على أصابع اليد، مقارنة بعدد الجلسات الاعتيادية التي اتسمت في معظمها باللا جدوى خلال الأعوام الثلاثة عشر الماضية، لأنها لم تفرز قوانين وقرارات حقيقية تمس حياة المواطن وتحدث فيها تغييرا ملموسا.

ورغم أن حجم الفساد بات كبيرا جدا في مؤسسات الدولة إلى الحد الذي دفع صحيفة “دايلي ميل” البريطانية عبر تقرير نشرته عام 2013 إلى اعتبار “البرلمان العراقي أفسد مؤسسة في التاريخ، إذ أن البرلمانيين العراقيين يحصلون على أكثر من ألف دولار للعمل لمدة عشرين دقيقة فقط من دون أن يضعوا قانونا واحدا يهم البلد، إضافة إلى حصولهم على راتب قدره 22.500 ألف دولار شهريا، ما يعني تقاضيهم راتبا أكبر من راتب عضو الكونغرس الأميركي”، فإن البرلمان العراقي وإزاء حالة الفساد المالي هذه لم يقدم على أي خطوة جدية لمحاربة هذه الظاهرة التي استشرت في كافة مفاصل الدولة وجعلتها عاجزة عن الإيفاء بالتزاماتها تجاه مواطنيها حتى أن الحياة تموضعت في حالة من الفوضى ولم تعد فيها حدود قانونية تمنع عمليات النهب وسرقة المال العام.

ضمن مناخ كهذا مشبع برائحة الفساد ليس مستغربا أن تكون نتيجة الاستجوابات الاكتفاء بإقالة المسؤول الحكومي من منصبه، دون أن يتبع ذلك جرد لأمواله قبل وبعد توليه المنصب، ولو تمت هذه العملية لكانت نتيجتها إيداع العديد من المسؤولين المستجوَبين في السجن ومصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة، لأن أكثريتهم قبل أن يتسلموا المسؤولية كانوا من الطبقة الفقيرة وأصبحوا من بعدها في عداد الأثرياء. بناء على ذلك ما جدوى الاستجوابات إذا كان المسؤول الحكومي حتى بعد إعفائه من المنصب سيحتفظ بما نهبه من أموال الدولة؟

من الضروري هنا استذكار عدد من الاستجوابات التي شهدها البرلمان العراقي خلال الأعوام العشرة الماضية لنكتشف من خلال نتائجها عدم جديتها، ولعل أشهرها عملية استجواب وزير التجارة الأسبق في عهد حكومة نوري المالكي، فلاح السوداني (في الفترة بين 2005 و2009) بعد أن ثبت تورطه هو وأشقاؤه في عمليات فساد مالية كبيرة جدا، ولكن لم تتخذ بحقه أي إجراءات لاستعادة ما سرقه من أموال، واستطاع أن يغادر العراق إلى بريطانيا التي يحمل جنسيتها ليعاود نشاطه التجاري وصفقاته من هناك، و قبله حازم الشعلان الذي تولى وزارة الدفاع، بين عام 2004 و2005، الذي اتهمه القضاء بسرقة 800 مليون دولار نتيجة صفقات وهمية عقدتها الوزارة في عهده وصدر بحقه قرار يقضي بسجنه لمدة سبعة أعوام، وهو الآخر غادر العراق إلى بريطانيا التي يحمل جنسيتها عبر مطار بغداد.

 

 

وهكذا الحال مع وزير الكهرباء أيهم السامرائي (2003 – 2005) الذي عاد هو الآخر إلى أميركا التي يحمل جنسيتها بعد أن كان القضاء قد اتهمه في قضية إبرام عقود شابها فساد بقيمة ملياري دولار لإعادة تأهيل الكهرباء. هناك أسماء أخرى غير هذه كانت قد غادرت العراق بعد أن ثبت تورطها بعمليات فساد مالي ولكن لم ينل منها القانون، ولعلّ طريقة انتهاء عملية استجواب وزير المالية في نهاية شهر سبتمبر 2016 بالطريقة ذاتها التي انتهت بها سابقاتها سوف لن تكون آخر المشاهد في هذا المسلسل.

من هنا تبدو عمليات الاستجواب في ظاهرها بمثابة فاصل هزلي للسخرية من العراقيين عبر أدوار تمثيلية أتقن البرلمانيون أداءها، وفي خلفياتها تحمل الكثير من التفاصيل حول صفقات وتسويات مريبة تتم بين الأحزاب والكتل لتمرير ما يتم ضبطه وإثباته على المسؤول المُستَجوَب من عمليات فساد مالي قد تورط فيها. مشهد استجواب وزير الدفاع خالد العبيدي ربما يكون قد خرج بعيدا عن سياق هذا السيناريو عندما انقلب عليهم جميعا وسمى الفاسدين بأسمائهم فكانت مفاجأة غير متوقعة، لم تكن في حساباتهم، إلا أن هذا الحدث الاستثنائي قد أفادهم بشكل أكبر مما أضرهم، فعادوا بعد إقالته أكثر وحدة وانسجاما في ما بينهم رغم ما يسود بينهم من خلافات حتى أنهم أصبحوا جبهة متراصة أمام أي صوت يشكك في نزاهتهم.

إن قرار إقالة أي مسؤول حكومي في العراق ثبت فساده من بعد استجوابه يعد بمثابة تكريم له وليس عقوبة على خطأ ارتكبه، لذا لن نفاجأ عنـدما نجد هذا المسؤول في اليوم التالي وهو يمشي متبخترا في مطار بغداد الدولي محاطا بزملائه وعملائه قبل أن يصعد إلى الطائرة عائدا إلى البلد الأجنبي الذي يحمل جنسيته ليقضي بقية حياته مستمتعا بما نهبه من أموال.

مقابل ذلك سوف لن نفاجأ أيضا عندما يصدر القضاء العراقي في منتصف هذا العام بمدينة السماوة (280 كم جنوب غرب بغداد) قرارا يقضي بسجن طفل نازح من محافظة الأنبار لمدة عام لأنه سرق أربع علب مناديل ورقية (كلينكس) لأجل أن يبيعها ويساعد عائلته المعدمة.

إنها فعلا مفارقات عجيبة غريبة تحدث في عراق يدّعي ساسته الحُكمَ وفق مفاهيم العدالة التي تتيحها آليات النظام القائم على الديمقراطية.

ولنا أن نسأل هنا، في مسار تحقيق العدالة وإنصاف الدولة والمجتمع، هل يمكن أن توضع مسألة التغاضي عن الأموال التي سرقها المسؤولون الكبار جنبا إلى جنب مع عقوبة السجن للطفل النازح؟

(هنا لا بد من الإشارة إلى أن القضاء اضطر إلى إطلاق سراح الطفل بعد حملة كبيرة أطلقها ناشطون على موقع فيسبوك استمرت أكثر من أسبوع).

لن يجد السراق زمنا أفضل من الزمن الذي يعيشونه هذه الأيام في العراق، فبالإضافة إلى أنه قد أتاح لهم الفرصة لكي يسرقوا دون حسيب أو رقيب، منحهم فرصة أن يصبحوا زعماء وأبطالا وقادة تاريخيين لطوائفهم، كما هيّأ لهم جمهورا واسعا تعطلت في داخله حاسة النقد وتوقف عن أداء دوره الفاعل في صنع قدره بفعل السياسات القمعية للأنظمة والعهود السابقة، ولتنتعـش داخـل رأسه أفكار وعقـائد نسجتها خرافات وحكايات تاريخية لا منطق يحكمها.

وبهذه المعطيات الثقافية “القطيعية” فإن مثل هذا الجمهور لن يتردد في أن ينبري مدافعا عن هؤلاء المسؤولين /الزعماء ما إن يجد صوتا يعلو لكشـف مساوئهم، تـدفعه إلى ذلـك أطر طـائفية واجتمـاعية ومناطقية سلبته ذاته وحريته في التفكير والتشخيص، وبهذا الخصوص ليس هناك أفضل من شخصية المالكي التي يمكن اعتمادها كنموذج، فرغم اختفاء 800 مليار دولار خلال فترة حكمه التي امتدت ثمانية أعوام كانت مخصصة لميزانيات الحكومة السنوية لم يظهر منها أي شيء ملموس في مشاريع لصالح المواطن، إلا أنه لا يزال قادرا على تحريك الشارع (الطائفي) ساعة يشاء، وهناك الكثير من المؤشرات القوية التي تؤكد عزمه العودة لتولي رئاسة الوزراء للمرة الثالثة استنادا إلى هذه الجماهير، إضافة إلى الدعم الذي يحظى به من قبـل طهران التي تمثل اللاعب الرئيس في المشهد السياسي العراقي.

لن يكون من قبيل المبالغة إذا ما توصلنا إلى استنتاج يضعنا في دائرة التشاؤم عندما نقر بأن لا مؤشرات واضحة لدينا تجعلنا نطمئن على أن العراقيين يمكن أن يلعبوا أي دور إيجابي في رسم مستقبلهم، وهذا التغييب لدورهم تقع مسؤوليته على عاتقهم أولا قبل أن يتحمله الساسة والأحزاب الطائفية المشاركة في العملية السياسية. وكأن العراقيين بهذا الحال أشبه بلاجئين يائسين سلموا مصيرهم لمُهرِّبٍ لا تعنيه حياتهم بشيء بقدر ما يهمه أن يقبض الثمن قبل أن يقذف بهم إلى عالم محفوف بالمخاطر.

العدالة ببساطة شديدة تعني أن يُحالُ المسؤول الفاسد إلى القضاء، ويُعاقب بالسجن بعد أن تستردّ منه الأموال ولا يمكن، بأي حال من الأحوال، أن تُفتح له الأبواب حتى يغادر بغنائمه معززا مكرما إلى خارج البلد، وغير ذلك لا يعدو إلا أن يكون سخرية من المواطنين.

  • قراءة 323 مرات
الدخول للتعليق