دول ابتلعتها إيران -9- مازندران

دول ابتلعتها إيران -9- مازندران


 هيثم الكسواني - كاتب أردني

 

سلسلة تتناول البلدان والأقاليم التي احتلتها إيران حديثا وجعلتها ضمن دولتها، والمعاناة التي تكبدتها الشعوب جراء ذلك، وطرق مقاومتها للاحتلال الإيراني.

9- مازندران

تشير معظم الإحصائيات إلى أن المازندران (مع الجيلاكي) يشكلون ما نسبته 8 % من إجمالي عدد السكان في إيران، الأمر الذي يحفّزنا على تسليط الضوء على هاتين القوميتين، لتضاف إلى مجموعة الدول والأقاليم التي ابتلعتها إيران، والتي تناولناها في الحلقات الماضية من هذه السلسلة.

نبذة تاريخية وجغرافية

عُرفت مازندران فيما سبق باسم (طبرستان)، وقد فتَحها المسلمون في وقت مبكر، في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان، رضي الله عنه،  وتحديدا في سنة 30هـ، على يد سعيد بن العاص، رضي الله عنه، في جيشٍ كان فيه جمعٌ كبير من الصحابة، منهم الحسن والحسين والعبادلة الأربعة (ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص) وحذيفة بن اليمان، رضي الله عنهم.

وفيما مضى، كان لطبرستان إسهام واضح في الحضارة الإسلامية، وخرج منها الكثير من علماء أهل السنة، أبرزهم الإمام محمد بن جرير الطبري (224 – 310هـ)، شيخ المفسرين والمؤرخين، وصاحب كتابي "تاريخ الرسل والملوك" و"جامع البيان عن تأويل آي القرآن".

وبعد عهد الخلفاء الراشدين، دانت طبرستان للدولتين الأموية والعباسية، لكن العلاقة بطبرستان وأهلها ظلت بين مدٍّ وجزر، وكانت السيادة تقوى حينًا وتضعف حينًا آخر، بسبب طبيعة طبرستان الجبلية الصعبة، ووعورتها، وقسوة بعض الولاة.

 ويعود أول وجود شيعي في طبرستان إلى العام 250هـ، لكنه كان وجودا زيديا وليس إماميا اثنى عشريا،  حيث استطاع الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب أن يقيم دولته هناك بعد انتصاره على الوالي العباسي، لتكون تلك الدولة هي أول دولة للشيعة الزيدية في التاريخ الإسلامي.

كما خاض الحسن الزيدي معارك عديدة ضد جيوش العباسيين، وضد والي خراسان، محمد بن عبد الله بن طاهر، لعدة سنين، استطاع خلالها أن ينتصر عليها، بل وأن يضم منطقة جرجان (شمال إيران) إليه، واستفحل أمره حتى أخذ أيضًا مدينة الري (قرب طهران)، مستغلا انشغال الخلافة العباسية بالعديد من الفتن وحركات التمرد مثل فتنة الزنج، وحالة الفوضى الداخلية، وضعف الخلفاء، والطبيعة الجغرافية الصعبة لطبرستان.

كما حكم طبرستان من الشيعة: المرعشيون، في القرن الثامن الهجري، ولمدة قرنين ونصف من الزمان، ثم كانت نهايتهم على يد الصفويين، الشيعة أيضا، الذين أسسوا دولتهم، وفرضوا التشيع على إيران وما جاورها بالسيف والتنكيل في بدايات القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي)، ولم تكن مازندران بعيدة عن بطشهم وإجرامهم، فمن بين المذابح التي ارتكبوها عام  915هـ، مذبحة مازندران، التي راح ضحيتها أكثر من عشرة آلاف.

وبعد أن كانت طبرستان منارة للعلم تحت ظل أهل السنة، تبدّل حالها مع قيام دول الشيعة فيها، إذ صارت تخرج  علماء شيعة دينُهم وديدنهم القول بتحريف القرآن الكريم، وعلى رأسهم الميرزا حسين بن تقي النوري الطبرسي (1245 – 1320هـ) مؤلف كتاب (فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب) الذي جمع فيه أكثر من ألفي رواية من كتب الشيعة ليثبت بها تحريف القرآن الكريم.

(نتيجة بحث الصور عن مازندران       نتيجة بحث الصور عن مازندران

أما مازندران الحالية فهي تشكل إحدى محافظات إيران الـ 31، وتقع في شمال البلاد، على ضفاف بحر قزوين، وعاصمتها مدينة ساري، ومن أهم مدنها: آمُل ورامسر ونوشهر. وتعد محافظة مازندران من المحافظات الخصبة والزراعية في إيران بسبب التربة الجيدة وتوفر الأمطار، ويعتمد معظم اقتصاد سكانها وحياتهم على الزراعة وصيد الأسماك.

ويتحدث الشعب المازندراني لغة خاصة به هي اللغة المازندرانية (الطبريّة)، التي تكتب بالأحرف العربية، رغم ادّعاء إيران بأن المازندرانية من لهجات اللغة الفارسية، وذلك نابع من سعي إيران لصبغ البلاد بالصبغة الفارسية، ومحاولة التقليل من شأن القوميات غير الفارسية.

وبحسب التقديرات، فإن عدد المازندرانيين في إيران يتراوح بين 3-4 ملايين نسمة من مجموع عدد السكان البالغ 80 مليونا.

من الوفاق إلى الشقاق

وبالرغم من أن المازندرانيين عموما (لكون أغلبهم شيعة وينحدر منهم عدد من المسؤولين) غير منخرطين بمقاومة الحكومة الإيرانية، كباقي القوميات غير الفارسية، مثل عرب الأحواز والأكراد والبلوش وغيرهم، إلاّ أن شيئا من "التململ" بدأ يظهر في صفوف المازندرانيين مؤخرا في أعقاب تزايد إرسال أبنائهم "للموت" في سوريا دفاعا عن نظام الأسد.

 ففي شهر مايو/ أيار 2016، أعلن الحرس الثوري الإيراني عن مقتل 13 مستشارا عسكريا تابعا له في معركة خان طومان في محافظة حلب السورية، وإصابة 21 آخرين، وكلهم ينحدرون من محافظة مازندران، ما أدّى إلى أن يوجّه عدد من قادة الحرس الثوري من مازندران عريضة احتجاجية إلى قائد فيلق القدس قاسم سليماني، حمَّلته مسؤولية مصرع عدد كبير من العسكريين الإيرانيين خلال الفترة الأخيرة في سوريا، الأمر الذي جعل المسؤولين الإيرانيين يوقفون عملية إرسال قوات من محافظة مازندران إلى سوريا والعراق.

كما جدد مقتل هذا العدد من الضباط الإيرانيين من مازندران الجدل الداخلي بين مؤيد ومعارض لقضية المشاركة الإيرانية في الحرب في سوريا إلى جانب نظام بشار، فقد احتج أهالي القتلى والمفقودين والأسرى الإيرانيين في معركة خان طومان لدى حاكم محافظة مازندران بسبب مقتل أبنائهم.

المفاجأة كانت بأن الأهالي لا يعلمون بمشاركة أبنائهم في الحرب في سوريا، محمّلين مسؤولية ما حدث لأبنائهم إلى "مَن أرسلهم إلى سوريا".

أهم المراجع

1-  أبو الفداء إسماعيل بن كثير، البداية والنهاية، طبعة مؤسسة المعارف ودار ابن حزم، بيروت، 1430هـ، 2009م.

2-  مواقع: مفكرة الإسلام، ويكيبيديا، شبكة الإمام الرضا، شؤون خليجية، الجزيرة نت.

  • قراءة 339 مرات
الدخول للتعليق