العراق بين ماض مشرف وحاضر سحيق ومستقبل مجهول

العراق بين ماض مشرف وحاضر سحيق ومستقبل مجهول

الحلقة الأولى: القسم الأول

العراق أرضًا ومكانة وأهلًا

لا شك أن الحاجة ماسة جدًا لكتابة التاريخ المشرف لسنة العراق – المكون الأصيل له –  منذ فجر الإسلام إلى يومنا هذا, ومعرفة أهم المحطات التاريخية التي مرت على العراق, ومعرفة التفاصيل الدقيقة لمواقف أهل السنة من هذه الأحداث التي تعكس انتماءهم وولاءهم للإسلام والعروبة حفظًا لهذا التاريخ والاستفادة منه لمعرفة أسرار الأحداث الجارية في المنطقة، فمن لا يعرف التاريخ لا يفهم الحاضر، ولا يستطيع أن يتنبأ بالمستقبل.

إن محاولة أعداء الأمة من الصليبيين والصفويين المجوس تغيير الحقائق التاريخية، لهذا المكون الأصيل والسعي في طمس هويته الإسلامية والعربية، هي اليوم في أشد ذروتها.

فالمنطقة بشكل عام، والعراق بخاصة، تشهد هجمة شرسة من قبل هولاء المتحالفين المتناقضين، وعلى كل الأصعدة، وفي كل الاتجاهات يستهدفون عدوهم المشترك، ومهدد عروشهم وإمبراطورياتهم التي هدها على رؤسهم قديمًا, عدوهم  القديم الجديد، إنه الإسلام الناهض القادم.

هجمة لتشوية الأصول العربية للقبائل الأصيلة التي سكنت العراق قبل الإسلام، ومرورا به إلى يومنا هذا.

هجمة لتشويه التاريخ المشرف المرتبط بسنة العراق منذ فجر الإسلام.

هجمة شرسة لتغيير ديموغرافي، وتطهير طائفي تقوده أمريكا وإيران، وحلفاؤهم اليوم؛ لتغيير خارطة العراق في مشروع «سايكس ـ بيكو» جديد.

هجمة فكرية شرسة لتشويه الدين الإسلامي الحنيف، بدعم التيارات الفكرية المنحرفة عن منهج الله القويم، بشقيها: تيارات الغلو والإرجاء، إضافة إلى التلاعب بالمناهج الدراسية؛ لتغيير عقول أجيالنا، وفصلهم عن تاريخهم المشرف, وربطهم بتاريخ مشوه مبدل.

هجمة شرسة لإجبار سنة العراق لهجرة خارجية, وهجمة مماثلة لإجبارهم لهجرة داخلية، وترك بعض المحافظات والمدن التي تسيطر عليها إيران، وحكومتها الطائفية في العراق, لضم هذه المدن إلى إيران، وجعلها ضيعة من ضياعها بخاصة في جنوب العراق وشرقه.

وقبل الدخول في معرفة أحوال سنة العراق منذ الفتوحات الإسلامية، ودراسة المحطات، والأحداث التي مرت عليهم إلى يومنا هذا, والتي سوف نقف على تفاصيلها حفاظًا على ذلك التاريخ المشرف الذي خُط بدماء المخلصين ليكون لنا نبراسًا ونورًا, والتي ستكون على شكل حقلات متسلسلة في عدة مقالات, أولها الحلقة التي بين أيدكم، ثم جمعها في كتاب واحد؛ إذا أبقانا الله إلى ذلك اليوم.

وتسلسلًا للفكرة، ووصولًا للهدف المرجو، الذي نصبو إليه، رأينا من الضروري أن نتعرف، ولو بشكل سريع لطبيعة العراق أرضًا ومكانة, ومعرفة مكانته قديمًا بين الأمم, ومعرفة القبائل العربية التي سكنته قبل الإسلام، ومعرفة بعض مواقفهم, إثباتًا لعروبة العراق، ثم عزته بعد إسلامه.

فقد حكى كثير من العلماء الأوئل عن مكانة العراق وفضله، عندما قسموا الأرض إلى الأقاليم السبعة، وحكوا عن مكانة الإقليم الرابع وفضله, وشرفه بين هذه الأقاليم.

وقد اتفق أهل هذا الفن على أن الإقليم الرابع يقع وسط هذه الأقاليم؛ فهو أفضلها, وأعدلها, وبما أن العراق يقع وسط هذا الإقليم؛ فهو أفضله وأعدله؛ وبالتالي فهو أفضل ما في هذه الأقاليم، وأعدلها وأشرفها.

الإقليم الرابع:

الذي أضيف إلى «بابل»، وكان يسمى بالفارسية والنبطية «بابيل», وحدود هذا الإقليم الشريف المفضل على سائر الأقاليم، مما يلي أرض الهند «الديبل»[1], ومما يلي الحجاز «الثعلبية»[2], من طريق العراق إلى الحجاز, ومما يلي الشأم مدينة «نصيبين»[3], ومما يلي خراسان «نهر بلخ» [4]، وقد دخل في هذا الإقليم ما دون النهر من خراسان، والجبال كلها من الماهات وغيرها, والعراق بأسره، ولم يعرف ما حواه هذا الإقليم من ذلك أجمع، إلا «ببابل»؛ لفضل موضعها، وجلالة صقعها؛ لأن ذوي المعرفة من الناس، إنما ينسبون الشيء إلى الأفضل المشهور, ولولا أن بابل كذلك ما نسبوا هذا الإقليم مع سعة أرضه وجلالة ما حوى من البلدان إليه، وهذا الإقليم وسط الأقاليم السبعة، وأعدلها وأفضلها، والعراق وسطه، فهو شرف الأرض وصفوتها، أعدلها غذاء، وأصفاه هواء, متوسط بين إفراط الحر والبرد, وموضعه ينقسم فيه الزمان أربعة أقسام، فلا يخرج ساكنوه من شتاء إلى صيف؛ حتى يمر بهم فصل الربيع, ولا من صيف إلى شتاء؛ حتى يمر بهم فصل الخريف، وهذا ما يفسر لك تكالب الأمم عليه، ومحاولة السيطرة عليه قديمًا وحديثًا.

وكان قدماء الملوك تقول: الملك الأعظم مركز لدائرة ملكه بُعده من محيطها بُعد واحد، ومنه يستمد التدبير، وإليه تُرد الأمور, ولذلك يقال أن الملك الأعظم ينبغي أن يكون منزله «الواسطة» من هذا الإقليم، وهو الرابع، وهنا نجد تفسيرات لمكانة العراق الاستراتيجية بين بلدان العالم؛ مما يجعله هدف، ومحل أطماع العالم قديمًا وحديثًا .

والعراق أشرف المواضع التي اختارتها ملوك الأمم من «النماردة»، وهم ملوك السريانيين، الذين تسميهم العرب بالنبط، ثم ملوك الفرس، على طبقاتهم من الفرس الأولى إلى الساسانية، وهم الأكاسرة.

والعراق حيث تلتقي دجلة والفرات، وما قرب من ذلك، وهي من السواد البقعة التي حدها الزابي فوق «سرمنرأى»  (سامراء)[5]، مما يلي «السن [6], وتكريت [7], وناحية حلوان[8]», مما يلي الجبل و«هيت»[9] , مما يلي الفرات والشأم و«واسط»[10] من أسفل دجلة و«الكوفة»[11] من سقى الفرات إلى «بهندف»[12] و«بادرايا»[13] و«باكسايا»[14]، وهذه هي الأرض التي تفانت عليها ملوك الأمم، فكان اختيارهم بفضل آرائهم وخبرتهم، فكان المصيف في الجبال، وهي أماكن باردة في الصيف؛ ليسلموا من سمائم العراق وحره وكثرة ذبابه وهوامه، وفي الشتاء يسكنون العراق؛ ليسلموا من برد شتاء الجبل وكثرة ثلوجه, وأمطاره, ووحوله, وقد كان «أبو دلف القاسم بن عيسى العجليّ»[15] يفعل ذلك، فقال مفتخرًا به:

إني امرؤ كسروي الفعال … أصيف الجبال وأشتو العراقا

وألبس للحرب أثوابها … وأعتنق الدارعين اعتناقا  [16]

وقد وصف بعض أهل المعرفة سكان هذا الصقع الشريف، وهو العراق فقالوا «هم أهل العقول الصحيحة, والشهوات المحمودة, والشمائل الموزونة, والبراعة في كل صناعة، مع اعتدال الأعضاء, واستواء الاخلاط, وسمرة الألوان, وهي أعدلها وأقصدها، يستدل على اعتدال مزاج باطن أبدانهم بالذي يرى من السمرة الظاهرة في ألوانهم واعتدال أعضائهم أحسن الناس ألوانًا ووجوها, وأتمهم حلمًا وفهمًا, فهم أهل العلم والخير؛ وذلك لامتزاج صقعهم من حر الجنوب, وبرد الشمال, فاعتدلوا؛ فاجتمعت فيهم محاسن جميع الأقطار، كما اعتدلوا في الجبلة، كذلك لطفوا في الفطنة، والتمسك بمحاسن الأمور، وكيف لا يكونون كذلك، وهم أرباب الوافدين, وأصحاب الرافدين من دجلة والفرات…».

قال بشار بن برد:

الرافدان توافي ماء بحرهما … إلى الأبلة [17] شربًا غير محظور [18] .

وقال آخر:

هذان الواديان رائدان لأهل العراق لا يكذبان، قال المسعودي: والصقع هذا منه أفضل مواضع الأرض جميعًا في الطيب والغذاء؛ وذلك أن أطيب خيرات الدنيا بعد الأمن والعافية والعز والرئاسة، صلاح الماء والهواء، ثم أفضل أنهار العالم دجلة والفرات، وإن نازع في ذلك أهل مصر وفضلوا نيلهم، وأطيب مواضع العالم في كل الأزمنة عند قياس بعضها إلى بعض، وقياس بعض البلدان إلى بعض موضع اجتماع دجلة والفرات، وذلك أن بعض المواضع يطيب صيفه ويفسد شتاؤه فسادًا يمتنع فيه من المكاسب المهنية والمطالب الصناعية لشدة برده ودوام سقوط ثلجه، ومنها ما يطيب شتاؤه ويفسد صيفه حتى يشغل الحر والومد والبق والهوام عن تخشين الزي باللباس والتصرف في المهن والصناعات.

ثم يكمل المسعودي، ويدغدغ مشاعرنا، ويهيج حنيننا إلى بلدنا وأهلنا، بعد أن باعدت بيننا المسافات قائلا:

ويعز علينا بما دفعنا إليه من مفارقة هذا المصر الذي به مولدنا وفيه منشؤنا، فنأت الأيام بيننا وبينه وساحقت مسافاتنا عنه فبعدت الدار، وتراخى المزار، لكنه الزمن الّذي من شأنه التشتيت والدهر الّذي من شرطه الإفاتة، ولقد أحسن أبو دلف القاسم بن عيسى العجليّ، حيث يقول في هذا المعنى، في كلمة له:

أيا نكبة الدهر التي طوحت بنا … أيادي سبا في شرقها والمغارب

قفى بالتي نهوى فقد طرت بالتي … إليها تناهت فاجعات المصائب

وقال آخر:

بلاد بها أنسى وأهلي وجيرتي … وقد يتناسى الشيء وهو حبيب [19]

وقد أوطنت كثير من القبائل العربية الأصيلة العراق قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فعندما تقلب كتب التاريخ والمؤرخين الاوائل تجد أن هجرة القبائل العربية ونزوحها إلى العراق قديمة العهد، وتعزى الهجرة بالنظر للمؤرخين إلى سعة ملك اليمن واكتساح ملوكهم الممالك الأخرى، وما جرى بين هذه القبائل من حروب, ثم الى سيل العرم في  اليمن، فخرجت أقوام من قضاعة ومعد وإياد فنزلوا البحرين فتعاهدوا في حلف عربي قيل له «التنوخ»[20] ، كما سميت القبائل المتفقة «القبائل التنوخية»[21] .

وفي هذا القدر كفاية، وانتظرونا في القسم الثاني من الحلقة الأولى.

– وهي مدينة من أرض الهند ..[1]
– منازل من طريق مكة إلى الكوفة .[2]
–  مدينة تقع في أقصى شمال الجزيرة الفراتية، على الحدود بين تركية وسورية.[3]
– نهر بلخ ويسمى ايضا “جيحون” تجري فيه كثير من العيون من بلاد خرسان .[4]
– مدينة بين بغداد وتكريت على ىشرقي  نهر دجلة وتسمى قديما سر من رأى واليوم سامراء .[5]
– وهي من المدن المشهورة قديما تقع فوق مدينة تكريت على نهر دجلة وكان لها سور عظيم .[6]
– مدينة معروفة قديما وهي بين بغداد والموصل وهي الى بغداد اقرب\ واليوم هي مركز محافظة صلاح الدين .[7]
– من المدن المشهورة في العراق قديما على 160 كم من شماله الشرقي فتحها هشام بن عتبة في عهد عمر بن الخطاب [8]
– وهي مدينة قديمة تقع على الضفة الغربية لنهر الفرات الى شمال مدينة الرمادي في الانبار 190 كم عن بغداد .[9]
– مدينة عراقية تقع بين الكوفة والبصرة بناها الحجاج  .[10]
– مدينة عراقية تبعد 170 كم عن بغداد اسسها سعد بن ابي وقاص, وهي قريبة من الحيرة القديمة التي سكنها عرب العراق.[11]
– بلدة في ضواحي بغداد تقع بين باداريا وواسط غزاها المسلمون سنة ستة عشر بقيادة ضرار بن الخطاب ..[12]
– بلدة تقع بين بكاسيا وواسط قريب النهروان ..[13]
– بلدة قرب باداريا بين بغداد وواسط من الجانب الشرقي اقصى النهروان .[14]
– كان فارسا شجاعا شاعرا اديبا ولي اميرا على دمشق في عهد المعتصم.[15]
– من كتاب التنبيه والإشراف للمسعودي بتصرف \ الجزء الاول ص 32-33.[16]
– مدينة قديمة قريبة من البصرة ..[17]
– التنبيه والإشراف للمسعودي الجزء الأول ص 37 .[18]
– التنبيه والإشراف للمسعودي الجزء الأول ص 38 .[19]
 – وهو “المقام” وتعاقدت القبائل على التوازر والتناصر وأصبحوا يد واحدة على من سواهم ..[20]
 عشائر العراق \ عباس العزاوي ص 36  بتصرف .[21]
  • قراءة 365 مرات
الدخول للتعليق