ديموقراطيات العراق مثالاً

ديموقراطيات العراق مثالاً

 

 

مصطفى زين

 

 

 

في العراق ديموقراطية. في لبنان ديموقراطية. الليبيون يبحثون عنها وسط الدمار. السوريون يتّجهون إليها وسط جثث القتلى. اللبنانيون يعيدون إنتاجها بعد حرب أهلية دامت خمسة عشر عاماً. المصريون والجزائريون ينشدونها بواسطة المؤسسة العسكرية. التونسيون توافقوا عليها ويسعون إلى تطبيقها. الأتراك يرسخونها بالتوجه إلى حكم رئاسي. الجميع يرفع شعاراتها، باسمها تنظّم انتخابات توصل الديموقراطيين جداً إلى الحكم. الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا تقيس نجاحها بمدى توافق الحاكم مع سياساتها. تشكك في تزويرها في هذا البلد وتثني على تزويرها في الآخر. يصبح الرئيس المنتخب ديكتاتوراً إذا لم يسر في سياساتها، والديكتاتور يصبح الأكثر ديموقراطية وتمثيلاً إذا نفّذ برامجها. هكذا تحوّل المالكي، مثلاً، إلى طائفي عميل لإيران، واستبدل بالعبادي، وهما من حزب واحد. والأخير ما زال تحت الاختبار، مرة يكون جيداً ومرة يكون لا ديموقراطياً. مرة إصلاحياً ومرة طائفياً محافظاً. إذا طالب الأكراد بتنفيذ الاتفاقات وبسحب ميليشياتهم من قرى ومدن احتلّتها في نينوى يصبح ديكتاتوراً، وإذا وافق على ضمها إلى إقليمهم يصبح ديموقراطياً. في المناسبة، الأكراد ديموقراطيون، على رغم خلافاتهم وحروبهم الأهلية، وعلى رغم عصبيتهم القائمة على أساس العرق. هم كذلك في العراق. وفي سورية أيضاً. هم ديموقراطيون بالجينات. ألا يسعون إلى الانفصال؟ ألا ينفذون سياسات واشنطن؟

يجتمع ممثلو الطوائف والمذاهب في البرلمان العراقي. التحالف السني بكل فروعه، جماعة النجيفي وجماعة الجبوري والعشائر. الائتلاف الشيعي بكل أطيافه، جماعة المالكي وجماعة الصدر وجماعة الحكيم وجماعة المرجعية... و»بدر» و «حزب الله» و»عصائب أهل الحق». الأكراد، جماعة بارزاني وجماعة طالباني و»الجماعة الإسلامية»... أي كل المتاجرين بالوطنية وبالدين. يجتمعون ليقرروا مصير العراق ديموقراطياً. ولا أحد منهم يتكلم باسم العراق. كل فريق يتكلم باسم من يمثل. وكل فريق مرتبط بالخارج. بعضهم بتركيا. بعضهم بإيران. والجميع يرصد الرياح الأميركية. ينتظر منها الضوء الأخضر (السلاح) لتشكيل قوته العسكرية الخاصة، استعداداً لاقتطاع جزء من العراق.

في آخر مظهر من مظاهر الديموقراطية، التأم البرلمان ليقيل وزير الدفاع خالد العبيدي، ثم لإقالة وزير المال هوشيار زيباري بتهمة الفساد. متابعو جلسات الاستجواب وسحب الثقة يتساءلون: أين كان ممثلو الشعب طوال السنوات الماضية؟ ألم يشارك الجميع في تأسيس العراق الجديد بعد الاحتلال على الفساد؟ ألم يشارك الأميركيون في نهب ثروة البلاد وتراثها؟ ثم كيف يمكن أن يقتنع عراقي واحد بنظافة سياسيين أفقروا أغنى دول العالم العربي. كيف يقتنع بتديّنهم، وهم يحكمون باسم الدين، وقد تركوا الآلاف يعيشون من دون مأوى، ومن لديه مأوى يعيش من دون ماء في بلاد ما بين النهرين، ومن دون كهرباء في دولة موازنتها عشرات البلايين؟ قد يكون العبيدي فاسداً، وقد يكون زيباري فاسداً. لكن من يحاكمهما؟ من يستجوبهما؟ لماذا الآن؟ لماذا لم يسأل ممثلو «الشعوب» العراقية عن الهدر سابقاً؟ قد يقول قائل إنها البداية. لكنها بداية ستنتهي بمصالحة بين «المكونات»، فها هو رئيس الوزراء يلوّح بالاحتفاظ بالعبيدي في منصبه بالوكالة إلى حين الانتهاء من معركة الموصل. وها هم الأكراد ينتصرون لزيباري.

وسط هذه الديموقراطية، وفي ظلّها، كيف لا ينشأ «داعش» و»القاعدة» و»الخلافة»؟ كيف لشعوب إرادتها مرتهنة للخارج أن يكون لها برلمان وحكومة ومؤسسات حريصة على مصلحة البلاد؟ وكيف لا يكون فساد؟

الديموقراطية ليست بالانتخابات.

  • قراءة 356 مرات
الدخول للتعليق