سيناريو الموصل بعد «داعش» - الأستاذ موفق الخطاب

تحت المجهر
سيناريو الموصل بعد «داعش»

 


    موفق الخطاب
صحيفة الوطن - العدد 3915     


Bw7ccD8Jمثلما هو معلوم لمن يتابع ملف تنظيم الدولة «داعش» في العراق والشام اختصاراً بـ«داعش» فإن عاصمة خلافتهم المزعومة هي ولاية نينوى ومركزها «الموصل» على وجه التحديد والتي بسطوا نفوذهم عليها ليس بمنطق القوة الجبارة التي لا تقهر أو أنهم يحملون أقصى درجات الإيمان واليقين لتتنزل عليهم «مرسلين» ويقاتل معهم خمسة آلاف من الملائكة «مسومين».
لقد دخل المدينة في حينها من ساحلها الأيمن فئة لا يتجاوزون الخمسمائة مسلح، وخرج من ساحلها الأيسر ستون ألفاً من جيش مهلهل وميليشيات المالكي وتم تبادل الأدوار خلال 72 ساعة، ولو لم يكن هنالك اتفاق مسبق لتم حرق وتدمير جميع الأعتدة والأسلحة الثقيلة والمتوسطة قبل الانسحاب على أقل تقدير وعدم تركها غنائم لـ»داعش»، وهذه أبسط مهمات الجيوش حتى المتخلفة منها والمهزومة!
كذلك ومن الطرف الآخر «داعش» كان الأولى به محاصرة قادة الجيش المنهار وكبار المسؤولين وعدم فسح المجال لهم للهروب صوب أربيل والسعي لأسرهم واستنطاقهم وإخراج أسرارهم والتفاوض بهم!!
فقط هذه الاستدلالات تفضح المشروع الأمريكي الإيراني من لعبة «داعش»!!
اليوم وبعد مضي أكثر من سنتين على هذه التجربة الأمريكية التي انفضحت على رؤوس الأشهاد تسارع أمريكا وقبل مغادرة باراك أوباما بيته الأسود بأفعاله الكالحة في غلق هذا الملف بشكل سريع ملفت للنظر وقبل مغادرة الإدارة التي أجرم خلال فترة رئاسته معها بحق الشرق الأوسط كأسلافه حتى لا يفتضح أمرهم للعامة وخاصة الشعب الأمريكي علماً بأن الخاصة ومن يعمل في السياسة يعلم بتفاصيل تلك اللعبة القذرة جيداً.
أمريكا اليوم لا يهمها أبداً وضع العراق وما سيؤول إليه بعد أن تعقد أمره وأصبح كغزل العجوز التي جعلت منه أنكاثاً حتى يصعب الوصول لرأس الخيط.
ما يهم الإدارة الأمريكية اليوم هو المواطن الأمريكي وكيفية الضحك عليه وتضليله وسحبه وهو ضاحك مستبشر متفاخر بقيادته التي سحقت «داعش» وحطمت عاصمتهم وأحالتها رماداً تذروه الرياح إلى الصندوق لتجديد الولاية للديمقراطيين لتستمر المسرحية الدموية بعد أن يحط «داعش» في عواصم ومدن جديدة.
وكما دخلت أمريكا العراق عام 2003 واحتلته وأحالته إلى فوضى ولم يكن لديها أي خطة لإدارة البلاد، فإنها لم تتعظ ولم تستحِ من فعلتها الشنيعة فإنها ستكرر نفس السيناريو المرعب وهذه المرة لأمور انتخابية ودعائية وكبش الفداء الذي سينحر تحت أقدام العجوز هيلاري كلينتون هي للأسف أكبر محافظة سنية وحاضرة ضاربة في عمق الحضارة والتاريخ إنها «نينوى قرية النبي يونس عليه السلام».
لقد أحاط بالمدينة الجيش والميليشيات وقوات البيشمركة الكردية و»الحشد الشعبي» الشيعي وتمركز الأمريكيون في قاعدة القيارة وتمترس داخل المدينة من تبقى من أتباع التنظيم ومن بايعهم على جهل أو طمع أو تخوف وأهل المدينة العزل يحبسون أنفاسهم يترقبون وحالهم كحال من يستجير من الرمضاء بالنار، فقد ذاقوا الكثير من ظلم المالكي وميليشياته الذي لم يرحمهم ويرحم المدينة وأذاقهم المر والتنكيل والاعتقالات والمخبر السري ومادة 4 إرهاب المفصلة حصراً على أهل السنة، وكذلك لم ينصلح حالهم مع «داعش» الذين دخلوا المدينة في بادئ الأمر كمنقذين مصلحين، فما أن تمكنوا من المدينة حتى بان وجههم الحقيقي. فقد تدهورت جميع أمور أهل المدينة وقطعوا عن العالم وتوقفت عندهم الحياة وعادت بهم القهقرى إلى الجهل والجوع وفتك الأمراض وإقامة الحدود بالشبهات وفرض وصاية على الناس في معيشتهم وسلوكهم، كما تستهدفهم يومياً طائرات وراجمات التحالف التي أحالت ليلهم إلى رعب تعرفه من صراخ أطفالهم حتى ضاقت عليهم الدنيا بما رحبت. لا أتوقع أن أمريكا المعروفة بجبروتها وقوتها وغطرستها لديها مشروع متكامل لمدينة الموصل بعد خروج قيادات «داعش» تحت الحماية الأمريكية!!
لتبدأ تصفية الخطوط الخلفية والمتورطين معهم فسيدخل الحشد الذي جل ولائه إيراني كما عهدناه وكأنه داخل إلى أرض العدو لا إلى أرض عراقية عزيزة فسيعيث بها فساداً ويذبح الأبرياء بحجة «داعش» ويفجر المساجد بحجة أنها وكر لـ«داعش» وستنهب الدور والمتاجر بحجة أنها غنائم تركتها «داعش» وستحرق الدوائر والدور لتطهيرها من رجز «داعش»!!
أما الأكراد فإن أي منطقة سيدخلوها ستصبح لا محالة جزءاً لا يتجزأ من الإقليم ليرتفع فوق مبانيها المهدمة العلم الكردي فهي فرصة ثمينة لا تعوض لبسط نفوذهم بعد أن أرهقوا من تفسير المادة 140 مع الحكومة المركزية المتعلقة برسم الحدود بعد الاحتلال.
أما إيران فإن دخولها منتصرة إلى الموصل بقيادة قاسم سليماني ومعاونيه هادي العامري وأبوالمهدي المهندس فيمثل لها أوج نشوتها وعظمتها تلك المدينة التي أذاق قادتها وضباطها وطياروها السم الزعاف للخميني إبان الحرب العراقية الإيرانية والتي تمثل كذلك عقدة مستعصية لها منذ أن انكسر واندحر نادر شاه على حدودها.
إن تواجد إيران وبسط نفوذها في الموصل وأقضيتها يمثل الخط النهائي في توسعها وابتلاعها العراق كاملاً من أقصى جنوبه إلى أقصى شماله، كذلك يمثل انكسار الموصل نهاية التواجد السني في أكبر محافظة سنية عراقية، والقضاء على حلمهم بإقامة إقليم، كذلك ستكون حاضرة بقوة للضغط على الأكراد ومراقبة الأتراك وفتح معابر جديدة لدعم حليفها السوري.
أما قادة السنة وجميع تنظيماتهم وائتلافاتهم وكافة تنظيماتهم التي تعمل خارج العراق ومعهم رؤساء العشائر الذين غادروا البلاد فسوف لن يكون لهم أي دور فيها، وستتحول الموصل إلى أرض محروقة، وسينتج عن هذه الفوضى المدمرة مئات الآلاف من النازحين والمشردين يضافون إلى الملايين الذين ضاقت بهم الخيام، ثم ستعقبها صراعات بين القوى تطحن معها الكثير، والله غالب على أمره.

  • قراءة 34999 مرات
  • آخر تعديل على %AM, %29 %176 %2016 %03:%آب
الدخول للتعليق