الاغتيالات في العراق تتم باسم القانون

الاغتيالات في العراق تتم باسم القانون

 
الكاتب والباحث نظير الكندوري
 
 

في كل مرة تجد الحكومة العراقية نفسها محشورة في مأزق لا تستطيع الخروج منه، ثم تلجأ لتنفيذ أحكام الإعدام للخروج من ذلك المأزق، وهذه المرة أيضاً قامت الحكومة العراقية (ولا أقول القضاء العراقي) بتنفيذ أحكام إعدام بحق 36 متهماً عراقياً سني المذهب؛ بحجة ارتكابهم مجزرة معسكر سبايكر بمدينة تكريت، في 12 يونيو/حزيران 2014، وذلك للتخلص من ضغط أهالي الضحايا لتلك المذبحة، بالإضافة لامتصاص النقمة من الشارع العراقي، التي تصاعدت بسبب تفجير الكرادة الذي حدث في الأيام الأخيرة من شهر رمضان الماضي.

بعد تفجير الكرادة تسابقت الحكومة مع المليشيات لأخذ الثأر من منفذيه؛ من خلال تنفيذ أحكام الإعدام، وكلنا نعلم ما هي ملابسات ذلك التفجير، الذي تدور حوله الشبهات بقوة بتورط المليشيات المتنفذة بالساحة العراقية فيه، وبدعم من دولة جارة.

تم تنفيذ أحكام الإعدام بحق هؤلاء المتهمين السنّة في السجن المركزي بمدينة الناصرية، وبحضور وزير العدل العراقي، حيدر الزاملي، وبعض أهالي ضحايا سبايكر، والذي لاقى انتقادات واسعة من المنظمات الحقوقية العالمية، منها المنظمة العربية لحقوق الإنسان، التي تتخذ من لندن مقراً لها، حيث وصفت تلك الإعدامات بأنها ظالمة، ناتجة عن أجندات سياسية وطائفية تنتهجها الحكومة العراقية، وطالبت الأمين العام للأمم المتحدة بوقف مهازل الإعدامات، لا سيما أن هناك المئات في السجون العراقية ينتظرون تنفيذ أحكام إعدام مشوبة بالبطلان.

كما انتقدت الأمم المتحدة مساعي الحكومة العراقية للإسراع بتطبيق أحكام الإعدام، في ظل المشاكل التي يعاني منها النظام القضائي، معتبرةً أنّ ذلك قد يؤدي "للإسراع في تغييب العدالة"، علماً بأن تنفيذ حكم الإعدام هذا يُعد أسرع قرار قضائي بالعراق، ويليه بالسرعة إعدام صدام حسين، والذي تم تنفيذه خلال شهر من مصادقة الحكومة عليه.

من ناحيتها وصفت منظمة العفو الدولية تنفيذ وزارة العدل أحكام الإعدام الأخيرة بأنها "عملية قضائية مليئة بالأخطاء، ولا تخضع للقوانين الدولية"، معتبرةً أن تلك الأحكام "بنيت على اعترافات انتزعت تحت التعذيب". ولتبيان بعض الأمور حول تلك الإعدامات وحول السبب فيها نقول إن المتهمين لم يحظوا بمحاكمة عادلة وشفافة، وإن أحكام الإعدام كانت قد اتخذت سلفاً، وقبل تقديمهم للمحاكمة؛ حينما أُجبر المتهمون على الإدلاء باعترافاتهم عبر شاشات التلفزيون، تلك الاعترافات التي أخذت تحت التعذيب.

ويحق للمرء أن يتساءل، لماذا لم تتم محاكمة من تسبب بهذه المجزرة بشكل رئيس؟ أليس نوري المالكي هو من تسبب في سقوط الأراضي العراقية في قبضة داعش؟ والتي كانت السبب المباشر لحصول تلك المجزرة على يد إرهابيي داعش؟ لماذا لم تنشر نتائج التحقيقات في أسباب سقوط الموصل وباقي الأراضي العراقية؟ أليس السبب بعدم نشرها كون المتهم الأساس فيها هو نوري المالكي وزمرته من حزب الدعوة؟

وعلى الرغم من إدانتنا للمذبحة التي حصلت في معسكر سبايكر، لكن هل يمكننا الثقة بالقضاء العراقي في محاكمته لهؤلاء المتهمين؟ علماً أنّ لهذا القضاء سجلاً حافلاً من الأحكام القضائية المسيسة والطائفية التي صدرت عنه. ألم يكن هو نفس القضاء العراقي الذي قام بإدانة خصوم المالكي السياسيين بغرض إزاحتهم عن الساحة السياسية وليتفرد المالكي بحكم العراق؟ مثل طارق الهاشمي، وأحمد العلواني، ورافع العيساوي، ومحمد الدايني. أليس هو نفس القضاء الذي حكم بأحقية تولي نوري المالكي لرئاسة الوزراء بالرغم من حصول كتلة إياد علاوي على الأغلبية النيابية سنة 2010؟ أو لم يكن هو نفس القضاء الذي كان يتخذ المخبر السري "سيء الصيت" كدليل إدانة لإصدار قراراته بالإعدام والأحكام المؤبدة ضد المدانين؟

فكيف لنا أن نثق بمثل هذا القضاء؟ وهو الذي يأتمِر بأوامر السلطة التنفيذية، سواء كان على رأسها المالكي أو العبادي؟ وليس له أدنى استقلالية، وكيف لنا أن نثق بهذا القضاء الذي لا يُصدّق على أحكام الإدانة إلا عندما تتعرض الحكومة التنفيذية للضغط من قبل أهالي الضحايا لمعرفة حقيقة ما حدث، وتقديم المجرمين للعدالة؟ وكيف نثق بالقضاء والمليشيات الخارجة عن القانون تفرض إرادتها عليه، وعلى الدولة؛ من خلال تهديدها بتنفيذ أحكام الإعدام بنفسها إذا لم تنفذ الحكومة أحكام الإعدام بحق المتهمين سريعاً؟

ولو كان المتهمون جناةً فعلاً لما زادنا هماً، ولكننا نعلم علم اليقين أن الجناة طليقون يتمتعون بالحرية، وهم على استعداد لتكرار جرائمهم مرة أخرى إذا سنحت لهم الفرصة. وفي معرض تعليقه على الإعدامات الأخيرة بحق المتهمين قال النائب مشعان الجبوري، والذي قدم أقراصاً مدمجة إلى السلطات القضائية عن واقعة مذبحة سبايكر: إن "القتلة الحقيقيين في تلك الجريمة والمعروفين بالاسم كنا قد سلمنا صورهم وأسماءهم إلى القضاء في وقتها، ولكن لم يتم القبض على أي واحد منهم، وبالتالي فإنهم لم يحاكموا، كما أنَّ بعضهم قتل في المعارك مع تنظيم داعش".

وهذا يدلل بشكل قاطع على أنَّ الذين تم تنفيذ حكم الإعدام بحقهم ليس لهم أية علاقة بمجزرة سبايكر تماماً، وإنما هم أشخاص تم اعتقالهم عشوائياً من مدينة تكريت، وتم إجبارهم على الاعتراف بالمشاركة باقتراف تلك الجريمة، فالمشكلة الحقيقية بالقضاء العراقي تتعلق بانتزاع الاعترافات من المتهمين بالتعذيب والإكراه، والأمر الذي يثبت تعامل القضاء العراقي بطائفية هو عدم تسجيل أي حالة لتنفيذ حكم الإعدام بحق شخص شيعي منذ الاحتلال سنة 2003 ولحد الآن.

إن الضحية الوحيدة بهذه اللعبة السياسية القذرة هو الشعب العراقي، سواء كان من هذه الطائفة أو تلك، وأصبحت دماء الشعب العراقي رخيصة، لدرجة بات السياسيون يستعملونها في صراعاتهم السياسية المختلفة؛ فحينما تأتي الانتخابات ويريد القادة الشيعة حصد أصوات ناخبيهم، يسمحون بالتفجيرات لتأكل من الشيعة صغيرهم وكبيرهم، ويقولون لهم: السنّة هم من فعلوا ذلك، وإذا لم تنتخبونا فسوف يقتلونكم جميعاً، وبنفس الوقت تتسبب ربيبتهم القاعدة أو داعش بافتعال شتى الوسائل لكي توحي للسنّة بأن الخطر الوحيد على وجودهم هم الشيعة المتربصون بهم. ومع الأسف فإن الغفلة والبساطة التي يعيشها شعبنا جعلته يصدق هذا السياسي أو ذاك بالخدعة التي يقولوها لهم، وينسى أن من يمول الجميع واحد، والمتسبب في مآسي العراقيين واحد.

إن إيران هي المسؤولة عن كثير من الجرائم التي تقترف بحق الشعب العراقي، فهي التي قامت بسحق السنّة وتهجيرهم من أراضيهم من خلال عملائها من المليشيات والقوات الحكومية، وهي نفسها التي تستعمل الشيعة العراقيين في حروبها بالداخل العراقي وخارجه ليلاقوا حتفهم، حالياً في سوريا، وغداً في اليمن، ولا نعلم بعدها في أيّ بلدٍ آخر سيُقتلون.

ومن التوافقات الملفتة للنظر أن تتزامن الإعدامات بحق أهل السنّة في العراق مع حملة الإعدامات التي قامت بها إيران قبل بضعة أيام بحق السنّة فيها، وكأنها تريد توجيه رسالة تحدٍّ وإهانة إلى كل أهل السنّة في العالم العربي والإسلامي، وهي تعلم علم اليقين أن لا أحد سيقف بوجه عنجهيتها وغطرستها.

  • قراءة 419 مرات
الدخول للتعليق