كم مِن ابن سبأ في عصرنا؟!

كم مِن ابن سبأ في عصرنا؟!
 
 
 أسامة شحادة.. موقع الراصد
 

 معلوم كم هو الدور الخبيث الذي قام به ابن سبأ في عصر الخلافة الراشدة، زمن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، رضي الله عنهما، حيث بث الأراجيف بين الناس، وشحنهم بالأكاذيب، حتى ثاروا على عثمان رضي الله عنه فقتلوه، فكان بدء ظهور الخوارج على يده، والذين سرعان ما انفصلوا عن معسكر علي رضي الله عنه وجيشه، وبقي ابن سبأ يوجههم من المدائن.

وعمد ابن سبأ إلى بقية معسكر علي رضي الله عنه فنشر بينهم البدع والخرافات حول وظيفة آل البيت وخاصة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فاخترع عقيدة الوصية والولاية في استجلاب لعقيدة اليهود، ثم أظهر القول بالرجعة والتقية وألوهية علي، وعمل على وقوع الحرب يوم الجمل حين غدر بجيشي علي وعائشة رضي الله عنهما، وتكونت بذلك فرقة الشيعة.

وقد تميز ابن سبأ بكونه منافقا يظهر الإسلام ويبطن الكفر واليهودية، وكان واسع الحيلة خبيث التفكير، يعتمد على السرية وضعاف الإيمان وقليلي العقل، ويلجأ لمحاربة الإسلام بإظهار الدين مع تحريفه واختراع أفكار وعقائد باطلة بدلاً من عقائده، وقد نجح في اغتيال خليفتين من الصحابة، وإيقاع الحرب بين المسلمين، وإيقاف حركة الدعوة الإسلامية للعالم، وبث الصراعات والخلافات في الأمة.

نعم، لم تهزم الأمة وتفنى، وسرعان ما عادت حركة الدعوة الإسلامية والفتوح لتعمل على يد معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه والدولة الأموية من بعده، ونعم، لم يحرف دين الإسلام بالكامل كما حدث لدين المسيحية على يد بولس، بل سرعان ما تضاءل باطل ابن سبأ وانحصر في مجموعات سرية صغيرة مبعثرة هنا وهناك.

ولكن بقي لهؤلاء السبئيين جهد خبيث في نشر باطلهم والكيد للمسلمين، ولذلك عَرف تاريخ المسلمين العديد من الحركات الباطنية، التي حرصت على زعزعة الإيمان بنشر الشبهات والعقائد المحرفة، وتكوين التنظيمات السرية المسلحة التي تحولت لدول وإمارات كدولة القرامطة والبويهيين والعبيديين وقلاع الحشاشين، وفي عصرنا الحاضر تعد جمهورية الملالي والميلشيات الشيعية الطائفية في عدد من الدول تجسدا صريحا للسبئية.

وفي التاريخ القريب شاهدنا أمثال ابن سبأ يجتاحون الكثير من الأحزاب والتنظيمات، ولعل من أشهر تلك الوقائع، قضية اليهودي المصري "إيلي كوهين – أمين ثابت" الذي نجح الموساد الإسرائيلي في زرعه داخل النظام السوري، وكاد أن يرشح كرئيس للوزراء سنة 1965!

وهناك أيضاً نجيب جويفل، الذي نشأ في التنظيم الخاص لجماعة الإخوان المسلمين، وهو فتى صغير، وشارك في كتيبة الإخوان بحرب فلسطين وعمره 19 سنة، ثم تنقل بين عدد من الدول العربية كمصر وسوريا ولبنان والأردن والسودان والكويت والجزائر، وعمل فيها جميعاً على شق جماعة الإخوان المسلمين قبل أن يظهر بصفة ضابط استخبارات في نظام جمال عبد الناصر في منتصف الستينيات!

وإذا انتقلنا إلى الوقت الحاضر وتفحّصنا أمثال ابن سبأ في الجماعات والتيارات فسنجد ذلك ظاهراً بوضوح من خلال خدمة بعض الجماعات التي ترفع شعارات الإسلام والجهاد لمصالح أعداء الأمة وأن كل ثمرات هذه الجماعات هي تفتيت وحدة المسلمين وتفريق صفهم ببث الشبهات والأباطيل، والجماعات التي تزعم الجهاد تضم إلى ذلك قتل واغتيال وتفجير العلماء والدعاة وقادة المجاهدين لأعداء الأمة، فهل هذا يصدر إلا من توجيهات سبئية؟

والسبئية جمعت بين اليهودية والتشيع، وهذا ما نجده بوضوح في سياسة الطرفين وهذه بعض الأمثلة على تغلغل السبئيين في صفوف بعض الجماعات والتيارات على الساحة اليوم:

- نصّت الخطة الإيرانية الخمسينية التي نشرت قبل 20 سنة تقريباً على تثوير شباب أهل السنة ضد دولهم وحكامهم، وفعلاً بعد أن كان الشيعة هم المجرمون الذين ينشرون الإرهاب والتفجير والاغتيال وخطف الطائرات في لبنان والعراق والكويت والسعودية والبحرين، أصبح شباب السنة من تنظيم القاعدة ثم داعش هم من ينفذ غالب الجرائم الإرهابية، ولكن بعض هذه الجرائم تمت بمساعدة من إيران أو بتوجيهات من قادة القاعدة المختبئين في طهران!

- أيضاً تم اختراق تنظيم القاعدة وتنظيم داعش من بعض الشيعة الخليجيين الذين تولوا مناصب قيادية، وقصة صباح المهاجر الشيعي من الإحساء الذي اندس في تنظيم القاعدة بالعراق وقام بقتل كثير من أهل السنة حتى كشف أمره قصة مشهورة في العراق.  

- وتنظيم داعش قام بإعدام أحد رموزه وهو أبو عمر الكويتي (حسين رضا لاري) -وهو شيعي زعم أنه تسنن- وقد بلغ به الغلو في التكفير أنه كفّر الظواهري وتنظيم داعش! ومن درس ضلال ابن سبأ يجد أنه ادّعى في علي رضي الله عنه الألوهية التي يؤمن بها الشيعة أو بعضهم، فلما رفضها علي رضي الله عنه وأنكرها، ادّعى ابن سبأ أن عليّا رضي الله عنه كافر مرتد حتى قتله الخوارج!([1]).

وعلى الجهة المقابلة نجد تيار الغلو في الجرح والتعديل يتطور غلوه من التبديع والجرح المعنوي إلى الإفتاء بقتال المخالف والاصطفاف مع الانقلابيين على السلطة الشرعية في بلدهم وباعتراف المجتمع الدولي كما فعل ربيع المدخلي في فتواه الأخيرة بخصوص ليبيا، وهذه الفتوى وأمثالها والسلوكيات الطائشة التي تناقلت مواقع التواصل أخبارها من استهانة هذا الفريق بالتهجم المسلح على مخالفيه هو تطور خطير لا يبعد أن يكون بتحريض السبئيين المندسين بينهم.

فهذا الفريق يكثر بينهم الغرباء من دول شتى بحجة طلب العلم والدراسة، وقد تبين ارتباط بعض المندسين ممن يدعى أنه مسلم جديد من بلاد الكفار بأجهزة أمنية لا ترقب في مسلم إلاًّ ولا ذمة، ولا يستبعد أن يكون منهم بعض يهود العرب مثل يهود اليمن ويهود المغرب.

ومما يدلل على الاختراق اليهودي لمثل هذا التوجه أن في الجامعة العبرية بتل أبيب قسم خاص لدراسة الإسلام وعلم الحديث بالذات من قبل دكاترة يهود منهم البروفيسور كيستر ود. إبراهيم، وهم يتابعون كتب علم الحديث والجديد فيه، ويحرصون على الكتب التراثية، وطلابهم من اليهود، فأين سيذهب هؤلاء الطلبة بعد الدراسة؟ وهل النقاشات الغريبة والاتهامات العجيبة والآثار النادرة التي توظف من قبل هذا التيار في منتدياتهم ومنشوراتهم بعيدة عن اجتهاد هؤلاء اليهود من طلبة الحديث!

الخلاصة: إن السبئيين ليسوا قلة في عصرنا، وكذلك كانوا من قبل، والواجب على العقلاء الحذر والانتباه من الغزو الداخلي في الإسلام وأنه لا يقتصر على دعاة البدع والضلال من الفرق الضالة الصريحة، ولا يقتصر على دعاة الحداثة والعقلانية والعصرنة والعلمنة، بل يشمل أيضا جماعات جهادية وتيارات علمية تنسب نفسها للمنهج السلفي، فالحذر الحذر من سبئيي إيران وإسرائيل، وسبئيي الشيعة واليهود.

وكما قال المسيح عليه السلام: "مِن ثمارهم تعرفونهم"، فمن كان يرفع شعار السنة والعلم أو الجهاد والرباط، ثم لا يصبّ عمله إلا في تفريق صف المسلمين ونشر البغضاء في صفوفهم ظلما وعدواناً، أو يقتل أهل السنة والإسلام ويزعزع أمنهم ويضيع أرضهم دوماً، فهؤلاء باض السبئيون بينهم وفرّخوا، والله المستعان. 



[1]- أصول وعقائد الشيعة الإثنا عشرية تحت المجهر، ودور ابن سبأ في تأسيسها ونشأتها، د. حافظ موسى عامر، ص 179.

  • قراءة 408 مرات
الدخول للتعليق