هل تم تدجين كل الساسة السنة العرب في العراق؟

هل تم تدجين كل الساسة السنة العرب في العراق؟
 
 
 
 
 
بقلم: انس محمود الشيخ مظهر
 

ان ما جرى في جلسة استجواب وزير الدفاع العراقي خالد العبيدي في البرلمان العراقي كشف الكثير من الاسرار الخافية على الشعب العراقي. فلا يختلف اثنان على ضرورة التصدي للفساد الذي ينخر جسد الدولة العراقية بشكل عام وعلى محاربته، لكن عندما يتحول هذا التصدي الى تصفية حسابات وابتزاز سياسي عند ذاك لا يبقى هناك فرق بينه وبين الفساد نفسه. فقد اراد الذين استدعوا خالد العبيدي للبرلمان وضع الرجل تحت ضغط الجهة المستجوبة ودفعه للقيام بتحويل جلسة الاستجواب الى جلسة اتهام لاخرين. وحسب ما سرب من اعضاء في اللجنة القانونية البرلمانية فانهم كانوا على علم بان مسار الجلسة سيتغير، ومع ذلك عقدت الجلسة.

لقد نجح المخططون للاستجواب في تحويل خالد العبيدي الى اداة ضغط مركب على نواب اخرين، ضاربين بذلك عصافير عدة بحجر واحد، باتهامهم لوزير سني بالفساد وبدوره يقوم باتهام نواب سنة اخرين بالفساد. فالملاحظ ان كل من ذكرهم العبيدي في لائحة اتهاماته هم من النواب السنة، ما عدا حنان الفتلاوي وعالية نصيف اللتان اقحم اسميهما في اللائحة لذر الرماد في العيون وزيادة الحبكة الدرامية في اظهار ان ليس هناك استهداف لمكون دون المكون الاخر. فلا يمكن اعتبار ما قاله عن حنان الفتلاوي بانه اتهام لها، فالفتلاوي ليست مسئولة عما يذكره الاخرون على لسانها (عندما ذكر بان حيدر الملا اتصل به هاتفيا وقال بانه يتكفل باقناع الفتلاوي كي تلغي طلب الاستجواب الاول له مقابل دفع العبيدي مبلغا من المال لهم). وكذلك لا يمكن اتهام عالية نصيف بالفساد في محاولتها تعيين بعض من تعرفهم في مؤسسات الدولة ووزاراتها. لذلك فالغرض من الجلسة اصلا كان اتهام النواب الاخرين الذين ذكرت اسمائهم (سليم الجبوري ومحمد الكربولي وحيدر الملا وطالب المعماري) وكلهم من السنة العرب.

كل الدلائل تشير الى ان الفترة الفاصلة بيننا وبين طرد داعش من العراق ستكون فترة عاصفة تشهد احداثا غير متوقعة. فجميع المكونات السياسية تحاول تقوية مواقفها على حساب مواقف المكونات الباقية. ويبقى المكون السياسي الشيعي هو الاكثر اهتماما بهذه النقطة حيث ان وجود داعش في العراق صب في صالحه في انه الغى اي دور سياسي مؤثر للمكونين الاخرين (السني والكردي) على مجريات الامور السياسية في العراق، وابقى الساحة خالية تماما للمكون الشيعي يصول فيها ويجول كما يشاء وفق مصالحه واجنداته، ولذلك فهو يحاول جاهدا الان الاستمرار بالتفرد بالقرار بعد طرد داعش من خلال الخطوات التالية:

اولا.. تضعيف البيتين الكردي والسني داخليا من خلال اثارة المشاكل داخلهما.

ثانيا.. تاليب الطرف السني على الطرف الكردي واستخدام المكون السني لما يصب في مصلحة اجنداته، من خلال دفع بعض ساسة المكون السني (المدجنين) لاثارة موضوع المناطق المستقطعة من اقليم كردستان.

من خلال مجريات الاحداث منذ 2003 ولغاية يومنا هذا نلاحظ ان المكون الشيعي السياسي حاول بشتى الطرق اقصاء ساسة المكون السني من العملية السياسية عبر وسيلتين:

الاولى.. فبركة وتوجيه تهم ارهاب يتم على اثرها اما اعتقال السياسي السني او اخراجه من العراق، اي بمعنى اخر انهاء حياته السياسية. وهذه الوسيلة استخدمتها الاطراف الشيعية ضد من لم يتمكنوا من تدجينه وجره للمشروع الايراني واجنداته في العراق، مثلما حدث مع عدنان الدليمي وطارق الهاشمي ورافع العيساوي والعلواني والى حد ما مع اسامة النجيفي. حيث الان هم اما في السجون او خارج العراق او محيدون تماما من التاثير على العملية السياسية في العراق.

الثانية.. دفع قسم من الساسة العرب السنة للتورط في عمليات فساد مالي واداري يجرى استخدامها بعد ذلك كورقة ضغط عليهم وابتزازهم بها، وتستخدم هذه الطريقة مع السياسي العربي السني الذي ترى فيه الاطراف الشيعية امكانية محاباة المشروع الايراني والسكوت عنه. وبذلك يتحول هذا السياسي العربي الى العوبه في يد تلك الاحزاب الشيعية تحركه حيث تشاء. مثلما فعلوا مع مشعان الجبوري وصالح المطلك ومحمود المشهداني، ومثلما يحاولون الان فعله مع خالد العبيدي وسليم الجبوري والكربولي وحيدر الملا.. كي ينضموا الى جوقة المدجنين.

وقد اثمرت تلك السياسيات الى حد كبير، فلا نكاد اليوم نرى سياسيا سنيا عربيا مؤثرا يتصدى للمشروع الشيعي العراقي –الايراني. بل وصل الحال باحد المدجنين منهم (محمود المشهداني) للتصريح وعلنا بان ايران ومليشيات الحشد الشعبي والتحالف الوطني (الشيعي) يدعمون ويؤيدون المشروع العروبي الذي يتبناه هو واخرون في مدينته للوقوف ضد ما سماه "الاطماع الكردية" في المناطق المستقطعة (ويقصد بها المناطق الكردستانية خارج اقليم كردستان). تخيلوا ان السيد محمود المشهداني (القومجي الاخواني) يتوهم بان ايران واذرعها في العراق يمكن لهم ان يدعموا توجها عروبيا قوميا في العراق، ويصدق هذا الجنون ويندفع للتصدي للطموح الكردي المشروع في ضم مناطقه (هذا ما قاله ضمنا في لقاء له على فضائية قبل ايام). وهذا يثبت بان الطرف الشيعي السياسي في العراق يحاول دفع وتأليب الطرف السني على الطرف الكردي وايهامه بانه يدافع عنه ويصور له بان ما يقوم به يصب في صالحه هو كقومي عربي. متناسيا بان خلق مشاكل غير مبررة لا يصب في صالح المكونين الكردي والسني. فلا اطماع للأكراد في مناطق احد ولكن في نفس الوقت لا يمكن ان يطمع احد في اراضي كردية كانت خارج اقليم كردستان نتيجة سياسات حكومات عراقية سابقة.

ان الساسة العرب السنة في العراق مطالبون بان يكونوا اكثر وعيا وادراكا مما هم عليه الان، وعليهم ادراك ان المرحلة القادمة ستشهد تحديات كبيرة وخطيرة تحتم عليهم التحرك بحكمة وروية. بعيدا عن عنتريات اللغة والتفكير. فليس من مصلحة احد مثلما هو ليس في مصلحة الشارع السني العربي ان يستخدم ساسته لتنفيذ اجندات اطراف اقليمية غير عربية، ولا من مصلحته اختلاق مشاكل لا مبرر لها بين المكونين السني والكردي بعد ان برهن الواقع بان كردستان هي عمق استراتيجي لهم سواء كانت كردستان ضمن العراق او خارجه.

انس محمود الشيخ مظهر

كردستان العراق – دهوك

  • قراءة 329 مرات
الدخول للتعليق