من تركيا أتاتورك إلى تركيا أردوغان

من تركيا أتاتورك إلى تركيا أردوغان

  • محمد حسين النعمه

 

من كان على إطلاع بالمشهد السياسي التركي على مدار السنوات الاثنتي عشرة الماضية في ظل حكومة أردوغان كرئيس وزراء ثم رئيسا للجمهورية وما كان فيها من أحداث سياسية خارجية أحدثت أزمات وصراعات وتوترات في العلاقات، منها ما هو متعلق بالموازنات الإقليمية والدولية كالموقف من:

القضية العراقية: القضية العراقية بعد الاحتلال الأمريكي والسيطرة الإيرانية على العراق والموقف التركي شبه المتفرج.

والقضية السورية: التي اكتفى الجانب التركي فيها بمساندة إعلامية وإيواء للنازحين والمهجرين وتسهيلات للإقامة والحياة داخل تركيا.

والقضية المصرية: التي نالت من الجانب التركي التأييد للشرعية المتمثلة بالرئيس محمد مرسي الذي انقلب عليه العسكر وزجه في السجن.

وقضية غزة والكيان الصهيوني.

والموقف من التدخل الأمريكي في شؤون الدول العربية والإسلامية المحيطة بتركيا بشكل خاص.

والتدخل الروسي الإيراني في سوريا بشكل سافر وواضح.

وغير ذلك من الملفات الكبيرة والخطيرة والتي لها اثر على مستقبل هذه البلدان بشكل خاص وعلى المنطقة وتركيا بشكل عام، كان الموقف التركي موقفا إعلاميا أكثر من أن يكون موقفا عمليا منهجيا، ولعل تركيا حاولت الضغط باتجاه تخفيف المعانات ورفع الظلم والمشاكل الحاصلة لبعض بلدان المنطقة، إلا أن المسألة كانت أكبر من أن تكون تركيا فيها لاعبا مؤثرا بشكل واضح وفعال، ولذا لم تحظ هذه الشعوب - عمليا - أكثر من إعلام يخاطب مشاعرها وعواطفها، وحملات إغاثة مستمرة، وأبواب بلد مفتوح لاستقبال مظلوميها، وهذا اكبر ما كان يسع تركيا فعله إلى ما قبل الانقلاب الجديد، ومع هذا فقد عانت الحكومة التركية من سياستها تجاه هذه الملفات جملة أزمات وتوترات.

أما على المستوى السياسي التركي الداخلي فمن عاش في تركيا علم من الموازنات المعقدة والصعبة والخطرة التي كانت على الحكومة - متمثلة بأردوغان كرئيس للوزراء ورئيس للجمهورية مؤخرا - أن تنتهجها وتعمل في ضوئها، فأردوغان رجل سياسي يعرف بتوجهه الإسلامي وبحركته التحررية وخطابه القوي والحاد وتحديه للواقع وتطلعاته، في مقابل شعب منقسم عليه ما بين مؤيد وهم التيار الإسلامي بشكل خاص، وأصحاب المصالح الذين ذاقوا طعم النعيم في ظل حكومته وسياسته الاقتصادية التي رفعت من تركيا كدولة مُتدنية اقتصادياً مَدِينَة إلى صندوق النقد الدولي إلى دولة دائنة تتمتع باقتصاد قوي ودخل مادي جيد ورفاهة عيش لشعبها ونهضة ثقافية وعلمية، وتوسع في العمران والمدن والمواصلات والسياحة والتواصل العالمي وغير ذلك.

كما نجد أن أردوغان قد عمل على مفاصل حساسة وملفات كبيرة أحدثت لغطا كبيرا داخليا وخارجيا، منها:

1- اتخاذ أردوغان من النهج العلماني سبيلا ليكسب الشعب التركي حريته، ويخرج من طوق التبعية للغرب باقتصاده القوي.

2- موازنات مع قوى المعارضة الداخلية والتي كانت ولا تزال تعمل على معارضة الحكومة واردوغان، وخاصة أن هذه القوى لها عمق جماهيري يمتد لعقود وينتمي لمؤسس الدولة التركية الحديثة أتاتورك وعلاقات دولية مساندة لها في توجهها وسياساتها.

3- موازنات مع قوى العسكر والجيش التركي، الذي جعل تركيا تعيش خلال قرن مضى أكثر من انقلاب قاده جنرالاتها وأعلن الأحكام العرفية والطوارئ وأخرها الانقلاب الذي أودى بحكومة نجم الدين اربكان رحمه الله، والذي حاول أردوغان من يوم توليه زمام الأمور الحد من أثر العسكر على الحياة السياسية.

4- المسألة الكردية المعقدة والصراع المسلح مع الدولة التي تحظى باهتمام دولي ورعاية مباشرة من قبل الغرب، والتي سعى أردوغان إلى حلها بكل الصور ونجح إلى حد ما في ذلك.

5- السياسة الخارجية التي طالما كانت تركيا فيها تابعة للسياسة الغربية ورغباتها، فقد عمل أردوغان ولا يزال يعمل لأجل صناعة سياسة خارجية تركية مستقلة خادمة للمصالح التركية وتوجهاتها، من غير خضوع ولا استسلام للإرادة الخارجية.

6- الكيان الموازي، جماعة فتح الله كولن التي حاولت أن تقلب الأمور على الدولة التركية وعلى أردوغان بشكل خاص، وعملت بشكل كبيرة وأسست شبه دولة داخل الدولة التركية وكادت تنجح في مساعيها إلا أن أردوغان كان لهم بالمرصاد.

7- التوجهات والخلافات داخل حزب العدالة، والتي تجلت بشكل كبير مؤخرا باستقالة احمد داود أوغلوا من منصب رئاسة الوزراء ورئاسة الحزب، هذه الخلافات التي سلم من أثرها الحزب بل استطاع أن يخرج منها سليما معافى أقوى وأكثر جماهيرية ورمزية.

وغير ذلك من الملفات التي كانت ترهق اردوغان وحكومته، وتشق عليه وتحتاج إلى خبرة سياسية عاليه ومناورة وحسن تصرف وفراسة وتحد على المستوى الداخلي والخارجي.

وما حدث يوم الجمعة 15 تموز من انقلاب عسكري مخطط له بذكاء عالي وتنسيق رفيع المستوى ودعم دولي، وخطة محكمة، ثم حركة الحكومة ومواجهتها لهذا الانقلاب كان بمهارة وحنكة كل هذا كان في كفة وفي الكفة الأخرى حركة أردوغان التي قلبت المشهد وقلبت السحر على الساحر، وتحولت تركيا إلى عهد جديد يصح أن نسميه عهد تركيا أردوغان، بعد أن كانت تعرف بتركيا أتاتورك، وذلك لما قام به أردوغان من أعمال أثرت على مجريات الأحداث السياسية التي اجتمع عليها أبناء الشعب التركي قاطبة بل أثرت على دول كاملة، منها:

1- الظهور الإعلامي؛ وهو السلاح الأكبر والأكثر تأثيرا في مجريات الأحداث، فقد ظهر أردوغان في الإعلام خلال ساعات الانقلاب القلائل أربع مرات في أماكن متفرقة، بعضها معلوم المكان كظهوره بين المتظاهرين خارج مطار أتاتورك والظهور الأخر داخل مطار أتاتورك، وان كنت لا أظن انه قدم إلى المطار وتواجد فيه وإنما هي الحرب والخدعة مارسها ونجح فيها إلى ابعد حد.

2- مطار أتاتورك الموعد؛ صحب ظهور أردوغان الإعلامي دعوة إلى التجمع واللقاء في مطار أتاتورك وفي جميع الأماكن التي يتواجد فيها عسكر الانقلاب، فاحتشد الناس والقصة معلومة.

3- رباطة الجأش والهدوء والسكينة، فقد اعتادت الشعوب أن لا ترى الحكام لحظة الانقلاب ولا تسمع لهم همسا، إلا أن أردوغان ظهر وحشد الناس وشاركهم في هدوء واطمئنان.

4- خطاب قصير ومركز، لم يستخدم أردوغان في خطابه الحماسة التي عهدناها منه ولا الكلام المنمق والمعسول ولا التهديد ولا الوعيد، إنما دعا الناس إلى نصرة قضيتهم وتدارك حقهم الذي يريد العسكر أن يسرقه، وانه قادم إليهم إلى مطار أتاتورك، بهذه البساطة، ومن خلال (الفيس تايم) وليس من خلال القصر الجمهوري ولا الإعلام الرسمي واستوديوهاته، إنما من مكان مجهول، إلا أنه قلب الموازين وحشد الملايين وجعل المحنة منحة ونصرا كبيرا .

هذا وغيره، يجعل الناظر إلى قادم الأيام يدرك أن تركيا قبل الانقلاب غير تركيا بعد الانقلاب، فقد أعاد اردوغان انتخابه من جديد من خلال حشد الناس بالملايين وبجميع المحافظات التركية ومدنها، التي حدث فيها الانقلاب والتي لم يحدث، وتصدي الناس لدبابة العسكر بصدورهم العارية التي أرهبتهم وأذلتهم وجعلتهم يستسلمون خاضعين خانعين مذلولين.

إن قادم الأيام سيجعل من تركيا تحمل اسم أردوغان معها فلا يقال تركيا إلا والحق بها أردوغان، وهذا يعني أن الدولة التركية برئاسة اردوغان ستخطو خطوات باتجاه إعادة هيكلية المؤسسة العسكرية، بكل أصنافها، وأجهزة المخابرات والاستخبارات والأمن، فضلا عن مؤسسة التربية والتعليم، وما يراد لهما من أن يلعبا دورا في صناعة المنظومة الاردوغانية - إن صح التعبير - التي ستجعل الجماهير على وعي ثقافي مشترك في القضية السياسية والمصيرية، وستكون هناك برغماتية جديدة سيشهدها الشارع التركي بجميع أطيافه المحبين لأردوغان والمناصرين له وغيرهم، وكذلك يقال عن المؤسسة القضائية التي كان لها الأثر في إرباك المشهد السياسي خلال الأعوام الماضية.

أما على المستوى الخارجي فقد أدرك العالم أن تركيا قبل الانقلاب غير تركيا بعد الانقلاب ولهذا سنجد تحولات في السياسة الخارجية تجاه تركيا لها شكل مختلف هذه المرة، وكذلك سنجد أن تركيا ستشهد عصرا جديدا من العلاقات الخارجية مختلفا قد يحمل الكثير من الصدمة للجمهور إلا أن ضرورة المرحلة تقتضيه، ومن بين التوجهات التركية الجديدة سنشهد تنازلات من الجانب التركي في تطبيع العلاقات الخارجية المتأزمة مع بعض الدول وتعزيز العلاقات مع الدول ذات الأثر الإقليمي كأمريكا ودول أوربا وروسيا وحتى إيران، وكل هذا لأجل إعادة ترتيب البيت التركي ليكون بيتا اردوغانيا - إن صح التعبير -، ولينتهي عهد الدولة الأتاتوركية ولتبدأ الدولة الاردوغانية.

والعهد الاردوغاني هذه المرة سيرتكز على دعم جماهيري واسع في بناء فكري جديد سيشهده الشعب التركي بجميع توجهاته وثقافاته، وستعمل الأحزاب التركية المعارضة على مناغمة التيار الأردوغاني إلى حين، وكذلك الكثير من الدول حتى لا تحسب على صف الانقلابيين ومؤيديهم بعد الفشل الذريع الذي منيت به حركة الانقلاب.

هذا الجانب المشرق من المشهد أما جانب المؤامرة على الدولة وعلى أردوغان بشكل خاص فإنها لن تتوقف ولن يتراجع عنها الغرب، وإنما ستكون هذه المرة بصور مختلفة ومشاهد أخرى، ولعل اقلها وأسرعها أن يتم تصفية أردوغان بالاغتيال وان حدث هذا فان أردوغان بعد اليوم قد فوت عليهم الفرصة فسيكون بناء الدولة الجديدة مليء بالاردوغانيين ولن يبقى المشهد معتمدا على شخص أردوغان وستكون المؤسسات التركية قد أخذت دورها المرسوم بعد تطهيرها وتنظيفها لتمثل سياسة البلد الداخلية وإرادة الشعب الواعي الذي هتف للحرية ورفع رايتها وأعلن عن رفضه لكل أنواع الاستخفاف به، وما ذلك إلا نتاج الحركة الأردوغانية ومن هنا سترفع راية تركيا الأردوغانية الجديدة.

الكاتب.. باحث في الدراسات الشرق الأوسطية

  • قراءة 337 مرات
الدخول للتعليق