العراق والاحتلال.. وخلاصات «تشيلكوت»

العراق والاحتلال.. وخلاصات «تشيلكوت»

 
بعد أكثر من ثلاث عشرة سنة من الحرب الاستعمارية على العراق سنة 2003، رفع رئيس هيئة التحقيق البريطانية السيد جون تشيلكوت تقريراً وافياً أحدث ضجة في الأوساط البريطانية والدولية.

ولقد انتهى التقرير الى خلاصات محددة منها:
أ ـ أن بريطانيا قد اختارت المشاركة في غزو العراق، برغم أن الرئيس العراقي صدام حسين لم يكن يملك أسلحة للدمار الشامل.
ب ـ أنه لم يكن يمثل أي تهديد وشيك، وأن بريطانيا تحركت قبل استنفاد كل الخيارات السلمية، وأن العمل العسكري لم يكن المبرر الأخير.
ج ـ أن الحكومة البريطانية اعتمدت في سياستها تجاه العراق على معلومات مغلوطة.
وينتهي التقرير الى القول «ان الحكومة البريطانية فشلت في تحقيق الاهداف التي وضعتها لنفسها في العراق، وقُتل في الصراع أكثر من مئتي بريطاني، ووصل عدد القتلى العراقيين بحلول تموز 2009 الى 150,000 عراقي، والى مليون نازح على الأقل». وبصرف النظر عن الصيغة المخففة التي تجاهلت إدانة صريحة لرئيس بريطانيا طوني بلير، والتي قدم بها التقرير، فإن المضمون كان كافياً لاستخلاص دروس كثيرة.
أول هذه الدروس أن الحكومات، خاصة الغربية منها، وتحديداً الحكومة البريطانية، لا تبني سياساتها على معلومات مغلوطة، لا بل ان السياسة بالأصل هي التي تحدد وتُملي التصرفات، بعدما تروج المعلومات الخاطئة بهدف التعمية والتضليل. وليست بعيدة من اليوم تلك الكذبة - الفضيحة التي أطلقها وزير الخارجية الاميركية كولن باول حول أسلحة الدمار الشامل في العراق، وحول صلته بتنظيم «القاعدة»، والتي سرعان ما تراجع عنها، بعد تدمير العراق، من دون أن يعتذر عن كذبه للشعب الاميركي قبل أن يعتذر للشعب العراقي. ولعل المقبل من الأيام سيكشف لنا أن سيناريو تدمير العراق قد تكرر في سوريا تحت ذرائع أخرى.
ثاني هذه الدروس، وللعبرة، وكما كان الشعب الفلسطيني على مدى مئة عام أو يزيد، يقدم التضحيات نيابة عن الأمة جمعاء، فقد هبَّ كثير من العراقيين بعد سقوط بغداد، وبعد اعلان جورج بوش نهاية العمليات العسكرية، واعلانه أن العراق بلد محتل، وامتشقوا أجسادهم، بعد حل جيشهم، وحرروا بلادهم، فإذا بكرامة المحتل الأميركي والبريطاني تمرَّغ في وحول العراق وصحاريه ومدنه وقراه، فينهك الاقتصاد الأميركي، وتسود المجتمع الاميركي أسئلة عن جدوى الحرب. فليس بسيطاً أن يتضمن برنامج الرئيس أوباما الانتخابي وعداً للأميركيين بالانسحاب من العراق، وأن ينفذ هذا الوعد وإن بطريق ملتوية.
وللتذكير، فبعد الاجتياح الاسرائيلي للبنان سنة 1982، وفي ظل الكم الاعلامي الهائل، الإسرائيلي والغربي الداعي لاستسلام المقاومتين الفلسطينية واللبنانية، رُوجت مقولة خاطئة مفادها أن الاحتلال قَدَر، وأن المقاومة مجازفة، وأن أرباح الخضوع للاحتلال هي أكثر بكثير من أرباح مقاومته، وكانت ثقافة اتفاقية 17 ايار المشؤومة بضاعة رائجة في سوق الاستهلاك السياسي الشعبي في لبنان، حتى اذا تقدم الجيش الإسرائيلي نحو بيروت، كانت أجساد المقاومين سداً منيعاً في مواجهتهم. ثالث هذه الدروس، وكما في حرب لبنان 1982، كانت الخطة تهدف إلى زرع بذور اليأس في الأمة، من خلال التعميم أن الاحتلال الاميركي قَدَر لا مفر منه، وأن حلَّ العرب لقضاياهم هو حل اميركي بالدرجة الاولى، يخلصهم من الارهاب، وينتشلهم من الفقر والعوز. فسادت عند البعض نظريات الإرتداد الى الذات القطرية والتخلي عن العروبة، ورُوجت مقولة أن بلدي أولاً هي المقولة الصحيحة والواقعية والنهائية، فجرى تعميم شعار «العراق اولاً» و «لبنان أولاً» و «الأردن أولاً»..
وقد ذهب الأمر بالبعض إلى وصف العروبيين الداعين إلى مقاومة المحتل بـ «الحالمين»، وبأصحاب «اللغة الخشبية»، فالتقوا مع المشروع الغربي الداعي الى ضرب فكرة العروبة، حتى اذا تنكب بعض الرواد من السياسيين والمفكرين والكتاب الى مواجهة هذا المشروع، وُصفوا بالارهابيين بالولادة أو بالثقافة. فأصبح الناشط السياسي معن بشور «إرهابياً عراقياً» يضعون اسمه على لوائح المطلوبين قبل أيام من حرب تموز، مثله مثل الصحافي عبد الباري عطوان، الفلسطيني المقيم في لندن، والناشط الحقوقي المغربي خالد السفيان، والنائب البريطاني جورج غالاواي.
إذا كان رئيس «حزب العمال» البريطاني جيريمي كوربين قد اعتذر باسم بعض المملكة المتحدة من شعب العراق، فإننا لا نطلب المثل من الذين وصفوا داعمي فكرة المقاومة العربية، في العراق وفلسطين ولبنان، بالإرهابيين، في حمأة الاحتلال، بل ندعوهم إلى صحوة ضمير، بعدما لمسوا باليد أن مشاريع الدول الكبرى تقوم على كذبة من هنا أو اختلاق من هناك، وأن مقاومة الشعوب ترتكز على حقائق الأمة وتطلعها نحو المستقبل.
  • قراءة 335 مرات
الدخول للتعليق