ما حكم تقليد رأي عالم إذا خالف الكتاب والسنة؟ / د. سامي الجنابي

ماحكم تقليد راي عالم اذا خالف الكتاب والسنة ؟

 

د. سامي الجنابي

 

الجواب : الاصل ان يتبع المسلم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم قال تعالى (اتبعوا ما انزل اليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه اولياء ) الاعراف : 3 وقال سبحانه (قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) ال عمران : 31فلايجوز اتباع احد من البشر ومزاحمة النبي صلى الله عليه وسلم ومنافسته على هذه المرتبة الخاصة . ولكن لان الناس لاقدرة لهم على تعلم الكتاب والسنة مباشرة فقد اذن الله تعالى في سؤال اهل العلم الموثوقين عن نصوص الكتاب والسنة واحكام الشريعة فقال سبحانه (فاسالوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون ) النحل : 34 فان ظهر ان قول العالم يخالف النص فلاناخذ بقوله ، فلسنا مامورين باتباعه مطلقا بل بقيد عدم مخالفته للنصوص ، وليعلم انه لايوجد في الائمة المتبوعين من يخالف الكتاب والسنة عمدا بل لهم اعذار في ترك بعض الادلة وقد استوفاها شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه الفذ (رفع الملام عن الائمة الاعلام ) .
والكلام عن تقليدهم او تقليد غيرهم يستوجب معرفة معنى التقليد في الاصطلاح فنقول :
التقليد : هو اتباع قول العالم من غير معرفة دليله . كأن يسال العامي عالما فيقول له : ماحكم كذا فيقول له العالم حكمه كذا وكذا، ولايبين له الدليل على ماقال . فيعمل العامي بما سمع منه.
والتقليد انواع :
1- تقليد واجب :
وهو تقليد العامي الذي لاعناية له بالفقه وادواته وحججه، يقلد من اشتهر بالعلم والفتيا في بلده .ويقال له عامي ولو كان يحمل الدكتوراه في الطب او الهندسة او السياسة او الادب، وحتى لو كان رئيسا لحركة سياسية ، او جماعة دينية ، او خطيبا، او واعظا، فهو جاهل مالم يجلس بين يدي العلماء ليتفقه في الدين ويجاز بالافتاء ، وقد يقال لفلان مفكر اسلامي، او محلل سياسي، وهو من العوام الذين يجب عليهم تقليد العلماء . فكما يقال لغيرالطبيب جاهل بالطب، فكذلك يقال لغير الفقيه جاهل بالفقه، وهو عذره في جواز التقليد، لانه لايمكن لجميع الخلق معرفة الفقه ودلائله . بحيث يتركون اعمالهم لهذا الشان، قال تعالى (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ) فلم يامر الجميع بالنفير لطلب العلم، لان ذلك يؤدي الى تعطيل مصالح الخلق .

2- تقليد سائغ : وهو تقليد من له اطلاع على الفقه ودراسة لمذهب من المذاهب المعتبرة . وله قدرة على فهم الادلة لكنه لم يستكمل ادوات الاجتهاد . وعليه ان يسال اذا قلد عالما ان يساله عن دليله حتى يقع الاتباع للدليل لا لقول العالم المجرد عن الدليل . وهنا يرتفع عن درجة (المقلد المحض)الى (المتبع ) للدليل .
3- تقليد محرم : وهوانواع :
ا- تقليد من تمكن من الات الاجتهاد وتبحر في علوم الشريعة .فلايحل له ان يقلد غيره الا على سبيل الندرة، كان لم يكن عنده الوقت الكافي لدراسة المسالة التي يقلد فيها .
ب-ومن التقليد المحرم ايضا : تقليد العامي للعالم المعروف بالشواذ من المسائل والمخالف للاجماع .لانه متبع لهواه قال تعالى (ولا تطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه )الكهف : 28. والنصوص في هذا المعنى كثيرة .
ج-ومن التقليد المحرم ايضا : التقليد المرافق للتعصب الشديد لامام من الائمة الاربعة او غير الاربعة وجعل مذهبه اصل الشرع بحيث اذا وجد نصا من الكتاب والسنة على خلاف مذهبه فانه يحاول تحريف النص اما بالتاويل او ادعاءالنسخ او غيرذلك من الاعذار . قال ابن القيم في بيان التقليد المحرم :
(اتخاذ أقوال رجل بعينه بمنزلة نصوص الشارع، لا يلتف إلى قول سواه، بل إلى نصوص الشارع، إلا إذا وافقت النصوص قوله، وهذا هو التقليد الذي أجمعت الأمة على أنه محرم في دين الله، ولم يظهر في الأمة إلا بعد انقراض القرون الفاضلة ). وهي القرون الثلاثة المذكورة في الحديث .
وقد ظهر التعصب فعلا في القرون المتاخرة ، قال الشاطبي : ( المقلدة لمذهب إمام يزعمون أن إمامهم هو الشريعة ، بحيث يأنفون أن تنسب إلى أحد من العلماء فضيلة دون إمامهم ، وحتى إذا جاءهم من بلغ درجة الاجتهاد وتكلم في المسائل ولم يرتبط إلى إمامهم رموه بالنكير ، وفوقوا إليه سهام النقد ، وعدوه من الخارجين عن الجادة ، والمفارقين للجماعة ، من غير استدلال منهم بدليل، بل بمجرد الاعتياد العامي) . الاعتصام ج2ص843
ومن ابرز حجج المقلدة حينما تواجههم بالدليل المخالف لمذهبه ان يقول لك : اانت اعلم ام فلان وفلان ؟؟
وهي حجة باطلة فقد ابى الله الكمال الا لكتابه قال المزني قرأت كتاب " الرسالة " - وهو من تأليف الإمام الشافعي - على الإمام الشافعي ثمانين مرة، فما من مرة إلا وكان يقف على خطأ ،فقال الشافعي:

"هيه !- أي حَسبُك وأكفف -" أبى الله تعالى أن يكون كتابٌ صحيحاً غير كتابه ".. ولانه لامعصوم من البشر احد الا الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولهذا برئت ذمم الائمة من تعصب اتباعهم لهم بالتشديد على اتباع الدليل اذا خالف اقوالهم فقد قال ابو حنيفة : اذا صح الحديث فهو مذهبي .
و قال الامام مالك : كل يؤخذ من قوله ويترك الا صاحب هذا القبر واشار الى النبي صلى الله عليه وسلم .
وقال الشافعي : اذا رايتم حديثا يخالف قولي فاضربوا بقولي عرض الحائط وخذوا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقال احمد : لاتقلدني ولاتقلد الثوري ولا ابن المبارك وخذ من حيث اخذوا .

وهنا لابد من تنبيهات :
تنبيه اول وهو: ان اقوال هؤلاء الائمة كانت توجيهات منهم لطلبة العلم عندهم ممن لهم عناية بالعلم وادواته وليست توجيهات للعوام الذين لايملكون ادوات المعرفة والعلم . فالعجب كل العجب اليوم :من العلماء المالكين للادوات يقلدون من سبقهم خوفا من الوقوع في الخطأ ، ومن الجهلة العوام الذين يجتهدون ويخوضون في كتاب الله وسنة رسوله، في فوضى عارمة لامثيل لها ،حتى انك لترى الشاب الحديث العهد بالكتب يقرا كراريس فيصبح من المجتهدين!! ويقول رايي كذا وكذا ويناطح اباحنيفة والشافعي ويقول هم رجال ونحن رجال !!! وهو لايستطيع اعراب جملة من كلام العرب فضلا عن اية من كتاب الله تعالى . ولله المستعان .

وتنبيه ثان : قد يكون الرجل واعظا او خطيبا مفوها او حاملا لشهادة الدكتوراه في التفسير او الحديث او اصول الدين ولا يكون مالكا لادوات الاجتهاد . لانه غير متخصص بالفقه واصوله وليست له ممارسة لهذا العلم الدقيق .وقد راينا وسمعنا بعض الدكاترة لايحسن رواية حديث ومعرفة سنده او متنه ولايحسن اعراب اية من القران الكريم . فهذا ليس ممن تؤخذ عنه الفتيا، بل عليه هو ان يقلد غيره .واقولها بصراحة: لافتنة اعظم من فتنة المنبر والوعظ!! وكم اضل هؤلاء الناس في فتاواهم ورواياتهم للاحاديث الموضوعة والقصص المكذوبة او تاويلاتهم لها بحسب مايخطر لهم . وقد راينا كثيرا من المؤذنين يصعد المنبر فيستفتيه الناس ظنا منهم انه عالم . فينبغي التفريق بين العالم العالم وبين الخطيب والواعظ الذي لم يتاهل .

ويتبين مما مضى : ان اي منتسب للعلم اذا قال قولا ظهرت مخالفته لنصوص الكتاب والسنة فانه يجب ترك قوله وعدم تقليده.

وتنبيه ثالث: لكن من له حق بيان مخالفته للكتاب والسنة ؟ لا ريب ان من له حق بيان ذلك هو العالم الذي يمتلك ادوات العلم ،سيما ان كان من المنتسبين للمذهب نفسه وليس ذلك لكل احد من الجهلة او العوام . فان كان القائل من المتوفين فقد تبين خطؤه للناس وان كان من الاحياء ورجع عن خطاه فهو المطلوب وان لم يرجع فهو متبع لهواه ونحيل امره الى الله. بعد بيان خطاه .

وتاسيسا على كلام من سبق من الائمة يقول ابن عبد البر: ( ليس أحد من خلق الله إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فما خالف الكتاب والسنة من آراء الأئمة فليس بمذهب لهم ولا يجوز الإفتاء به ولا تقليده) •• التمهيد ج01ص511 •
وقال القرافي ت 684 : "كل شيء أفتى فيه المجتهد فخرجت فتياه فيه على خلاف الإجماع أو القواعد أو النص أو القياس الجلي السالم عن المعارض الراجح لا يجوز لمقلده أن ينقله للناس ولا يفتي به في دين الله تعالى( الفروق : ج2ص901، الطبعة الأولى ) ). ونصوص العلماء في هذا المعنى كثيرة من سائر المذاهب واستقصاؤها لايتسع له هذا الموضع .
وقد يكون الرجل عالما في مذهبه وعارفا بمواضع الخطا في المذهب ولكنه يغلبه الهوى والحب لصاحب المذهب والتعصب له فيكتم العلم ويدافع بالباطل والعياذ بالله تعالى وهذا كثيييييير في الامة للاسف الشديد.
وقد قال ابن عبد البرفي هذا وامثاله من الجهلة المقلدين المتعصبين :
ياسائلي عن موضع التقليد خـذ عني الجواب بفهم لب حاضر
واصغ إلى قولي ودن بنصيحتي واحفظ علي بوادري ونوادري
لا فـرق بيـن مقلـد وبهيمـــــة تنقـــاد بين جنــادل ودعاثر
تبـاً لقـاضٍ أو لمفـتٍ لا يــــرى عللاً ومعنـى للمقـال السائـر
وعلى مامضى فينبغي لكل قادران يخرج من دائرة (التقليد المحض) الى (دائرة الاتباع) ويتحقق ذلك بسؤال المفتي بكل ادب عن الدليل ،وهي مرحلة بين (التقليد المحض) وبين (الاجتهاد ) وبينهما مراتب كثيرة وفوق كل ذي علم عليم ، ومن غير المعقول ان يكون الانسان قادرا على هضم مسائل الرياضيات والفيزياء والهندسة وغيرها من العلوم وعاجزا عن التفقه في الدين وهو ايسر من ذلك بكثير لمن هداه الله.

والكلام عن التقليد مبسوط في كتب كثيرة وقداختصرت الكلام عنه قدر الامكان والله المستعان .
د. سامي الجنابي
15.07.2016

  • قراءة 515 مرات

1 تعليق

  • تعليق علي الجنابي %PM, %15 %000 %2016 %23:%تموز تمت إضافة التعليق بواسطة علي الجنابي

    موضوع مهم جدا وفي الاخذ بههذه التوجيهات حل لكثير من المشاكل والخلافات الله يجزي شيخنا الدكتور سامي الجنابي خيرا

الدخول للتعليق