ماذا بعد إغلاق «الوفاق» وسحب الجنسية؟

تحت المجهر

ماذا بعد إغلاق «الوفاق» وسحب الجنسية؟

موفق الخطاب
صحيفة الوطن - العدد 3852


الغطرسة والتهور في عالم السياسة دائماً ما يأتي بنتائج عكسية والتعجل في الحكم على الأحداث دون الإلمام بحيثياتها والاطلاع على الأسباب والقرائن كذلك يكون له نتائجه السلبية. والأخطر من ذلك كله هو تعجل الدول بإصدار المواقف الرسمية التي يصعب عليها بعد ذلك الرجوع عنها لاعتبارات كثيرة خصوصاً عندما يتبين لاحقاً أن موقفها من القضية ذات الشأن لم يكن موفقاً وأن مستشاريها قد أخطأوا التقدير والتفسير.
لم تنشب الحروب والفتن الداخلية على مر التاريخ إلا بالمشورة الخاطئة ثم غياب العقل وفي حالة ضعف بشرية أدت بعدها إلى كوارث ثم ما يلبث المتصارعون أن يجدوا بالبحث عن مخرج وإعطاء التنازلات لإيقاف النزيف والدمار ويتوسلوا بالوسطاء بالجلوس مع العدو في طاولة مستديرة ثم يقبلون بالرجوع إلى المربع الأول بعد خسائر قد تصل إلى كسر العظم والتنازل عن الهيبة والكرامة.
هذا إذا كانت الدول والقوى المتصارعة أقطاباً ومحاور متكافئة، أما الدول الصغيرة فلا يمكنها بأي حال من الأحوال الدخول في حلبة الصراع، لذا فإنها ترسم سياستها متوافقة مع من تعتقده بأنه القطب الأقوى المؤثر في المنطقة، والطامة الكبرى ستحدث عندما يتبين لاحقاً أن ذلك المحور والقطب الذي تركن إليه قد مد في الخفاء الجسور ووطد علاقاته ووصل مرحلة من التفاهم مع العدو المشترك لتقاسم النفوذ. وكلامي واضح وربما الكثير قد وصلت لهم الفكرة.
بعد انتهاء الحرب الباردة ثم خروج الاتحاد السوفيتي منكسراً ثم تفككه استفردت الولايات المتحدة بمقدرات العالم، وذهب الجميع للاحتماء بها والتوافق مع سياساتها مرغمين لا مغرمين، ومن ضمنهم بطبيعة الحال أغلب دول الشرق الأوسط. فبدأت تفصل وتقسم العالم حسب مصالحها لا مصالح مؤيديها، بل حتى بعيداً عن شركائها الكبار، والكل يومئ برأسه مؤملاً نفسه أنها حليف قوي وصديق قديم حميم لايمكن أن يتخلى أو يغدر بها، فرهنوا سياساتهم بسياستها ومصيرهم بمصيرها، وهذا هو الانتحار السياسي بعينه، فانزلقت بسبب الانقياد الأعمى دول في أتون الحروب واخترقت وسقطت أنظمة عندما تخلت عنهم، وباعتهم بأبخس الأثمان والأمثلة شاخصة ولا داعي للاستشهاد بها فالمتابع يعرفها جيداً وأنظمة أخرى على شفا حفرة.
ولم يعد خافياً على أحد اليوم التوافق والتقارب والتعاون الإيراني الأمريكي في تسهيل إيران لمهمة أمريكا في المنطقة مقابل التوسع الإيراني والتغاضي عن كل إجرامها وتجاوزها والتي تجاوزت بإرهابها إرهاب وإجرام تنظيم الدولة «داعش» وسلفه تنظيم «القاعدة»، بمراحل. بل وصل الحد في التعاون المفضوح بأن تنبري أمريكا بالدفاع عن إيران وأذنابها وميليشياتها وزعمائها في المحافل الدولية وتبعث بالطائرات المخيرة والمسيرة لتحمي جنرالاتهم في العراق، كما هو حاصل مع قاسم سليماني حيث لا يتحرك إلا بحماية جوية أمريكية! وليت الأمر يقتصر على ذلك بل وصل الحال بأمريكا أن نصبت نفسها مدافعاً ومحامياً عن عملاء وأذناب إيران في المنطقة بالضبط مثل تبنيها للكيان الصهيوني في جميع المحافل الدولية، فما إن تعلن أي دولة عربية أو خليجية اكتشافها لخلية إرهابية تدار من النظام الإيراني أو يثبت بالدليل القاطع تخابر المعارضة معها أو تورط بعض رجال الدين الذين يدورون في فلكها، عندها تتقدم أمريكا الصفوف وبشكل هيستيري غريب وتبدي قلقها وانزعاجها لأن الدولة الفلانية حددت نشاط «معارض» أو جردت أحد مواطنيها من جنسيته لأنه يعبث بالأمن، أو أقامت الحد في إرهابي يدعو ليل نهار من منبره ومجلسه وصحيفته وفضائيته بقتل رجال الأمن وإهدار دمائهم!
ولا تمضي سوى سويعات على الحدث حتى يطل علينا الناطق باسم وزارة الخارجية الأمريكية مبدياً أسفه وانزعاجه وقلقه مرسلاً إشارات واضحة لتلك المجاميع الإرهابية أننا معكم فلا تقلقوا ولا تتراجعوا!
لذا بات واجباً على ولي الأمر شرعاً وقانوناً المحافظة على أمن البلاد والعباد من الفوضى والانزلاق في أتون الحرب الطائفية والتي هي من أخطر أنواع الحروب والتي إن اندلعت أتت على الأخضر واليابس، وكذلك بات شرعاً على الشعب مؤازرته ومناصرته. فبعد أن كشف الأمريكي عن وجهه القبيح كان لابد من التفكير جدياً بالابتعاد عنه وبناء تحالفات وسياسات جديدة أعمق وعياً ونضجاً.
لقد أثبتت الوقائع والتجارب أن قوة الأنظمة والحكومات وحمايتها من الأعداء والمتربصين بها تتأتى من العلاقة الرصينة مع الشعوب أولاً، فهي العلاقة التي لا يمكن خرقها أو تضليلها والأمثلة أكبر من أن نسطرها، فغاندي الهند لما ركن لشعبه وسانده شعبه سطر أروع الملاحم وعجزت القوى الكبرى فصله عن شعبه، وأرغم الدول الكبرى باحترامه واحترام سياسته، ومانديلا أفريقيا كذلك تجربة رائعة نقلت جنوب أفريقيا من مستعمرة متخلفة إلى دولة متطورة ذات سيادة ومقام.
ولا يلتصق الشعب بقيادته وحكامه بالتزويق الإعلامي الزائف وكثرة المطبلين، بل يحتاج إلى تغيير كامل في السياسة بدءاً بإقامة وترسيخ دعائم العدل ومقارعة الفساد ودعم استقلالية القضاء وعدم التهاون أبداً فيما يتعلق بأمن الدولة وعدم الالتفات للهيئات والمنظمات التي ثبت دجل بعضها وعدم حياديتها، ولن يستطيع أن يحقق ذلك ملك عادل، أو رئيس، أو أمير، بمفرده، بل هو عمل جماعي يبدأ من الحارس وصولاً إلى ولي الأمر، فنحن اليوم أمام هجمة خطيرة وشرسة لا تنفع معها أبداً إيقاف الجمعية الفلانية وحلها وسحب الجنسية ومنع فلان من الخطابة مع أهمية تلك الخطوات في تجفيف منابع الفتنة والإرهاب، لكن الفتنة تطل برأسها، وهي أكبر من ذلك، وتحتاج إلى التفاف الشعب حول قيادته ولا يتحقق ذلك إلا ببث الوعي وإعادة بناء وإصلاح النسيج الاجتماعي الذي مازال متماسكاً، لكن ربما تخرمت أطرافه بفعل المسيئين، مع إعادة النظر في السياسات الداخلية والخارجية ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وإعادة رسم العلاقات الخارجية، ورسم خارطة طريق سياسية مرادفة ومترجمة لميثاق الإصلاح وموازية لمفاهيم ومقررات الدستور والديمقراطية، خطة خمسية اوعشرية وربما هي اهم كثيرا من الخطط المتعلقة بالاستثمار والإعمار.
فليس ضعفاً أوعيباً أن نفتش عن أماكن الضعف فينا ونتصارح ونتشاور ونسعى جاهدين مخلصين بإصلاح المركب فالبحر هائج متلاطم والساحل بعيد وليس بمقدور القبطان وحده إنقاذ المركب والوصول بها إلى بر الأمان وحال الركاب أما هم لاهون أو يغطون في نوم عميق أو ينحر بعضهم بعضاً. فنحن أمام رحلة ومرحلة خطيرة وحرجة نكون أو لا نكون فتبصروا وتفكروا يا أولي الألباب.

  • قراءة 342 مرات
الدخول للتعليق