تكوين إيران العرقي

تكوين إيران العرقي
 
( هذا فصل من دراسة بعنوان " نقاط الضعف المكشوفة في إيران من النواحي السياسية والديموغرافية والاقتصادية " ترجمة د. فوزي درويش نشرتها مجلة مختارات إيرانية عدد 99 أكتوبر 2008 ) الراصد
التحديات العرقية وسياسات الهوية
التاريخ السياسي الحديث لإيران مفعم بمحاولات لتقوية هوية إيرانية واحدة تطغى على النواحي الإثنية والولاءات القبلية. وفي عهد "بهلوي"، فإن ذلك حدث تحت برنامج الشاه للتحديث وامتدت في ظله سيطرة الحكومة المركزية على المناطق الهامشية وشجعت اللغة الفارسية والثقافة الفارسية متناسية الجماعات العرقية والأقليات في إيران. لكن الثورة الإصلاحية سلكت مسلكاً مختلفاً وإن كانت بطبيعتها تتجاوز القوميات والنواحي العرقية، ولكنها ـ مثل حملة الفارسية persianization في عهد بهلوي ـ رفضت الاعتراف بانعدام التجانس العرقي داخل إيران. وفي نفس الوقت، وخاصة أثناء الحرب الإيرانية ـ العراقية والنزاعات الأخيرة مع المجتمع الدولي حول برنامج إيران النووي حاولت الحكومة صياغة هوية إيرانية مشتركة مبنية على القومية. لكن المدى الذي نجحت فيه هذه الإيديولوجيات في دعم هوية إيرانية تعلو على الولاءات العرقية تظل محلاً لسؤال ينتظر الإجابة. سؤال حكم لكي يتسنى فهم احتمالية أن يقوم التغيير السياسي أو التدخل الخارجي بأخذ عنان هذه الحالة من الصراعات النائمة.
وعلى غير ما هو قائم في كثير من جيرانها نجد أن إيران كان لها تاريخ طويل كدولة للفرس أي تلك التي كانت لها إمبراطورية، أو دولة لسنوات طويلة ورغم هذا التاريخ الطويل، فإن إيران كانت دولة بأكثر مما كانت كأمة. وهذا الميراث قد أجبر أنظمة متتالية لكي تتفاضل ضد هويات متنافسة لا تقابل بالضرورة الحدود الجغرافية لإيران، والوضع المتكامل تكاملاً قوياً بالنسبة للجماعة الأكبر حجماً في البلاد والأكثر أهمية ـ وليست فارسية من الناحية العرقية، والتي تضم 20 مليون آذري من الأقوياء ـ وكذلك التضامن من جانب كافة القطاعات في المجتمع في الدفاع عن سلامة الأراضي الإيرانية أثناء الحرب الإيرانية ـ العراقية ( 1980 ـ 1990) يفترض معه أن إيران قد نجحت بشكل كبير في صهر هوية تتجاوز الانشقاقات القبلية والعرقية. وعلى أية حال، فإن تاريخ إيران الحديث يفترض أن بعضاً من التدخل الخارجي قد زاد من الشقاق العرقي داخل إيران. وتبعاً لذلك، فإن صعوبة التحكم في سياسة الهوية في إيران يستحق الإلتفات إليه سواء باعتباره متحكماً في التحرر السياسي، أو كذلك باعتباره تهديداً للاستقرار في حالة وجود فراغ في القوة.
التكوين العرقي والعقائدي لإيران
تعتبر الجمهورية الإسلامية الإيرانية مختلفة عرقياً. فالفرس لا يشكلون سوى ما يزيد قليلاً عن نصف السكان، ويشكل عنصر "الآذري" ربع السكان أما الجيلاك Gilaki، والمازاندراني Mazandarani، والأكراد، والعرب، والبلوش والتركمان فإنهم يشكلون أقليات لها وزنها. ولذلك فإن الاختلاف العرقي واللغوي في إيران أكثر نطاقاً عنها في جيران إيران من ناحية الغرب. وعلى سبيل المثال، نجد أن نحو 60 بالمائة في العراق من العرب الشيعة (هذه النسبة غير صحيحة وهي من مبالغات الشيعة التي يرددها الإعلام ونسبة شيعة العراق لا تتجاوز 45 % فقط . الراصد )، ونحو 20 بالمائة من العرب السنة وأقل من 20 بالمائة من الأكراد مع أعداد ضئيلة من التركمان والأزور ِAssyrians. وأما تركيا فيسكنها 80 بالمائة من الأتراك. ولربما كان أقرب الشيعة لإيران بالنسبة للاختلاف العرقي هو في باكستان إذ أن نصيب أكبر الجماعات وهم البنجاب يشبهون الفرس في نسبتهم العددية في إيران. والباقي "يتكون" من عدد من الأقليات العرقية، وعلى النقيض من الاختلاف العرقي فيها نجد أن إيران متجانسة نسبياً في المجال العقائدي: فهناك 89 بالمائة من السكان من الشيعة. وأكبر كتلة سكانية غير الشيعية ـ المسلمين السنة ـ كانت جذورها بدرجة كبيرة آتية من الأكراد، والبلوش، والتركمان. ( نسبة السنة في إيران لا تقل عن 25 % . الراصد )
وفي الماضي، فإن تداخل الهويات قد شكلت تحديات سياسية للأنظمة الحاكمة، في إيران، فعناصر الآذريين، والأكراد من السكان كثيراً ما تحركت مطالبة بحريتها الثقافية، وبدرجة من الاستقلال الداخلي تجاه طهران. وهاتان الجماعتان قد شكلتا كتلة جغرافية متماسكة. وفضلاً عن ذلك فإن مجتمعات كبرى من المشتركين إثنياً يعيشون في مجاورة. ولقد استطاع الشاه الأخير محمد رضا بهلوي، وأبوه رضا بهلوي أو الحكام الحاليون لإيران تحاشي أو التخفيف من الاتجاهات الانفصالية لهاتين الجماعتين العرقيتين. وفي الآونة الراهنة، هناك أعداد ضئيلة جداً من هاتين الجماعتين لا يزالون يدعون إلى الانفصال عن إيران.
جدول يوضح إنتمائية المجموعات العرقية الكبرى والمجموعات القبلية في إيران
المجموعة العرقية والمحافطات التي تغلب فيها
الانتماء العقائدي
اللغة
الدولة المجاورة المشتركة عرقياً
فرس :
همدان، طهران، ماركازى، قم، سيمان، أصفهان، فارس، بوشهر، يازد، كرمان، خورسان، شهر ماهال، بختيارى.
شيعة
هندو أوروبي
أفغانستان، طاجيكستان  وزبكستان
آذري :
غرب أذربيجان، شرق أذربيجان، زانجان، كازفين
شيعة
تركي
جمهورية أذربيجان، تركيا، جمهورية جورجيا
جيلاكى ومازاندراني مازاندران، جيلان
شيعة
هندو أوروبي
أكراد:
غرب أذربيجان، كردستان، إيلام، كرمانشاه
سني 75%
هندو أوروبي
تركيا، العراق، سوريا
عرب:
خوزستان، هورموزجان
أغلبية شيعية
سيميتيك
خلال الشرق الشرق الأدنى وشمال أفريقيا
بلوخ:
سيستان عبر بلوخستان، كرمان
سني
هندو أوروبي
تركمانستان وأفغانستان
تركمان:
خوراسان، مازاندران، جوليستان
سني
تركي
تركيا وأفغانستان والعراق
اللور:
بورستان، إيلام، بوير، أحمد عبر كوجيلييوه
شيعة
هدو أوروبي
السياسات العرقية الإيرانية في الماضي
يُعتبر الإسلام على المذهب الشيعي بمثابة الغراء الذي يقوم بتجميع صف الوحدة القومية الإيرانية. ولقد عملت الجمهورية الإسلامي على إرساء شرعيتها على شكل من أشكال القيادة الثقافية من ناحية وعلى القومية الإيرانية من ناحية أخرى مستخدمة في ذلك التجانس الذي يعززه النفوذ العقائدي لتجاوز الولاءات العرقية والقبلية. ومنذ قدوم الثورة الإسلامية، فإن التعريف بالهوية الإيرانية ارتكز في الأساس على عقيدة مشتركة هي الشيعية بالإضافة إلى ثقافة مشتركة وتاريخ مشترك. وهذه التركيبة المنصبة على العقيدة للشخصية الإيرانية كانت لها أكبر الفائدة بالنسبة لنظام الحكم الإيراني حينما كانت الولاءات الفرعية تتجه نحو تحدي سلطتها. وفي مثل هذه الأحوال، فإن عالمية الإسلام يمكن من ثم استخدامها لدحض شرعية المطالب الناشئة من المخاوف الداخلية، كما حدث حينما حدث رد الفعل بالنسبة للاضطرابات التي أثارها الأكراد في أوائل الثمانينيات. فقد كان رد فعل آية الله روح الله الخميني عنيفاً تجاه تلك الاضطرابات حين قال بعالمية الإسلام بما يتجاوز من ثم حقوق الأقليات العرقية. فقد قال حينذاك بأنه "فيما يتعلق بالإسلام، فلا مجال للقول بحقوق للأكراد، أو "البلوش" أو العرب، أو "اللور" أو التركمان... فلكل امرئ الحق في التمتع بحماية الإسلام" حتى أن النظام نشر قوات الحرس الثوري لإيران لإخماد هذه الاضطرابات.
غير أن التأكيد على الشيعية يساعد في الوقت ذاته على التفرقة، فالبهائيون في إيران، والمسلمون من أهل السنة قد واجهوا درجات متفاوتة من القمع في بدايات الثورة الإسلامية. فالثورة الإسلامية تعتبر البهائيين كفرع إصلاحي من الشيعة ويعتبرونهم نوعاً من المنشقين واختصتهم بقدر من المعاملة القاسية. ورغم أن جماعة البهائيين في إيران ليست كبيرة العدد ولا تشكل تهديداً بالنسبة للنظام، فإن الحكومة حاكمت نحو 200 من البهائيين، وسجنت نحو 600 آخرين منهم في الثمانينيات لمجرد انتمائهم وتمسكهم بمعتقداتهم.
أما أهل السنة فلم يخضعوا لنفس الدرجة من الاضطهاد كما حدث بالنسبة للبهائيين. وعلى أية حال، فإن أهل السنة عادة ما كانوا يعانون من التمييز باعتبار أن كلا منهم يمثلون أقلية عرقية وعقائدية. وكثير من أهل السنة في إيران هم من الأكراد، والبلوش، أو التركمان.
على أن حركة التصحيح التي قام بها الرئيس السابق محمد خاتمي خففت من استخدام الدولة للإسلام كأداة للضغط على حقوق الأقليات. وقام خاتمي بجهد منظم للتغاضي عن "غير الفارسيين"، وغير الشيعة. وفي انتخابات 1997 وزع أنصار خاتمي مواد انتخابية باللغات الكردية، والآزري، وبنى خاتمي حملته الانتخابية على وعد بتوسيع نطاق اللغة بالنسبة للأقليات من غير الفرس.
غير أن الشقاق في سياسة الهوية في إيران له تاريخ عميق في إيران، ومن المحتمل أن تبقى من التحديات بالنسبة للجمهورية الإسلامية. فحينما وصل رضا خان إلى السلطة في عام 1925 كان هناك جانب كبير من إيران خارج سيطرة الحكومة المركزية. ولذلك فإن الثورة الدستورية ( 1905 ـ 1909) نادت بتوزيع أكبر من السلطة للمحليات وواجهت محاولات الشاه لدعم الدولة الإيرانية مجموعة من المصاعب، بما في ذلك الاختلافات اللغوية، وإنخفاض مستويات القراءة والكتابة، وضعف السيطرة الإدارية، ومجتمع ريفي غير مستقر. وباستخدامه قدراً من الضغط الشديد نجح رضا خان مؤقتاً في نزع السلطة من مراكز القوة المتنافسة وكان من بينهم رجال الدين زعماء القبائل. وكانت سياسة الشاه شديدة التسلط، وغالبا ما كانت شديدة القسوة، بما في ذلك تحديد أماكن قرية للرجل، وإجبار النساء على خلع الحجاب، ,إهمال أو قهر الأقليات وتركيز السلطة في طهران.
وفضلاً عن ذلك، كان إقامة نظام للتعليم الشامل يحل محل ما كان يعرف "بالمكتبخانة" وهي مدارس دينية تابعة للحكومة. وهذه المؤسسات أصبحت أداة في يد الشاه لدعم الفارسية باعتبارها اللغة القومية، ومن ثم غرس هوية قومية موحدة. وكان المغزى في هذه الحركة يتلخص في الآتي: "إن تحقيق وحدة قومية يعني أن اللغة الفارسية ينبغي دعمها خلال البلاد بكاملها، وأن الاختلافات في الملبس، والعادات وغير ذلك ينبغي أن تختفي، وألا يختلف الأكراد، واللور، والكاشكا، والعرب، والترك، والتركمان الواحد منهم عن الآخر بارتداء ملابس مختلفة، أو التحدث بلغة مختلفة، وإن هذا العمل لا يتسنى إنجازه إلا إذا تم إنشاء المدارس الابتدائية في كل مكان. وإلا إذا صدرت القوانين بجعل التعليم الابتدائي إلزاميا.
وأثناء حكم رضا خان تضاعف القيد في المدارس الابتدائية بأكثر من خمسة مرات من 43.025 طالب إلى 244.315 طالباً، وكانت كافة الكتب المدرسية يتم طبعها باللغة الفارسية من قبل السلطات في طهران. ومن ثم أصبح التعليم الأداة الهامة في جهود الشاه نحو مزج الهوية القومية الإيرانية مع أكبر المجموعات العرقية فيها، وهي الفارسية.
وهناك جانب آخر من سعي رضا خان لتأكيد سيطرته، وهو تركيز الاستثمار والتنمية الاقتصادية في المنطقة المركزية من إيران، أما المناطق الهامشية حيث يوجد موطن الآزري، والأكراد، والعرب، والبلوش، والتركمان فقد تم إهمالها نسبياً. وبعض هذه المناطق ـ مثل بلوشستان، والمناطق الأخرى، بما في ذلك مقاطعات الآزرى في شرق وغرب أذربيجان فقد عانت من تركيز الشاه على الصناعة في طهران، وأصفهان، والمازاندران على حساب المناطق غير الفارسية مثل تبريز.
وهذا التهميش للمناطق الواقعة على الأطراف استمر طيلة حكم محمد رضا خان ( 1941 ـ 1979). وعشية الثورة الإسلامية فإن المقاطعات التي بها الغالبية الآزريين، والأكراد، والبوش عانت من ضعف العناية في أمور الصحة والتعليم ومستوى الدخل. ففي المقاطعات الفارسية المركزية 20 بالمائة كانوا يعانون من الفقر، ولكن أكثر من 30 بالمائة في مناطق الأكراد والآزريين كانوا يعيشون تحت خط الفقر، كما أن نسبة 70 بالمائة أو أكثر من بلوخستان كانوا أيضاً تحت خط الفقر.
ولقد ظل هذا الميراث الثقيل قائماً حتى اليوم. فالأمم المتحدة، على سبيل المثال تقول في تقاريرها. أن أعلى معدل وفيات الأطفال، وأدنى نسب تعلم القراءة والكتابة في إيران لا تزال توجد في كردستان وبلوشتان كما تقول نفس التقارير أن هناك تفاوت واسع في التنمية داخل إيران بم يفترض معه وجود الحاجة إلى "مزيد من التوزيع العادل للمصادر الاقتصادية". وعلى السطح كان تركيز السلطة في أيدي الشاه ربما أظهر ذلك أنه قد تم إحراز قدر من النجاح. وعلى أية حال، فإن القوميات المتنافسة في إيران كانت في حالة ثبات، لكنها لم تؤكد ذاتها إلا حينما اشتد ضعف النظم البهلوي. وأكثر الأمثلة دلالة على الاضطرابات حدثت في نهاية الحرب العالمية الثانية حينما ظلت مناطق شمال إيران تحت الاحتلال السوفيتي، مما عزل هذا الجزء من البلاد عن سيطرة النظام. وفي ذلك الوقت، ظهرت حركات تدعو إلى الاستقلال سواء بين الآزريين وبين السكان الأكراد مما أسفر عن إيجاد "الحكومة الوطنية لأذربيجان" في 12 ديسمبر 1945، وجمهورية كردستان في 22 يناير 1946.
وغير أن حكومة أذربيجان لم تتمكن فعلياً من الانفصال عن إيران، منادية بأن تكون نوعاً من الفيدرالية معها. وفي حين أكدت أن الشعب الأذربيجاني يشكل أمة مختلفة، فإن الحركة تعهدت أنها سوف لا تتحدى السلامة الإقليمية للأراضي الإيرانية. ولقاء ذلك، فإن مؤسسي هذه الدولة داخل الدولة طالبوا باستخدام اللغتين الأذربيجانية والتركية في مدارسهم المحلية وفي الإدارات الحكومية. كذلك عبروا عن رغبتهم في مزيد من السيطرة على تخصيص الضرائب المحلية وإقامة مجالس محلية تمثل الأذربيجانيين في تعاملهم مع طهران، وهو حق نص عليه الدستور الإيراني لكنه لم يتم الاعتراف به في ظل حكم الشاه.
وهذه الحركات الداعية للاستقلال ظلت نائمة إلى أن عاد ظهورها في الاتجاه نحو إلغاء الملكية الأمر الذي عجل بثورة 1979. وبرهن عنصر الآزريين على وجه الخصوص عن وجوده في تحدي مشروعية حكم الشاه مما عجل بتنازله عن العرض. وحسبما تم في نشاط الآزريين في ظل حكومة محمد مصدق عام 1953 كانت أهداف الجماعة بالدرجة الأولى شعار "الكل إيراني" متحداً بدرجة ما مع المطالب العرقية. ومنذ 1977 فصاعداً فإن جامعة تبريز ـ وبدرجة أقل "جامعة أورميا" ـ أصبحتا بؤرة الاحتجاجات للطلبة الإيرانيين، والنشاط المضاد لنظام الحكم. وفي 12 ديسمبر 1977 ـ وهو تاريخ ذكرى إقامة وسقوط الحكومة الوطنية لأذربيجان ـ قام المتظاهرون في جامعة تبريز بالتجمهر للهتاف ضد نظام الحكم، ولقد أدت هذه المظاهرات إلى الصدام مع وحدات الجيش، الأمر الذي أسفر عن تدمير بعض الممتلكات. واستمر هذا الضغط بعد ذلك مع قيام السكان من الآزريين بلعب دور هام في الاضطرابات التي أجبرت الشاه على التنازل عن العرش.
ورغم الدعم القوي والمشاركة من جانب الأقليات العرقية أثناء الثورة الإسلامية، حينما دعم آية الله خوميني مركزه عقب الثورة الإسلامية، صار من الواضح أنه لا الديموقراطية، ولا حقوق الأقليات صارت ملامح بارزة للجمهورية الإسلامية في إيران. وبعد استقرار النظام الثوري في السلطة، فإن الجماعات العرقية حاولت مرة أخرى أن تحقق لنفسها قدراً من الاستقلال لذلك قام التركمان، والبلوش، والعرب، والأكراد في إيران بالثورة. وفيما عدا التحدي الكردي، فإن النظام قمع كلا منها بسرعة (1979 ـ 1980).
لكن المعارضة من جانب عناصر الآزريين كانت أكثر حنكة باستخدام مقاطعة التصويت ـ بما في ذلك الاستفتاء حول إقامة الجمهورية الإسلامية في إيران (أبريل 1979) ـ وحول إقامة "ولاية الفقيه (ديسمبر 1979)، وكذلك بالنسبة لأول انتخابات "للمجلس الرئاسي" ـ وذلك لتحدي مشروعية القيادة الجديدة، والاعتراض على عدم رغبة الجمهورية الإسلامية للتوافق مع مطالب الأقليات غير الفارسية. وقام أصحاب الرأي المتشددين داخل المجتمع الآزري بالنشر بالآزربيجانية التركية ـ وهي حرية كانت غير مصرح بها في ظل حكم بهلوي ـ في محاولة منهم لإجبار القيادة الجديدة للسماح بحقوق لغوية أكثر اتساعاً. غير أن رد فعل الحكومة لهذه المقاومة لم يكن عنيفاً لكنه كان ولا يزال قمعياً بعض الشيء.
ولقد تجسدت فكرة مزج السلطة الدينية مع السلطة السياسية في مبدأ "ولاية الفقيه"، ومن ثم رفض دعاتها أغلب المطالب الآزرية المرتكزة على الناحية العرقية وقاموا بحملة مضادة استهدفت آية الله كاظم شريعتمداري، وهو أحد رجال الدين صاحب النفوذ في أوساط الآزريين، والذي كان يعارض الحكم الديني الصبغة، والذي كان يسعى إلى وجود حريات ثقافية أكثر اتساعاً. وكان آية الله كاظم شريعتمداري يتمتع بشعبية كبيرة جداً في المقاطعات الأزربيجانية. وكانت مجابهته مع الخميني يجري تفسيرها على أنها بمثابة نموذج مصغر للنضال واسع النطاق بين الأقليات العرقية الذين يرومون قدراً من الاستقلال في إيران الجديدة، وبين أولئك الذين ينادون بتوفير القوة للمركز واستمرار الهيمنة الفارسية.
وفي النهاية، فإن قيام "شريعتمداري" بدعم النشطاء المحليين، ومعارضة "ولاية الفقية" وانتقاده لمواصلة الخميني للحرب مع العراق بعد أن استمرت الجمهورية الإسلامية في الهجوم على الأراضي العراقية، كل هذا أدى إلى تجريد "شريعة مداري" من رتبته الدينية. وبعد ذلك قامت الحكومة رويداً رويداً ببسط سيطرتها على المقاطعات الأذربيجانية، مستخدمة الحرب مع العراق كمبرر، داعية الآزريين إلى أن يستشعروا وطنيتهم والدور الذي كانت تلعبه مقاطعاتهم كمصد ضد التوسع العربي.
التحديات في الوقت الحاضر
رغم أن سكان إيران من الأكراد لا يمثلون سوى ثلث حجم مجموعات السكان الآزريين، فإن الأكراد يمثلون المشكلة الأكثر صعوبة بالنسبة للحكومة الإيرانية.
وفي حين يستمر الآزريين في الشكوى من التمييز الذي تمارسه الدولة ضد غير الإيرانيين، إلا أنهم برهنوا على أنهم أكثر طوعاً للتقارب عن الأكراد الإيران. فالآزريون باعتبارهم من الشيعة أكثر تكاملاً مع النسيج العقائدي الذي عرفت به الجمهورية الإسلامية. وفضلا عن ذلك، فإن مجرد كبر حجم المجتمع الآزري قد أجبر الحكومة الوطنية لتكون أكثر ترحيباً بهم. كذلك فإن الآزريين ممثلون تمثيلاً أفضل في الطبقة التجارية مما زود مجتمعهم بقدرة اجتماعية واقتصادية وعلاقات أكثر توثقا بمنطقة المركز الفارسي. كذلك كان الولاء من جانب الآزريين في أوقات الشدائد قد جعلهم أقل تعرضاً للاتهام بالعمل بمثابة "طابور خامس" وهي تهمة لحقت بأكراد إيران عندما ألقى "الحزب الديموقراطي الكردي" بثقله مع صدام حسين أثناء الحرب الإيرانية ـ العراقية والعلاقة بين المجتمع الكردي الإيراني والدولة الإيرانية أكثر سوءاً... وعلى خلاف الآزري، فإن الأماني الكردية لدرجة أكبر من الاستقلال أدى بهم إلى دعم العراق خلال الحرب الإيرانية ـ العراقية. وفي البداية، فإن الغزو العراقي جعل المعارضة الكردية تعبر عن عزمها على التوافق مع النظام الإيراني بتقديم خدمات البشمرجة (المقاتلين) في مقابل الحصول على امتيازات من الحكومة، ومن بين تلك المزايا الحكم الذاتي للأكراد. غير أن طهران رفضت هذا العرض. وبعد ذلك بدأت أقوى الفصائل في المقاومة الكردية الإيرانية في التنسيق مع نظام الحكم البعثي في العراق وباقي الجماعات المدعومة من جانب العراق، لقاء مساعدة عسكرية من بغداد. والمهم أن هذا الميراث لهذا الاختيار من جانب الأكراد لا يزال يلح ويغذي الشكوك حول مدى ولائية الأكراد الإيرانية.
وبعد أن تمكنت الحكومة الإيرانية من إخضاع الأكراد عقب انتهاء الحرب، ظلت بعض الانتفاضات قائمة خلال فترة الثمانينيات وبداية التسعينيات. على أن نطاق القسوة التي ردت بها السلطات الإيرانية على هذه الانتفاضات زادت من إغضاب السكان الأكراد من الحكومة الإيرانية. وحتى بعد أن انتهى الصراع مع العراق استمر "الحزب الديمقوقراطي الكردي" في إيران يتلقى أخبار اغتيال أبرز كوادره في أوروبا. وبعد أول حروب الخليج كانت إيران تقوم بقصف معسكرات الحزب الديموقراطي الكردي والقرى المتعاطفة معه في المنطقة التي عرفت بالمنطقة المحرم فيها الطيران في العراق Iraqi No Fly Zone. وكان الأكراد في الأراضي الإيرانية يتم وضعهم في حقيقة الأمر تحت الحكم العسكري، وقامت الحكومة الإيرانية بتخصيص 200.000 جندي لضمان الأمن في المقاطعات الكردية.
ويلاحظ أن مخاوف إيران من النزعات الانفصالية قد زادت حدتها بقيام الولايات المتحدة بإزالة حكم صدام حسين وزيادة حجم الحكم الذاتي في المناطق الكردية في العراق. إذا نحن رجعنا إلى المنافسة التي كانت قائمة بين العثمانيين والصفويين في القرنين السادس عشر والسابع عشر لوجدنا أن القوى الأجنبية كانت تستعين بالأكراد ليكونوا بمثابة الوتد الفاصل في المنطقة. وأثناء الحرب الباردة، كانت القوى العظمى تستخدم نفس الأسلوب. وأخيراً جداً فإن كلا من إيران والعراق، وتركيا، وسوريا كلهم لعبوا بهذا "الكارت الكردي" كوسيلة من وسائل السياسة الخارجية. وفي ضوء هذا السجل التاريخي، نجد النظام الإيراني سوف يظل يعتبر السكان الأكراد كخطر يهدد الأمن الداخلي، وأداة للنفوذ الأجنبي.
ومن المحتمل أن تبقى إيران تواجدها الأمني المكثف في المقاطعات الكردية، مع سيطرة قوية على السكان المحليين. غير أن مخاوف الحكومة من الميول الانفصالية الكردية سوف يستمر في توجيه سياستها في هذا الخصوص.
على أية حال، فإن المجتمع الكردي الإيراني ليس بإمكانه النضال نحو الاستقلال. فهو يفتقر إلى الكتلة الجماهيرية، ويظل منقسما على نفسه في جماعات منفصلة داخل إيران، لا ترتبط بالمجموعات الكردية في الدول المجاورة. ورغم أن الوطنيين الأكراد غالباً ما يتحدثون عن شعب الكردي واحد، فإن هناك فروقاً لغوية وثقافية بين الأكراد بعضهم البعض، فضلاً عن صراعات استراتيجية حول الكيفية الأفضل لضمان حقوق الجماعات المختلفة منهم، مما حال دون ظهور حركة قومية تتجاوز الحدود وتعمل على توحيد كافة الأكراد. ولربما يظل الأكراد الإيرانيون مبعثا للمعارضة للنظام الإيراني، لكنهم لن يكونوا تحدياً ماثلاُ أمام الدولة.
الأقليات الإيرانية والإصلاح السياسي
يعتبر المجتمع الإيراني الآزري أكثر تهيئة لأداء دور في تحديد توجهات التحول السياسي في إيران، عنه في إشعال نار الانفصال العرقي. ولقد أثبت هذا المجتمع ولاءه للدولة الإيرانية ولسلامة أراضيها، وذلك بمقاومته لإغراءات جمهورية أذربيجان، من المحتمل أن يعمل الآزريين من خلال النظام الحالي للتعبير عن شكواهم. ورغم ظهور جمهورية آذربيجان المستقلة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وكونه مصدراً للزهو العرقي للآزريين، فإن ذلك لم ينشأ عنه دعم شعبي من المجتمع الآزري الإيراني للسعي للانضمام إلى أذربيجان.
وتظل مطالب المجتمع الآزري في إيران متواضعة نسبياً. تتركز فقط على توسعة الحريات الثقافية، مثل التحكم المحلي في الإذاعة باللغة الآزرية، وقدراً أكبر من السلطة في الحكومة المحلية، وتعزيز اللغة الآزرية على كافة الأصعدة من التعليم، بما ذلك الجامعي. وفي ضوء احتياجات النظام لتفادي ثنائية الولاءات داخل الحدود والدور الكبير الذي يطمح الآزريون فيه في صفوف الحكومة ومجتمع رجال الأعمال، فإن الحكومة الإيرانية يحتمل أن تقدم "الجزرة" وليس بالأحرى أن تمسك بالعصا في مواجهة أكبر الأقليات غير الفارسية.
ورغم أن بعض المراقبين يرون أن القومية الآزرية يمكن استغلالها كأداة للتأثير على الحكومة الوطنية، إلا أنه يبدو أن هناك دعماً شعبياً ضعيفاً داخل المجتمع الآزري لتوكيد الهوية القومية بما يخالف القومية الإيرانية. والمنظمات القليلة ذات الهدف المماثل والموجودة حاليا، تنادي بحلول تتراوح ما بين إيجاد إيران الفيدرالية، إلى انفصال "جنوب آذربيجان" والاتحاد مع جارتها الشمالية. هذه الجماعات يجري النظر إليها بوجه عام على أنها أعضاء في "باكو" وليس بالأحرى أنها نتيجة الأنشطة المحلية.
وأشهر هذه المنظمات هي "حركة الصحوة الوطنية في آذربيجان الجنوبية" Southern Azerbaijan National Awoking Movement وهي منظمة تقلد رئاستها المرشح السابق للمجلس Majlis "شهريجاني" ـ وهو حالياً منشق يقيم في مدينة واشنطن. هذه الجماعات تفتقر إلى الدعم المحلي لكي تشكل تحدياً فعالاً للحكومة الإيرانية. وإلى الحد الذي يجري النظر إليها على اعتبار أنها متصلة بفاعلين من الخارج، فإن هذه الجماعات يمكن أن تضر بمصداقية النشطاء في الداخل.
ولقد نادى "الآزريين" تاريخياً بوجود إيران الديموقراطية: وذلك أثناء الثورة الدستورية ( 1905 ـ 1909)، وأنثاء التحدي الآزري قصير المدى للشاه في 1945 ـ 1946 وحتى بعد الثورة الإسلامية (1977 ـ 1980). واليوم، فإن مركز المجتمع الآزري في تبريز يعتقد أنه يستضيف أكثر النشطاء وأكثر الطلاب المنضمين لحركة الديمقوقراطية خارج مدينة طهران.
ولربما كان لدى غير الفرس من الإيرانيين دور يلعبونه في إحداث تحول في إيران، ولكن ذلك ربما لا ينتظر حدوثه إلا تحت ظل حركة كبرى، وليس بالأحرى من خلال حركة قوامها المعارضة العرقية.
إن الميراث المزدوج للتمييز ضد الأقليات العرقية من ناحية، والتنمية الاقتصادية غير المتكافئة من ناحية أخرى أوجدت دعماً قوياً في المناطق غير الفارسية للإصلاح السياسي. ففي كل من الانتخابات الرئاسية التي أجريت في عامي 1997، 2001 كانت الدوائر الانتخابية من غير الفارسية تميل بشدة نحو خاتمي ذى البرنامج الإصلاحي، على الرغم من أن عدم استطاعة خاتمي إحداث للتغيير المنشود كانت مخيبة للآمال لكثير من هذه الجماعات، وأصواتهم الانتخابية كان يجري تفسيرها ليس على أنها قد أدى بها لخاتمي في حد ذاته، ولكن لأنها بمثابة معارضة للأوضاع الراهنة.
ومن المحتمل أن يظل الدعم للتغيير الديموقراطي في أوساط الأقليات العرقية في إيران ملحاً، طالما ظلت المناطق المهمشة في البلاد متخلفة اقتصادياً. وعلى الرغم من أن الاقتصاد الإيراني ظل يتنامى بشكل تراكمي، فإن مظاهر التخلف الاقتصادي يظل حاداً بالنسبة للأقليات العرقية. ولذلك فإن التمييز مقرونا بالأحوال الاقتصادية الأكثر فقراً، سوف يحرك الجماعات العرقية نحو تحدي الحكومة الإيرانية في المستقبل.
التدخل الأجنبي والقومية الإيرانية
يجري التساؤل، إلى أي مدى يقف الشعب الإيراني موحداً في مواجهة أي تدخل أجنبي؟، وهل إذا جوبهت إيران بقوة أجنبية، فهل يلقي قادة إيران الدعم الشعبي لنظام الحكم؟، أم أن جانبا مهما من المجتمع سوف ينظرون إلى مثل هذا العمل على اعتبار أنه بصيص من الفرصة للانفصال عن هذه الحكومة الدينية؟
حول هذه الأسئلة، فإن التجربة الأمريكية في العراق يمكن أن تمدنا بالإجابة. وعلى أية حال، فإن أي تقدير لهذا الوضع ينبغي أن يسبقه إدراك بأن سياسات الهوية في إيران تختلف اختلافاً بيناً عنها في السياسات العرقية في العراق. فقبل قيام الولايات المتحدة بغزو العراق، كانت العراق تحت حكم العرب السنة، وهي جماعة تمثل أقلية هناك. وعلى النقيض من ذلك، فإن إيران تحكمها أكبر عناصرها العرقية، وهم الفرس.
وعلى غير ما كانت عليه عراق صدام حسين حيث عانى كل من الشيعة والأكراد اضطهاداً ظاهراً، فإن الأقليات العرقية والدينية في إيران تخضع لنوع أكثر مهارة من التمييز ويتمتعون بقدر أكبر من الحريات. فالعراق تعتبر دولة جديدة تاريخياً مكونة من بعض بقايا الإمبراطورية العثمانية. أما بالنسبة لدولة الفرس فقد كانت دولة منذ آلاف السنين.
وتفتقر الولايات المتحدة إلى حلفاء طبيعيين في إيران. وعلى النقيض من ذلك، بالنسبة للعراق حيث كان الأكراد والشيعة من سكانها مهيئين لدعم أي حركة تطيح بالنظام البعثي. وعلى الرغم من أن الكثيرين ـ إن لم يكن الأغلبية ـ من الإيرانيين غير سعداء في ظل الحكم الديني، فإن عمق الآلام لدى الأقليات الإيرانية لا يمكن مضاهاتها بتلك التي كانت تعانيها الأقليات العراقية.
ومن جهة أخرى، ففي حين أن الكراهية تجاه الولايات المتحدة شديدة، وتتزايد شدتها في العالم العربي، فإن الولايات المتحدة تتمتع بقابلية أكبر في إيران، وخاصة بين جيل الشباب الإيراني. والظروف السائدة في إيران مخالفة في عدة وجوه عن تلك التي كانت سائدة في العراق، مما يفرض تحدياً شديد الاختلاف بالنسبة للولايات المتحدة.
فليس من المحتمل أن تعول الولايات المتحدة على الأقليات العرقية لدعم حدوث تغيير قسري للنظام. فحجم إيران سواء بالنسبة للأراضي أو السكان يجعل الأمر أكثر صعوبة لإقناع السكان الموالين أن الولايات المتحدة سوف يكون باستطاعتها حمايتهم من انتقام الحكومة الإيرانية. وعلى غير ما حدث بالنسبة للعراق، حيث استطاعت الولايات المتحدة التزويد ببعض الأمن للسكان من غير السنة من خلال المناطق المحظور فيها الطيران، فإن جماعات الأقلية في إيران معرضون بدرجة أكبر لكي تصل إليهم ذراع الحكومة.
ونظراً لأن الإيرانيين في أكثريتهم الكبرى من الشيعة، وأكثريتهم كذلك من الفرس، فإن تغيير النظام ليس من المحتمل له أن يتم فيه تغيير الأوضاع السياسية للجماعات العرقية أو الأقليات العقائدية. ورغم أن جماعات الأقليات في إيران تود لو أن هناك نظاماً أكثر تسامحاً، فليس باستطاعتهم أن يأملوا في الاستيلاء على السلطة. وليس من المستغرب إذن أن نرى الجماعات العرقية الإيرانية لا ترنو إلا إلى نطاق أكثر تواضعاً من الأهداف مداها الفيدرالية. وبعض الجماعات ربما ترحب بتكتم بتدخل أجنبي، ولكن ليس من المحتمل أن تصبح هذه الجماعات بمثابة حلفاء يعتمد عليهم بالنسبة لسياسات ترمي إلى تغيير نظام الحكم بالقوة. 
 
  • قراءة 376 مرات
الدخول للتعليق