ظاهرة الإسلاموفوبيا .. المغذيات والأهداف والرموز

ظاهرة الإسلاموفوبيا .. المغذيات والأهداف والرموز
 
 
 
 

 محمد خليفة صديق – كاتب سوداني

مقدمة:

صارت ظاهرة الرهاب من الإسلام، أو(الإسلاموفوبيا) من الظواهر التي تسود بين جميع مستويات الحياة وصنوف البشر في الغرب عموماً، وأمريكا على وجه الخصوص؛ فمشاعر الإسلاموفوبيا جلية في قطاعات عديدة من المجتمع الأمريكي، تغذيها الوسائط الإعلامية، ومراكز الأبحاث، ومن يوصفون بالخبراء، والأكاديميون، والباحثون، وجماعات الضغط بتنوع مشاربها ومطامعها، وتنظيمات النشطاء في شتى المجالات.

تنتشر مشاعر الإسلاموفوبيا، أو بعض مظاهرها على الأقل، بين معظم الغربيين مثلاً، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ومن المتدينين إلى الملحدين، حيث يعتقد كل من يسيطر عليهم هوس الإسلاموفوبيا أن كل مسلم حقير أحمق، وإرهابي مخرب؛ فالإسلاموفوبيا خوف وعداء مبالغ فيهما لا يتوقفان فقط عند مستوى الشعور أو الفكر، بل يتخطيانه إلى مستوى العمل من خلال الحضّ على - أو المشاركة في - تهميش المسلمين والإسلام كجماعة ودين من الحياة العامة في الغرب على مستوياتٍ مختلفة وتشويه صورتهم، بمشاركة كتَّاب وسياسيين وإعلاميين وكتب وسياسات ومظاهرات وحركات جماهيرية وغيرها.

وقد سيطر هوس "الإسلاموفوبيا" على عدد من الرؤساء الأمريكيين، وعلى رأسهم الرئيس "بوش" الابن وإدارته، وعمد الديمقراطيون والليبراليون إلى نشر التنميطات، التي تستدعي لا عقلانية العرب والمسلمين، وعداءهم للحداثة، من أجل تبرير دعمهم لهيمنة الولايات المتحدة، الاقتصادية والسياسية، وواصل الإعلام في نصرة هذا التيار السائد الأمريكي، وبات الجميع لا يفهم مقاومة العرب لأعمال عنف الصهاينة، والجرائم السياسية الأمريكية في المنطقة، سوى على أنها برهان على تخلف العرب والمسلمين.

ويقتضي ذلك التعرف على الشخصيات والمؤسسات والجهات التى تقوم بالتنظير للإسلاموفوبيا وتغذيها وتعمل لنفخ أوارها ووجودها في ديار الغرب، ومسالك تلك الشخصيات والمؤسسات في التنظير والكتابة عن الإسلام، واستراتيجياتهم الإقناعية والدعائية لتضخيم الظاهرة، وشيطنة كل ما يمتّ للإسلام بصلة، وكيف يساهم التهور في التصديق والإمعان في الخوف والتطرف والسذاجة في دعم مخططات أعداء الإسلام.

الإسلاموفوبيا .. بدايات الظاهرة:

يخطىء بعض الناس فيظن أن ظاهرة الإسلاموفوبيا حديثة النشأة، إذ يربطها البعض بالغزو الاستعماري الغربي الحديث الذى اجتاح العالم الإسلامي في القرنين التاسع عشر والعشرين، بل يظن البعض أنها وليدة أحداث الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001م، ولكن الحقيقة أن ظاهرة التشويه للإسلام والتخويف منه تعود إلى الحروب الصليبية (1096-1292م) على الشرق الإسلامي، والتي دامت قرنين من الزمان، بل إن الكاتب الغربي والقائد العسكري الإنجليزي جلوب باشا، يُرجع هذه الظاهرة الغربية إلى ظهور الإسلام فيقول: إن تاريخ مشكلة الشرق الأوسط إنما يعود إلى القرن السابع للميلاد، عندما أعلن البابا أوربان الثاني (1088-1099م) الحروب الصليبية على الشرق الإسلامي، وقادها بعد أن جمع فرسان الإقطاع الأوربيين، ودعاهم إلى الاتحاد لمحاربة المسلمين، بدلا من صراعاتهم الداخلية، وضمن تمويل المدن التجارية الأوروبية مثل نابولي وبيزا وجنوة لفاتورة هذه الحرب لقاء المكاسب المرجوّة من التجارة بين الشرق والغرب، ووجّه الكنيسة الكاثوليكية لشحن الشعوب الأوروبية وتعبئتهم لهذه الحرب بواسطة أيديولوجية الكراهية للإسلام وهي ذات الإسلاموفوبيا.

في خطابه البابوي أمام فرسان الإقطاع الأوروبيين بمدينة كليرمونت بجنوبي فرنسا عام 1095م أفصح البابا عن المقاصد المادية الاستعمارية لهذه الحرب الصليبية للاستيلاء على ثروات الشرق، مع تغليف هذه المقاصد بالأيدولوجية الدينية وبالكراهية للإسلام والتخويف من المسلمين، وقد صنع ذلك البابا في خطابه لإعلان هذه الحرب الذي دشن فيه ظاهرة الإسلاموفوبيا قبل اثني عشر قرنا.. فقال مخاطبا فرسان الإقطاع الأوروبيين:

"يا مَن كنتم لصوصا كونوا الآن جنودا.. لقد آن الزمان الذي فيه تحوّلون تلك الأسلحة التي تستخدمونها ضد بعضكم البعض لتكون ضد الإسلام.. فالحرب المقدسة المعتمدة الآن هي في حق الله عينه وليست لاكتساب مدينة واحدة، بل هي أقاليم آسيا بجملتها مع غناها وخزائنها التي لا تحصى، فاتخذوا محجة القبر المقدس، وخلّصوا الأرض المقدسة من أيادي المختلسين، وامتلكوها أنتم لذواتكم، فهذه الأرض- حسب ألفاظ التوراة - تفيض لبنا وعسلا.. ومدينة أورشليم هي قطب الأرض المذكورة، وخصوبة هذه الأرض تشابه فردوسا سماويا!.. اذهبوا، وحاربوا البربر (أي المسلمين) لتخليص الأراضي المقدسة من استيلائهم.. امضوا متسلحين بسيف مفاتيحي البطرسية، (أي مفاتيح الجنة التي صنعها البابا لفرسان الإقطاع)، واكتسبوا بها لذواتكم خزائن المكافآت السماوية الأبدية، وإذا انتصرتم على أعدائكم، فالملك الشرقي يكون لكم ميراثا.. واغسلوا دماء العداوات السابقة بينكم بدماء غير المؤمنين، أي المسلمين".

بهذا الخطاب الغارق في الكراهية والبغض والاستئصال أسس البابا قبل اثني عشر قرنا لظاهرة الإسلاموفوبيا لتزييف صورة الإسلام ولشيطنة صورة الشعوب الإسلامية؛ فالمسلمون في هذا الخطاب البابوي وهذه الإيديولوجية كفار غير مؤمنين، وبربر استولوا على قبر المسيح، وهم عبيد للشيطان، بينما الكاثوليك الأوربيون أتباع البابا هم شعب الله المختار، وعلى فرسان الإقطاع الأوروبيين المسلّحين بمفاتيح الجنة أن يطهروا أيديهم بدماء هؤلاء المسلمين الكفار غير المؤمنين.

ثم واصلت الظاهرة حضورها في المخزون الثقافي والعقل الباطن للغرب الاستعماري، حتى أن وصف الأشرار الذي أطلقه البابا على المسلمين في الحروب الصليبيبة، هو ذات اللفظ الذى أطلقه عليهم الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن عند غزو العراق في 2003م، وهو ذات اللفظ الذى يتردد لدى الذين يتصدون للكتابة عن ظاهرة الإسلاموفوبيا وتضخيمها في الغرب، وأن المسلمين خطر مهدد بصفتهم (الآخر) الذي لا ينتمي إلى أشكال الحياة البشرية حتى.

بينما يرى ستيفن شيهي وهو أستاذ اللغة والثقافة العربية بجامعة ساوث كارولينا في كتابه (الإسلاموفوبيا.. الحملة الأيديولوجية ضد المسلمين) أن الإسلاموفوبيا ما هي إلا موجة ذعر غمرت الذات الأمريكية وتغلغلت فيها، ففي أعماق الذات الأمريكية ثمة خيال مصاب بجنون الارتياب والعظمة، وفقاً لتحليل علماء النفس الأمريكيين أنفسهم، والذين ذهبوا إلى أن مفهوم "الآخر" قد استغل من أجل تنقية الهوية الأمريكية وإضفاء المثالية عليها، الأمر الذي يعمل على ترسيخ نموذج (نحن / هم) المعياري في ثنائيات (الخير مقابل الشر) التبسيطية.

ويخلص ستيفن، إلى أن الإسلاموفوبيا تحولت من غطاء سياسي استخدمته الولايات المتحدة في حروبها الخارجية؛ للبحث عن البترول، والسيادة تحت اسم الحرب على الإرهاب، إلى "حالة نفسية" مجتمعية، تجسد جميع مناقشات المجتمع المدني عن الحرب، وعن العراق وأفغانستان، وهي أيضًا تشكل بنية النقاشات، حول "الحرب على الإرهاب"، وتذيل جميع النقاشات حول "إصلاح العلاقات مع العالم الإسلامي"، وهي كذلك عند الحديث عن فلسطين وحماس، كما تشكل الكراهية الاستراتيجية المتعمدة للمسلمين والخوف منهم، حدود جميع النقاشات، حول الهيمنة على النفط والطاقة؛ فأصبحت – بحسب شيهي- تشكيلا أيديولوجيا جديدا، تم التعبير عنه منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، من أجل تطبيع هيمنة الولايات المتحدة، الاقتصادية والسياسية، على العالم وتبريرها.

ساهمت كثير من الأمور والتصرفات والتصورات والدعايات المغرضة في تشكيل صورة الإسلام في الذهنية الغربية، ويجمل السيناتور الأمريكي بول فندلي الأسباب التي تقف خلف جهل الأمريكيين، والغربيين عموماً، بالإسلام وتبنيهم صوراً نمطية مضللة مغلوطة عنه، في دور اللوبي اليهودي في تقديم صورة سيئة عن المسلمين، وتصوير (إسرائيل) على أنها دولة ضعيفة يهدد العرب والمسلمون أمنَها ووجودها، بجانب الاقتصار على الحديث عن الأخلاق اليهودية والمسيحية في المجتمع الأمريكي، بوصفها الأخلاق العالية المقبولة الجديرة بالاتباع، مع تجنب الإشارة إلى الأخلاق الإسلامية، وتصويرها بشكل سلبي مُنفر في حال الحديث عنها، بحيث غدت اليهودية والمسيحية في نظر الأمريكي أنموذجاً للتقدم والحضارة والأخلاق والرقي، وأصبح الإسلام تعبيراً عن القوة المتخلفة والخطرة، ووسم الإسلام بالإرهاب والتعصب، واحتقار المرأة، والافتقار إلى التسامح مع غير المسلمين، ورفض الديمقراطية، وعبادة إله غريب وانتقامي، وتخوف الغربيين من خطر إسلامي متصاعد ووشيك، وخشيتهم من حرب إسلاموغربية قادمة، وتغذية الهيئات الصهيونية لتلك المخاوف، حتى لا يتراجع الدعم الغربي للكيان الصهيوني في فلسطين، بالاضافة إلى تركيز وسائل الإعلام الغربي على تصوير الحركات الإسلامية، وبخاصة حركات المقاومة، على أنها حركات إرهابية لا تحترم الديموقراطية وحقوق الإنسان.

وعملت تلك الوسائل في بعض الأحيان على فبركة برامج يتم عن طريقها تضخيم دعوات بعض المسلمين إلى محاربة أمريكا وإسرائيل والغرب، وإخراج تلك الدعوات عن سياقها الأصلي.

من يقف وراء "الإسلاموفوبيا"؟

تتنوع الجهات والأشخاص والتكتلات التي تقف وراء المخططات الشّقِية لتأجيج وشحن مشاعر الإسلاموفوبيا، وهي لا تقتصر على الغربيين بل فيها مسلمون في ديار المسلمين وخارجها، وهي موجودة في الغرب الأوروبي والأمريكي، وفي هذا الأخير تنطلق فكرة تعزيز الإسلاموفوبيا من ثلاثة منطلقات أساسية:

الأول: القلق من أسلمة العالم

وهو هاجس يبدو مقلقاً لدى عدد من مثقفي واستراتيجيي أوروبا، لم يعد خافياً أو مستتراً كما كان من قبل، إذ أصبح الكثير منهم يعلن أن تزايد أعداد المسلمين في الضفة الجنوبية من البحر الأبيض المتوسط هو تهديد واضح للتوازن الديموغرافي مع دول الضفة الشمالية منه، خصوصاً في ظل تزايد الهجرة من دول المغرب العربي إلى دول أوروبا. هذا التزايد السكاني للمسلمين لا يتوقف عند حدود أوروبا فقط، بل يمتد إلى الشرق والشرق الأوسط، لكن القلق الأوروبي يظل هو الأبرز بحكم التهديد الذي يمسّ قلب العالم المسيحي، أو قلب العالم العلماني بصورة أخرى أيضاً.

وفي هذا يكشف الكاتب الفرنسي فنسان جيسير صاحب كتاب (الإسلاموفوبيا الجديدة) عن نزعة عامة لدى وسائل الإعلام في اتجاه لجعل معركتها وقيمها أدوات في خدمة هوس واحد هو: مقاومة أسلمة فرنسا، ويشير بيرنسل هوغوز بنبرة تحذيرية الى أن اختلال التوازن السكاني الذي يجري في منطقة البحر الأبيض المتوسط لمصلحة الضفة الجنوبية سيعجل فرضية عودة الإسلام بقوة لأوروبا في القرن المقبل.

من جانب آخر، فإن باحثين يسمون ما يجري بأنه ليس إسلاموفوبيا بل هو (دينوفوبيا)، وأن هذه الفئة تنطلق في خوفها من الأسلمة ليس لأجل خدمة دين آخر بديل عن الإسلام، بل لأجل عالم خالٍ من الأديان.

الثاني: تداخل العنصرية القومية بالعنصرية الدينية

 وهو تداخل قد يكون لا إرادياً أحياناً، إذ يكمن في العقل الباطن للباحث أحياناً ضدّية مزدوجة ينصهر فيها القومي بالديني. ويتجلى هذا الارتباك الأيديولوجي أكثر ما يتجلى عند الكاتب الفرنسي ألكسندر دل فال، الذي كان، قبل 11 أيلول 2001، يتبنى أطروحة تفسيرية لما يحدث في العالم تنطوي على تحالف بين البروتستانتية الأميركية والحركات الإسلامية حيث يرى أن الحضارتين الإسلامية والأميركية (المتزمتتين) قد تأسستا على الاستئصال التام للثقافات التي سبقتها بعدة آلاف من السنين. ويضيف دل فال: "فمن وجهة النظر التاريخية نميل كثيراً لتناسي أن الحضارتين الإسلامية والأميركية قد تأكد أنهما مضادتان لأوروبا، وأن كلاً منهما حاولت بطريقتها الخاصة أن تستأصل الإرث المتعلق بهوية شعوب أوروبا".

وفي موقع آخر يؤكد دل فال الفوبيا التي لديه من تحالف أميركا والإسلام، بقوله: "إذا كان ثمة خطر عنصري حقيقي في الغرب فهو ليس نتيجة التحرك المشروع للشعوب الأوروبية العريقة في الدفاع عن هويتها المهددة في بقائها من طريق امبرياليتين متنافستين وفي ذات الوقت متحدتين في التعطش للانتقام من أوروبا: إحداهما آتية من واشنطن التي تعمل في تخطيط محكم لإبادة كل ما هو ثقافي، والأخرى تقبع في مكة وتجعل هدفها الغزو الأيديولوجي الديني والسكاني للقارة العجوز أولاً، ثم العالم أجمع بعد حين، وهي الجهاد الإسلامي الجديد". لكن دل فال المنغمس بين تجاذبات العنصرية الدينية والعنصرية القومية يرتبك في تحليله بعد وقوع أحداث 11 سبتمبر بين عدوّيه المتحالفين!

بينما يصف جيسير في كتابه (الإسلاموفوبيا) المأزق الأيديولوجي لدى دل فال بالقول: "لم تتغير تحليلات دل فال كثيراً بعد 11 سبتمبر، إنه يوسع فيها ذات الأفكار التي نسجها خياله عن الانتصارات التي تحققها التنظيمات الإسلامية في العالم، ويضفي عليها هالة من التضخيم، وقد اختفى تقريباً عداؤه لأميركا، أما فرضيته الأساسية عن المؤامرة العالمية التي تجمع الإسلاميين والأميركيين ضد أوروبا الموحدة فقد أسدل عليها الستار تماماً. وثمة تحول مهم لدى خبير الجيوبوليتيك: إن إسرائيل التي كان يعتبرها في كتاباته الأولى تابعاً لأميركا في منطقتها، صارت عنده من الآن فصاعداً الضحية الأولى للإرهاب الإسلامي، فهو بهذا تطهر عن كل شيء يُصوب نحوه سهام معاداة السامية والصهيونية".

ويوجز فنسان جيسير مراحل التعنصر بتحول المسميات والإهانات العنصرية في أوروبا، ففي الستينيات والسبعينيات كانت الإهانة العنصرية الدارجة هي قول (المهاجر القذر) ثم تطورت إلى (العربي القذر) أو (المغاربي القذر)، أما اليوم فقد تمت أسلمة الإهانة وأصبحت عبارة (المسلم القذر) شائعة كشكل من أشكال الإسلاموفوبيا.

وإزاء ذلك لا بد بالطبع من أن يعلو ضجيج التحريض ضد العرب والمسلمين والمبالغة المثيرة في تصوير العرب كبرابرة والمسلمين كوحوش يُفطرون على جثث الأطفال ويتغدّون الرجال ويتعشون الحريم (النساء)، ويعادون الحضارة ويصدّرون الإرهاب. بينما يُشخص رئيس تحرير لوموند ديبلوماتيك الكاتب الفرنسي آلان جريش هذا التلاعب بالعنصرية بين الديني والقومي بأن جزءاً من الناس يُخفون عنصريتهم تحت مظلة الإسلاموفوبيا عندما يقولون إنهم ليسوا ضد العرب لكنهم معادون لدينهم ويعيبون على العرب كونهم يتمسكون بدين يمنعهم من الاندماج ويضطهد المرأة ويعادي الجمهورية.

الثالث: تغطية جرائم إسرائيل وضغوط الصهيونية

 وهنا يكمن التنازع في مشهد الكراهية بين الخوف من الإسلام (الإسلاموفوبيا) ومعاداة السامية (الأنتي سيميتزم)، إذ لا يمكن أن تثبت أنك بريء وخالٍ من أعراض "العداء للسامية"، وهي براءة مهمة في الغرب من أجل النجاح والسلامة! ما لم تكن مؤمناً ومعززاً لهاجس الإسلاموفوبيا، الجناح الآخر الذي يحتاجه الإنسان الغربي، مع جناح عدم معاداة السامية، للطيران والتحليق في أجواء الرفاهية واللمعان الإعلامي والمالي.

أما على المستوى السياسي والشعبي فإن تأجيج هاجس الإسلاموفوبيا سيمنح فرصة أكيدة لتغطية الجرائم الصهيونية والإبادة المرتكبة ضد الفلسطينيين، خصوصاً عندما يتم التحذير دوماً من أن أي انتقاد لدولة إسرائيل أو الهمجية الصهيونية إنما هو شكل من أشكال معاداة السامية. إذ يؤكد ألكسندر إدلر في عمله الجماعي (شرح الصهيونية لأصدقائنا)،" أنه لم يعد من الممكن تصور هوية يهودية لا تحتوي مقوماً صهيونياً قوياً".

وفي الساحة الفرنسية بالذات وقع استعمال مقولة العداء للسامية ومساواتها بالعداء لإسرائيل، عندما لاحظ اليمين اليهودي الفرنسي المتطرف أن الكفة بدأت تميل للإسرائيليين إثر النقد الإعلامي للاعتداءات الإسرائيلية، حيث يقول الكاتب اليهودي الفرنسي إريك هزان بأن الخلط كان متعمداً من قبل قادة الطائفة اليهودية الفرنسية بين العداء للسامية والعداء للصهيونية، وكان ذلك بتحالف ضمني بين اليمين المتطرف واليمين الصهيوني اللذين اجتمعا على الكراهية للعرب، خصوصاً حين رأوا أن الرأي العام الفرنسي بدأ يميل لكفة الفلسطينيين".

رموز الإسلاموفوبيا في أمريكا:

من المؤكد أن اليمين المتطرف الأمريكي هو الذى يقف وراء تصاعد ظاهرة التخويف من الإسلام في أمريكا، عبر مجموعة صغيرة من خبراء التضليل الذين يواصلون عملهم ليلا ونهارا لموافاة الملايين من الأمريكيين بمعلومات خاطئة مضللة عن الإسلام، من خلال متعصبين ناشطين وفاعلين وشركاء إعلاميين وتنظيم محكم وعميق الجذور.

وهذا النشر للكراهية والتضليل يبدأ في المقام الأول بخمسة أو ستة أشخاص رئيسين ومنظماتهم التي تتلقى التمويل من مجموعة من مؤسسات كبيرة، هم خبراء المعلومات المضللة الذين يختلقون وقائع ويصنعون مواد كاذبة، يستغلها السياسيون والزعماء وجماعات القواعد الشعبية ووسائل الإعلام لترويج الإسلاموفوبيا، وهم:

1- فرانك غافني Frank Gaffney بمركز السياسات الأمنية.

2- ديفيد يروشالمي David Yerushalmi بجمعية الأمريكيين من أجل الوجود القومي.

3- دانيال بايبس  Daniel Pipes  بمنتدى الشرق الأوسط.

4- روبرت سبنسر Robert Spencer صاحب منظمة "جهاد ووتش" و"منع أسلمة أمريكا".

5- ستيفن إيمرسون Steven Emerson صاحب مشروع التحقيق في الإرهاب.

6- باميلا أندرسون- الشهيرة ببوق الإسلاموفوبيا.

ترتبط أفكار معظم هؤلاء بالتمييز والعنصرية لفئات مختلفة، ولكنهم اجتمعوا على عدائهم للمسلمين، ينتمون لليمين المتطرف، تم تمويلهم بملايين الدولارات، زرعوا بذور الكراهية للمسلمين في نفوس الأمريكيين، وأعطوا الغطاء العلمي والأكاديمي لهواجسهم من المسلمين، ليستقبلها وسائل الإعلام والساسة ليضغطوا على القرار السياسي والتشريعات القانونية في أمريكا، وكان لهم بالغ الأثر في خلق بيئة يمكنها جعل أشد التصريحات العنصرية ضد المسلمين أمرًا "مقبولًا".

آخر مؤتمرات الإسلاموفوبيا:

عَقد منتدى العلاقات العربية والدولية بالدوحة أخيراً مؤتمراً حول رهاب الإسلام "الاسلاموفوبيا"، ومن أهم القضايا التي ناقشها المؤتمر أسباب ظاهرة الرهاب من الإسلام، وتجليات هذه الظاهرة، وهل هناك هوية محددة للمجتمعات الأخرى تجعل المسلم غريبا فيها مهما حاول الاندماج، وهل هناك علمانية حقيقية في المجتمعات الغربية تسمح للمسلمين بالاعتراف بهم كمكوّن في مجتمعه، ومظاهر الإقصاء، والاستغلال القانوني لمشاعر الكراهية ضد المسلمين لاستصدار قوانين موجّهة ضدهم.

كما بحث المؤتمر ظاهرة استغلال مسلمين وتحويل مؤسساتهم إلى مراكز مراقبة. وعنف بعض الشباب المسلم ضد مجتمعاتهم الغربية سواء هاجروا إليها أو هي أوطانهم. وأسباب هجرة بعض المسلمين لمواقع الصراعات المسلحة. ودور المؤسسات والحكومات والأفراد في نشر الوئام والسلم العام وتخفيف الضرر المسبب لهذه الظاهرة.

وفي كلمته الافتتاحية، قال الدكتور محمد حامد الأحمري، مدير منتدى العلاقات العربية والدولية، إن العالم الإسلامي بدأ في فقد الثقة والتسامح تجاه الغرب تحديداً في فترة ما بعد الغزو الفرنسي للعالم الإسلامي، مشيرا إلى أن هذا العالم سيصبح عالماً بليداً إذا فكرنا جميعاً بأسلوب واحد أو أجبرنا الجميع على التفكير بطريقة واحدة. وأكد الأحمري على أن ثقافة اللغة الإنجليزية التي تسيطر على العالم أصبحت تشكل ثقافة موحدة في اتجاه واحد.

وقدم د. محمد المختار الشنقيطي، أستاذ الاخلاق السياسية بمركز التشريع الإسلامي والأخلاق بجامعة حمد بن خليفة في قطر، بحثاً تناول تطور صورة المسلمين في العقل الأمريكي من كولومبوس إلى وقتنا الحالي. وأكد الشنقيطي أن الوثائق الأمريكية القديمة تؤكد على أن النظرة كانت سلبية في الماضي تجاه المسلمين، مشيرا إلى أن الغرب القديم نظر إلى العالم الإسلامي باعتباره استبداديا ومناهضا للمسيحية، علاوة على عشقه للقتل والتدمير وسفك الدماء.

وأضاف بأن الرؤية الغربية تجاه الأوطان والسكان المسلمين كانت هي الأخرى سيئة، وهذه الصورة النمطية كانت سائدة في غالبية المجتمعات الغربية، والدليل على ذلك وجود مؤلفات وكتب عديدة تصف هذه الصورة بأبشع الصفات، منوها إلى أنه رغم هذا الوضع القاتم كانت هناك بعض الاستثناءات التي أنصفت المسلمين والإسلام ولكنها ظلت قليلة ومتوارية قياسا بشيوع الصورة السلبية وانتشارها.

وأشار إلى أن هناك مدارس ما زالت تعمل حتى الآن على تثبيت هذه الصورة السلبية تجاه الإسلام والمسلمين، غير أن هناك محاولات قوية ومدارس مضادة صححت هذا الوضع ومنهم على سبيل المثال إدوارد سعيد، وجاك شاهين، وتيموثي مار، وريتشارد باركر، وإيفون حداد، وغيرهم كثيرون.

وأكد الشنقيطي أنه يمكن تقديم العديد من التوصيات للتغلب على تلك الظاهرة منها الدراسة المعمقة لتاريخ وثقافة الولايات المتحدة، وبناء مراكز أبحاث ودراسات تشرح الإسلام والمسلمين في الغرب، فضلا عن الاستثمار في مجال الإعلام الغربي والسعي لتصحيح الصورة السلبية للمسلمين من خلاله.

وقال الباحث المغربي يونس الخمليشي إن ظاهرة الإسلاموفوبيا في الغرب هي الصيرورة الحتمية لتاريخ أوروبا الضارب في جذور الاحتياط من الإسلام وتصويره على شكل عدو يهدد كيان أوروبا وقيمها وحضارتها. وأوضح أن مقولة الفوبيا ظهرت في الوعي الأوروبي عبر تراكم الخوف الثقافي والعسكري والاجتماعي والحضاري من الإسلام والذي يمثَّل في الدولة بمواطينها ومؤسساتها.

وأضاف بأن هناك أنواعا من الفوبيا منها الثقافية، والعسكرية، والاجتماعية، منوها إلى أن الدولة الحديثة أصبحت علاقتها بالإسلام علاقة جدل حيث أن وجود الآخر مرهون بإعدام الأنا والعكس، وبدأت تكرس العداء في صفوف أفرادها للإسلام أو بدأ الكلي ينعش الجزئي بقيمه للحفاظ على ذاته لأن الكلي هو مجموع الجزئي.

ودعا المُشاركون في المؤتمر الغرب إلى التحرّر من المفهوم الضيّق الذي يعادي الإسلام من خلال حملات التحيّز والعداء للمسلمين والإسلام، مُحذّرين من أنّ هذا التحيّز الغربي والعداء المستمرّ لن يخدم الأمن والسلام العالميين بل يؤجّج الإرهاب والصراع، وأكّدوا أن الإعلام الغربيّ سبب رئيسيّ في تنامي ظاهرة العداء للإسلام والمُسلمين من خلال ما يبثّه من حملات كراهية ومعلومات مغلوطة ومُضللة.

واجب المسلمين تجاه الإسلاموفوبيا:

البروز الكبير وغير المنطقي للإسلاموفوبيا ورؤاها في عالم الغرب، يشير صراحة إلى أن هناك مجموعة خرافات بئيسة عن الإسلام وأهله، ورغم ذلك تروج وتنشر هذه الخرافات بفعل الإعلام وعالم الهيمنة والغلبة وعلو كعب صاحب الصوت الكبير في أوروبا وأمريكا على السواء؛ فمما ترمي إليه حمى الإسلاموفوبيا أن تختزل الإسلام المحظي بالقبول والرضا في الغرب في ذلك النموذج التقليدي الطقوسي المهجن بالعلمانية، سواء كان في شكل دولة أو أفراد أو جماعة أو فئة أوتيار أو جالية، أو غيره من الكيانات الموزونة بمعايير الرؤية الغربية المغشوشة للوسطية والاعتدال والتسامح.

والإسلاموفوبيا كإحدى مآسي الإسلام التى تحتاج لترياق عاجل، ولا يكون ذلك باتخاذ وضعية الضحية، ووضع مسؤولية إخفاقنا على الآخرين، فهذا أمر لا يليق بحضارة عظيمة كالحضارة الإسلامية، والسعي لتحسين صورة الإسلام في خارج بلاد الإسلام، للتقليل من الأزمات الأخيرة والمتعلقة بالتصريحات العنصرية المعادية للمسلمين، وأعمال العنف الموجهة ضدهم.

إن التعرف على مصادر تنظير ظاهرة الإسلاموفوبيا، يقتضي السعي لمقارعتها وصولاً إلى صورة حقيقية للغربيين عن الإسلام، ولن يكون ذلك إلا بتقويض كامل للخطاب والنماذج المعيارية، التي تشكل الأساس التحتي لأفكار الإسلاموفوبيا، وتفكيك النظرية المعرفية للإسلاموفوبيا، من خلال الكشف عن بعض ظواهرها، وآثارها على البشر، مسلمين وغيرهم.

من الواضح أن معالجة مشكلة الإسلاموفوبيا تتطلب مخاطبة العالم الخارجى بلغاته وعبر أدواته ووسائله الإعلامية، وهو ما يجب أن يسعى له المسلمون في كل مكان، من خلال فريق من الباحثين والمترجمين المتخصصين فى هذا المجال والمحيطين بتلافيف عقل الإسلاموفوبيا، ومن ثم استغلال صفحات التواصل الاجتماعى ووسائل الإعلام العالمية فى نشر رسائل تعمل على تغيير تلك الصور النمطية البغيضة، والرد على حملات الكراهية التى تظهر في هذه الوسائل والوسائط.

وواجب المسلمين في البلاد الإسلامية وفي الغرب ألا يكونوا مجرد بيادق لأي طرف، ضمن صراع الإسلاموفوبيا المحتدم، ويمكنهم أيضا عدم قبول هذا المفهوم كما لو كان بديهيا، والسعي لتفكيكه إلى مكوناته، ثم بعد ذلك لهم أن يلغوه أو يستبدلوه بمصطلح أدق.

مـراجـع :

1-بول فندلي، لا سكوت بعد اليوم.. مواجهة الصور المزيفة عن الإسلام في أمريكا (بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، ط5، 2010م).

2- ستيفن شيهي، الإسلاموفوبيا.. الحملة الأيديولوجية ضد المسلمين، ترجمة: فاطمة نصر، (القاهرة: دار سطور الجديدة، 2012م).

3-عطية فتحي الويشي، الخُواف الإسلامي بين الحقيقة والتضليل، سلسلة دعوة الحق، رقم (219)، رابطة العالم الإسلامي، مكة المكرمة، 2007م.

4-فريد هاليداي، الإسلام وخرافة المواجهة .. الدين والسياسة في الشرق الأوسط، ترجمة: محمد مستجير (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1997م).

5- تقرير: مؤسسة الخوف.. جذور شبكة الإسلاموفوبيا في أمريكا، صدر في أغسطس 2011م، ترجمته شبكة الألوكة، وموجود على موقعها، على الرابط:

  1. ، أصل التقرير بالإنجليزية موجود على موقع:
  • قراءة 645 مرات
الدخول للتعليق