الفلوجة ... لماذا؟! من المستفيد والمتضرر؟/ عبد الهادي علي– كاتب عراقي

الفلوجة ... لماذا؟! من المستفيد والمتضرر؟

الأحد 5 يونيو 2016

  عبد الهادي علي– كاتب عراقي

خاص بالراصد

كان من المتفق عليه بين الحكومتين العراقية والأمريكية أن تكون معركة الفلوجة بعد تحرير محافظة نينوى أو الموصل، في ذات الوقت كان العراق يعجُّ بخلافات سياسية شيعية داخلية، حيث اقتحم أفراد التيار الصدري البرلمان والمنطقة الخضراء في بغداد بتوجيه من مقتدى الصدر، فانشق الشارع الشيعي بين مؤيد لمقتدى من جهة (وهم الأكثرية)، وبين مؤيد لبقية الأحزاب الشيعية، وحصلت أزمة للبيت الشيعي وأزمة كبيرة لإيران، وظهور بوادر تصدع التيار الشيعي السياسي، وبداية تمرد جهات شيعية على إيران، فكان لابد من حل ينقذ إيران من ورطتها.

وفجأة صدر قرار حكومي وإيراني بضرورة أن تبدأ معركة الفلوجة، ولتتأخر معركة نينوى أو الموصل لما بعد الفلوجة!

اضطرت الإدارة الأمريكية إلى القبول بما طلبته الحكومة العراقية شريطة ألاّ يشارك الحشد الشعبي الشيعي بالمعركة بشكل مباشر؛ لأنّ قدرة إيران بالضغط على أمريكا داخل العراق كبيرة.

ومعلوم لدى الباحثين أن داعش ذات بنية مركبة من عدة مجموعات، وذات ارتباطات متنوعة مشبوهة بدوائر المخابرات الإقليمية والعالمية، فقد وجدت داعش في العراق بتركيبة بعثية متحالفة مع جماعات متطرفة، وسهّل نوري المالكي عملها لضرب السنة ببعض وتجييش الشيعة خلفه، كما كان للنظام السوري القدح المعلى في تطوير داعش السورية لإفشال الثورة السورية، ومن هنا دخلت أمريكا على خط  توظيف داعش لصالحها بغية استنزاف العراق وإيران في آن واحد([1]). ونجحت فعلاً وحصل ما كانت أمريكا تخطط له، فالعراق اليوم مدين لصندوق النقد الدولي، لكن إيران عملت على إحباط المخطط الأمريكي عبر اختراق داعش بواسطة أعضاء القاعدة، الذين انضموا لداعش؛ ومعلوم أن علاقة إيران قوية بالقاعدة، كما أن داعش سوريا تمتلك علاقات قوية بالنظام السوري؛ لذلك تمكنت إيران من إحباط بعض المخططات الأمريكية بالعراق، والتي منها اتفاق داعش وهادي العامري على خروج داعش من محافظة ديالى وعدم العودة لها مقابل فدية ملياري دولار، وشهدت مدينة تكريت اتفاقا مشابها لذلك.

لذلك أصرّت إيران بالتنسيق مع رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي على المشاركة العلنية بالمعركة في الفلوجة للأسباب الآتية:

1- التخلّص من مأزق إسقاط الحكومة وتغيير أعضائها والذي ستخسر إيران فيه بعض حلفائها.

2- إرباك التيار الصدري الذي لا ينضبط تماماً بالتوجيهات الإيرانية، ويربك الصف الشيعي، لحد الوصول لحالة من الاحتراب الشيعي الشيعي.

3- منع المتظاهرين من اقتحام المنطقة الخضراء مرة أخرى.

4- منع القتال الشيعي الشيعي، خاصة بعد تفجيرات مناطق الصدريين ببغداد، واحتقان التيار الصدري؛ لذلك كان إخراج الحشد الشعبي خارج بغداد أحد الحلول.

5- الانتقام من الفلوجة لرمزيتها في مقاومة الإنكليز في الاحتلال بعد الحرب العالمية الأولى، ومقاومة المحتل الأمريكي بعد احتلالها للعراق سنة 2003.

6- إشراك الحشد الشعبي وإيجاد دور فعال للقضاء على داعش العراق خلافا للسياسة الأمريكية.

7- إرسال رسائل تهديد واضحة للسعودية في تصعيد طائفي مقصود.

8- التأكيد على اعتماد إيران كليا على الحشد الشعبي (المليشيات) وليس على الساسة الشيعة، وجاء قرار حيدر العبادي باعتبار الحشد جزءا من المنظومة العسكرية العراقية  كنوع من التماهي مع الرؤية الإيرانية.

9- استعراض لقوة إيران حيث ظهرت صور لقاسم سليماني والمالكي وغيرهما في أرض المعركة، وإن كان وجود لوقت محدود هدفه الترويج الإعلامي ضمن المعركة في المنطقة.

لكن أيضاً اشتملت هذه النقاط على نقاط تتقاطع مع مصلحة أمريكا، منها:

1- رغبة أمريكا بعدم فشل حيدر العبادي باقتحام التيار الصدري للمنطقة الخضراء لمرة ثالثة وهذا ما حققته لها إيران، بإخراج الحشد وإشراك الحكومة باستنفار تحرير الفلوجة.

2- أيضاً وجدت رغبة عند بقية الشيعة بإسقاط حيدر العبادي ضمن الصراع الشيعي الشيعي، فجاءت المعركة في الفلوجة كطوق نجاة له ولرغبة أمريكا؛ لأن العبادي يكاد أن يفشل في تأسيس حكومته.

بدء المعركة:

لإرسال الحشد خارج بغداد سهلت الجهات الأمنية (الشيعية) حدوث تفجيرات بغداد (مناطق الصدريين) لتحشيد الجمهور الشيعي تجاه معركة الفلوجة، وعدم التذمر من كثرة القتلى والخسائر.

الفيتو الأمريكي على مشاركة الحشد في معركة الفلوجة، والذي وصل لحد قصف الطائرات الأمريكية لرتل من الحشد الشعبي تجاهل الأمر الأمريكي وحاول التقدم للفلوجة، جعل مشاركة الحشد الشيعي يعتمد على قصف المدينة بالصواريخ من بُعد مما سبب تدمير المنشآت والبنية التحية بشكل عشوائي داخل مدينة الفلوجة، وقامت ميلشيات الحشد بتفجير مساجد مدينة الكرمة، وهي جريمة متكررة  وسلوكيات معتادة لدى الشيعة وإيران سواء في العراق أو سوريا أو اليمن.

أيضاً لجأ عدد من أفراد الحشد الشيعي للتحايل بلبس لباس الجيش لاقتحام الفلوجة وارتكاب المزيد من الإجرام المتعمد، وأيضاً قاموا باعتقال من هرب من الأهالي من القصف، والتنكيل بهم وإهانتهم، وتم اعتقال بعضهم وذبح بعضهم بطريقة بشعة وثّقته وكالات الأنباء العالمية.

ومع ذلك يصرح رئيس الوزراء أن هذه الشكوى وهذه الأخبار تشوش على معارك النصر وتحرير الفلوجة، وكأنما – وهو كذلك- ليس رئيس وزراء العراق بل وزير طائفة معينة.

ولاستفزاز السنة عموما، والسعودية على وجه الخصوص، في سياسة طائفية بامتياز بث الشيعة صورا ومقاطع لراجمات صواريخ وضعت عليها صورة نمر النمر الإرهابي الشيعي السعودي الذي أعدم مع 46 إرهابيا سنيا قبل شهور، وأيضا صورا للقذائف والصواريخ التي كتب عليها صواريخ النمر!

ورافق كل ذلك إطلاق عشرات التصريحات العدائية والطائفية ضد الفلوجة وأهلها من شخصيات شيعية علمانية ودينية على حد سواء، مثل تصريح أوس الخفاجي عن ضرورة تدمير الفلوجة وأهلها وتخليص العالم منها، وتصريح قيس الخزعلي بفرح المهدي بانتصار الفلوجة، أما التعليقات الطائفية على شبكات التواصل الاجتماعي فهي من الانحطاط بمكان عظيم.

حتى لحظة كتابة هذا المقال مرَّ على المعركة أسبوع كامل لم تسقط فيها الفلوجة، برغم الخسائر والأضرار التي لحقت بها وبسكانها، وبالرغم  من سعي الحشد تدمير الفلوجة بالكامل قبل توقف المعركة، ولحد اليوم لا تزال أمريكا تمنع الحشد من دخول المعركة بشكل مباشر، في الوقت الذي يسعى فيه الجيش لإنهاء المعركة والتخلص من داعش ومن كمّ الخسائر الكبير في حالة استمرت المعركة، إذ ثمة خسائر كبيرة في صفوف الحشد الشعبي والجيش العراقي وهذا واضح في مستشفيات العاصمة بغداد، ويلجأ الشيعة للتغطية على هذه الخسائر الفادحة بالتهويل لمعركة الفلوجة وادعاء تحقيق نصر كبير وأنه سيكتب في اللوح المحفوظ!

العرب السُنّة الخاسر الوحيد في المعركة:

ليست معركة الفلوجة الوحيدة التي خسر فيها السنة، لكن كل مناطق السنة أصبحت مدمرة بالكامل، فستخرج داعش ولو بعد حين، وستدمر مناطق أهل السنة بذريعة داعش، كما دمّرت من قبل مدن السنة: مثل جرف الصخر، وبيجي، وتكريت، ومناطق في ديالى، وما يجري فيها من تغيير ديمغرافي مستمر، حتى جاءت معركة الفلوجة فتم تهجير سكان بعض المناطق وإرهاب أهلها، هذا بخلاف وجود من 50-100 ألف من أهالي الفلوجة داخل المدينة ومصيرهم سيكون مجهولا، خاصة الرجال، بسبب روح الانتقام الطائفي الموجودة عند الإيرانيين وعند الحشد الشيعي.

الخسارة الأخرى تعمّق الانقسام بين السنة في العراق، فقد تبنى الحزب الإسلامي([2]) مع الأسف معركة الفلوجة، وشاركت حركة حماس العراق في تعريف المهاجمين بدروب المنطقة مع الأسف، وتوسّع الخلاف السُني السُني، بين مؤيد للهجوم (وهم قلة وأكثرهم سُنة الحكم) وبين مدرك للكارثة التي ستحل بالفلوجة؛ ولذلك يرفض المعركة، وأكثرهم من العرب السنة المعارضين للحكم الشيعي الطائفي، وليس حبا بداعش أو دفاعاً عنها.

موقف حكومات العرب الرسمية:

لم تسجل مواقف رافضة أو مستنكرة من الحكومات العربية بالشكل المطلوب لجرائم الحشد الشعبي في الفلوجة حيث الذبح والحرق والتمثيل بشباب أهل السنة؛ لأن الدول تركيزها الأول والأخير ليس حول خطر الميلشيات، بل داعش، وهو موقف تابع لموقف الإدارة الأمريكية مع بالغ الأسف والأسى.

نسال الله العظيم أن يفرج عن أهلنا في الفلوجة، الذين رزحوا بين مطرقة الحكومة الشيعية وحشدها وسندان داعش المجرمة.

[1] - أمريكا تنسق مع إيران في عدة ملفات، خارج وداخل العراق، لكن أمريكا تبحث عن مصالحها من هذا التنسيق، وإيران أرادت الهيمنة على العراق كله، فشاكست أمريكا كثيراً، حتى أرادت أن تدخل روسيا في العراق كما فعلت في سوريا.

[2]- فضائية الحزب الإسلامي والإخوان قناة بغداد كتبت على شريطها الإخباري: مدينة المساجد تنتصر! وانتقدت على ذلك.

  • قراءة 361 مرات
الدخول للتعليق