غياب الاستراتيجية: لِم يخفق الإسلاميون برغم التضحيات؟

غياب الاستراتيجية: لِم يخفق الإسلاميون برغم التضحيات؟


طلعت رميح– كاتب مصري
العدد مائة وستة وخمسون - رمضان 1437 هـ
دراسات
خاص بالراصد
http://www.alrased.net/main/articles.aspx…

يصعد بالصخرة إلى أعلى الجبل، وحين يصل للقمة لا يستطيع الحفاظ عليها، فتهوي إلى القاع، فيعاود دفعها للأعلى عبر مشوار طويل وبذل للقوة والجهد، فتسقط حين يصل بها إلى القمة مجددا، لتتكرر الحالة أو المأساة مجددا ومجددا.

تلك حالة أو مأساة الإسلاميين "استراتيجيًا" في العالم العربي على الأقل، إذ كلما مرت المنطقة بحالة إعادة التأسيس، كانوا سباقين وشديدي الشعبية، وهم وحدهم من يتحمل كل المصاعب، وهم من يقدمون التضحيات الجسام، لكن حين تحين اللحظة، لتحديد من يقود ويوجه إعادة التأسيس من أعلى قمة هرم سلطة الدولة، يأتي من خلفهم من يدفعهم بالقوة ليسيطر على قمة جبل السلطة ويقود إدارة البلاد والمجتمعات ويعيد التأسيس في دورة عكسية لغير مصلحة البلاد أو الأمة، ليعودوا هم إلى حالة التضحيات مجددا.

وهكذا يثبت التاريخ أنه يعيد نفسه، إذ جاهد الإسلاميون في مواجهة الاحتلال المباشر في مختلف البلاد، وكانوا وقودا للمقاومة وعنوانا للمواجهة ورمزا لتقديم التضحيات، وكانت جماهيريتهم الطاغية هي الرافعة التي رفعت الحراك الجماهيري والمقاومة وأجبرت المحتل على الإقرار بالهزيمة أو على الرحيل، وظهرت الدولة القُطرية.

عندها جرت الأمور على حالة أسطورة سيزييف – التي كتبها الأديب الفرنسي ألبير كامو- الذى وصل بالصخرة إلى القمة وعندها سقطت منه إلى القاع، وإذ كرر سيزييف المحاولة، فقد كان الإسلاميون كذلك في إعادة التأسيس الثانية أو حين هبت رياح الربيع.

كانوا هم صناعها بما بذلوا من جهد وقدموا من تضحيات لسنوات امتدت منذ "الاستقلال" في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، إذ تمكنوا من كشف وفضح الديكتاتوريات والفساد والانهزامية أمام الاعداء، وبلوروا رؤية لإحياء الهوية الإسلامية والحضارية -القادرة على إنجاز التنمية والتقدم والتطور والاستقلال–كما تمكنوا من تشكيل تيار مجتمعي عريض قادر على البذل والعطاء والتضحية، وبذلك تمكنوا من إيصال الصخرة إلى أعلى قمة الجبل، لكن النخب المتغربة في صورتها أو صيغتها العسكرية، استطاعت في النهاية إسقاط الصخرة مجددا وإعادة الإسلاميين إلى المحن والاضطهاد لتدفع كوادرُهم وجماهيرهم وأوطاننا الثمن.

والأمر لا يحتاج إلى تبيان، فاللافت أن الظاهرة لم تتكرر كحقب تاريخية ماضية أو معاشه فقط، بل جرت الحالة نفسها في تكرار سقيم في أغلب الدول، وكأنها فيلم يعاد إنتاجه هو نفسه ولا تتغير بدايته ونهايته وإن تغيرت اللهجات والوجوه والأسماء.

وفي تلك الظاهرة التكرارية ليس الأخطر فقط، أنها تتكرر وأن أثمانها دماء غزيرة، وأن الأمر يشمل كل البلدان تقريبا، أو أن الخصوم ينجحون في السطو على جهد الإسلاميين وتضحياتهم بل نجحوا في توظيف جهد الإسلاميين لمصلحة أهدافهم هم، وأنهم نجحوا في توظيف حراك الإسلاميين لتعديل التوازنات لصالح خصوم الإسلاميين، ولإحداث تغييرات تديم بقاء تلك القوى، فيما هم أقلية، وفيما هم مخادعون للناس ومفسدون، ولا عدل في حكمهم، وبذلك ترتد الأوضاع إلى ما هو أسوا، بما أطلق عليه مصطلح الثورات المضادة.

وفي ذلك تجري اللعبة أو الحركة الاستراتيجية ذاتها، ويجري تكرار الأمر وكأن شيئا لم يتغير في الحالة الاستراتيجية العربية، بما يسجّل سابقة غريبة في العلوم الاستراتيجية، إذ يجري الوصول إلى ذات النتائج دون تغيير في القواعد الرئيسة المتحكمة في دورات الصراع السياسي، رغم تغير الزمان والمكان وعوامل القوة والضعف ومعاملات الوعي ومعطيات السياسة والأوضاع الاجتماعية ..إلخ.

الاستراتيجية المفتقدة

يملك الباطل خططا علمية وعملية محكمة، تجمع بين قراءة الواقع - أو رفعه مثلما ترفع تضاريس الأرض إلى الخرائط- وتحديداً لمراحل خططه وتكتيكاته الحركية بأبعادها الفكرية والثقافية والإعلامية والعسكرية والزمنية، ويسهر على متابعة حالته الانقلابية، فيحركها خطوة خطوة وفقا لما يتحقق له على الأرض وفق قراءة علمية، وبذلك يُلحق الهزيمة بمن لهم القبول والشعبية، ويحرز النصر عليهم لامتلاكه الخطط.

الاستراتيجي الأول في العالم الصحابي خالد بن الوليد رضي الله عنه - وليس ليدل هارت في الحقيقة- كان النصر حليفه حين كان جاهلياً وحليفه أكثر حين اهتدى بالإسلام، فقدم بانتصاراته الأولى نصرا للقبيلة وفي الثانية فتح الطريق لبناء أمة كاملة وتحقيق التمكين لها، فقد تمكن من فعل ذلك في الحالتين لامتلاكه قواعد الاستراتيجية العسكرية في العالم، والتي تدرّس اليوم لقادة الجيوش في الكليات العسكرية.

لكن الحركة الإسلامية الحديثة تبدو عشوائية بلا تخطيط لاستراتيجياتها، رغم اعتماد الدعوة النبوية على تخطيط محكم وفكر استراتيجي مبدع انتقل بها من القلة إلى الكثرة، واعتمدت مرحلة استراتيجية طويلة لبناء الإنسان في مكة، واستراتيجية أخرى لتحقيق الحكم في المدينة والانتقال إلى بناء الدولة والحفاظ عليها أو الدفاع عنها والتوسع بقوتها وامتدادها إلى بناء الأمة.

تبدو الحركة الإسلامية الحديثة عشوائية -حتى اللحظة- ومن أمثلة هذه العشوائية اتخاذ وضعية رد الفعل على العنف بالعنف دونما سياق استراتيجي، مما أدى للوقوع في أخطاء كارثية استراتيجيا، فضلا عن الأخطاء العقائدية، فألحقت هذه الأخطاء الكارثية من الضرر بالحلفاء والمجتمعات والنفس أكثر مما أضرت بالخصوم والأعداء الحقيقيين.

ومن العشوائية عدم تحديد الخصوم ودرجات العداء معهم، والتنقل بين الخصوم وكأنهم حلفاء أو محايدون، وعدم الإدراك لطبيعة التغيير السلمي ومنهجيته في تبني استراتيجية طويلة المدى وفق أولويات وخطط مرحلية في السياسة والإعلام ..إلخ.

الأخطاء الاستراتيجية .. ملامح مهمة

يحتاج الأمر إلى بحوث ودراسات تسبر غور تلك الظاهرة التي باتت تشكل تاريخ المنطقة أو تحدد مساراتها، لكن ثمة ملامح عامة يمكن ملاحظتها وقد تصلح عناوين رئيسية للبحث والتأمل.

وأول الملامح الاستراتيجية لأخطاء الإسلاميين، تتمثل في عدم تقدير قوة الخصوم. ففي كل التجارب تقريبا كان الملاحظ هو افتقاد الإدراك الصحيح بمضمون القوة الكلية أو الشاملة للخصم، بتسلسل تحالفاته الداخلية والخارجية وبنوع ومعطيات قوته ومدى فعاليتها في صناعة التغيير والحسم والانقضاض على الخصم في وقت الحديث عن التحالف معه.

لقد كان بارزا دوما عدم إدراك الحركة الإسلامية أن للخصوم قوى داعمة في الخارج، أو أن تلك القوى تقف استراتيجيا بكل ما أوتيت من علم وقوة إلى جانب خصوم الحركة الإسلامية وعلى أساس عقائدي واستراتيجي ثابت لا يتغير أو يتبدل أبدا، وأن كثيرا من تلك القوى الداخلية لا تعمل إلا كوكيل للقوى الخارجية، وهو ما يوسع أفق المعركة الاستراتيجية ويتطلب إعادة حسابات عوامل القوة والضعف بين معسكري الصراع.

جرى التعامل مع الخصوم بقياس قوتهم الداخلية أو المحلية أو بقياس شعبيتهم وجماهيريتهم مقارنة بجماهيرية الإسلاميين، دون إدراك أن خصومَ الخارج أصحابُ مهارات استعمارية خداعية وتضليلية تعطيهم القدرة الفائقة على المرونة في الحركة الخداعية، وأن القوى العظمى قد تضطر إلى إبداء قدر من التفهم أوالتفاهم الخادع أو الكاذب مع الإسلاميين ريثما يتمكن الآخرون من رقابهم!

والقوى العظمى تعرف أعداءها الإسلاميين جيدا –بل أكثر من معرفة الإسلاميين بأنفسهم- ووفق معايير عقائدية لا سياسية فقط، وتملك رؤية واضحة بمساندة وكلائها في داخل المجتمعات الإسلامية وإلى أبعد الحدود ودون مواربة في لحظات الحسم، إلى درجة منح أدوات القوة الاستراتيجية لهم.

وثاني ملامح الأخطاء الاستراتيجية، عدم فهم وإدراك طبيعة المرحلة الاستعمارية التي يجري التعامل معها في كل مرحلة من مراحل التأسيس وطبيعة الاستراتيجيات المضادة بأبعادها الدولية والداخلية.

لقد جرت الدورة الاستراتيجية الأولى للصراع خلال إعادة تأسيس أوضاع المجتمعات ونظم الحكم عقب ضعف الاستعمار القديم بعد الحرب العالمية الثانية، وكان المستعمرون في وضع الاضطراب والتضاد بما فتح مساحات للحركات الوطنية والإسلامية لم يجر استثمارها بشكل كامل لمعطيات وظروف يطول شرحها، والمهم الآن أن المرحلة الراهنة من إعادة التأسيس لم تدرس أبعادها وأجواؤها الدولية بشكل سليم، مما أوقع الإسلاميين في حسابات ورهانات استراتيجية خاطئة وربما ساذجة، على صعيد العلاقات مع الدول الكبرى بعد الوصول للسلطة أو قبيل تلك اللحظة، إذ لم يجرِ فهم طبيعة محددات وقواعد الخلافات والصراعات بين الدول ومدى سيطرة الغرب على القرار الدولي وما يتمتع به من أدوات استراتيجية في مواجهة محاولات الدول الأخرى المنافسة واللعب داخل حدود نفوذ الدول الرئيسية.

ويمكن القول بأن الحركة الإسلامية لم تدرك ولم تحدد طبيعة الحقبة الاستعمارية الراهنة ومدى تحولها إلى نمط مفتوح من الإبادة الحضارية، ولم تدرك مدى ما حققت الدول الكبرى من اختراقات داخل الدول وعلى صعيد الشرائح المجتمعية وعلى صعيد البناء الاقتصادي في داخل الدول ..إلخ.

وثالث ملامح الأخطاء الاستراتيجية، يتمثل في عدم فهم وإدراك الإسلاميين دور الإعلام الحاسم والحروب الفكرية التي يشنها الإعلام، والحرب النفسية التي يمارسها، ودور هذا السلاح الاستراتيجي في التضليل والخداع وتغيير الشعبية والجماهرية وتهيئة أجواء المجتمعات لإحداث التغييرات. وأن الدول الكبرى تسيطر بشكل حاسم على الإعلام الدولي والمحلي في المنطقة، وأنها تعمل منذ سنوات طوال لامتلاك هذه السيطرة، ليس فقط على صعيد الأدوات التقنية، بل على صعيد القواعد والأسس القانونية لامتلاك المحطات والصحف والمواقع، والأهم أنهم وضعوا مسبقا مختلف النظريات والخطط الإعلامية المتناسبة مع طبيعة التعليم والتركيب النفسي لمجتمعاتنا نحن! وجهزوا آلاف الرسائل الإعلامية التي أعدتها كوادر متخصصة وشديدة التدريب في معامل إعلامية سخرت لها مختلف القدرات والكفاءات.

ورابع ملامح الأخطاء الاستراتيجية، تمثل في عدم فهم وإدراك أهمية دور تدريب وتطوير الكوادر الإسلامية علميا وعمليا في صناعة النصر وتحقيق القدرة على الحكم. وقد ظهر الأمر جليا خلال حراك الربيع في عدم القدرة على إعداد خطط عامة ينتج عنها خطط تفصيلية للتعامل مع القضايا المجتمعية وقضايا جهاز الدولة والحكم، وقضايا إدارة الصراعات وفق لا مركزية الأداء الخططي، فظهرت الحركة الإسلامية أو من وصل منها للحكم وكأنه ارتدى جلبابا واسعاً لا يتناسب مع جسده النحيل في مجال الخبرة بالشأن العام.

وخامس ملامح الأخطاء الاستراتيجية، يتمثل في عدم إدراك ضرورة حشد أوسع القوى في كل وقت وأن النجاح لا يتحقق بمعطيات القوة الذاتية وحدها. وتلك قصة طويلة معقدة، ففي جانب منها لم يدرك الإسلاميون أن التحالفات تبنى على أساس المواقف السياسية لا العقائدية ولا الأيديولوجية، كما لم يدرك الإسلاميون أن النصر حليف من يتمكن من تحقيق الاقتراب أو السيطرة أو التحالف مع القوى المذبذبة بين طرفي كل صراع في المجتمعات وعلى الصعيد الدولي، وأن تحقيق هذا الهدف هو العامل الحاسم في إدارة الصراعات وتحقيق عزل الخصوم، وأن ضعف شعبية خصومهم كان يجب أن تترجم في تشكيل توافقات مع القوى الاخرى لمنع عبورها إلى الطرف الآخر كقوى داعمه له. وقد تبدى أنه لم تكن ثمة دراسات أصلا للقوى السياسية والكتل والفئات الاجتماعية في المجتمعات التي شهدت صراعات الربيع.

وبذلك أصبح الإسلاميون في وضع من يحمل الصخرة ويدفعها إلى الأعلى دون أن يهيئ لها المكان الذي تستقر عليه في الأعلى.

وأصبح الإسلاميون في وضع من يجري توظيفه مِن قِبل مَن هو أضعف منه، ليخرج بالخسائر دون المكاسب، وليخسر المزيد منها في المرحلة التالية!

  • قراءة 355 مرات
الدخول للتعليق