شرعنة الوصاية الإيرانية على العراق

د.سالم حميد

شرعنة الوصاية الإيرانية على العراق

 

يجول قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، اللواء قاسم سليماني، منذ فترة في العراق، ويتكرر ظهوره كما لو أنه حاكم عسكري فعلي للعراق. وبعد أن تزايدت التساؤلات المستنكرة لجولات سليماني وتعمده التقاط الصور إلى جوار تجمعات المليشيات الطائفية المسلحة، ظهر وزير الخارجية العراقي إبراهيم الجعفري أخيراً بتصريح نستنتج منه أن الحكومة العراقية، وبدلاً من الدفاع (ولو شكلياً على الأقل) عن السيادة الرمزية للعراق ونفي التدخل الإيراني في شؤونه، ذهبت هذه المرة على لسان وزير خارجيتها لشرعنة التدخل الإيراني صراحة وإضفاء طابع استشاري رسمي على تطفل سليماني وتزايد نفوذ الحرس الإيراني في العراق.

وتناقلت وسائل الإعلام باندهاش قول الجعفري بأن سليماني يعمل مستشاراً للحكومة العراقية، وبخاصة أن ظهوره المتكرر ارتبط بتشكل مليشيات «الحشد الشعبي» التي تأسست بأوامر من المراجع الشيعية واشتهرت بارتكابها جرائم طائفية عنصرية. بينما يبرر البعض ذلك بحجة الاستفادة منها في القضاء على تنظيم «داعش»، في حين أصبحت النخبة العراقية تدرك جيداً أن المستقبل ينبئ باستبدال الإرهاب الداعشي في العراق بإرهاب إيراني أشد ضراوة من خلال تشكيل حرس ثوري في العراق لممارسة القمع وفرض الأجندة الإيرانية بالقوة.

 
 
الحقيقة المسكوت عنها هي أن إيران أصبحت تعتبر العراق بعد انسحاب الولايات المتحدة حديقة خلفية ومساحة لعبث نظام الولي الفقيه، وبالتالي تزايد السعي المحموم لاستنساخ التجربة الإيرانية في العراق بإشراف إيراني مباشر، بما في ذلك تشكيل حرس ثوري عراقي على غرار الحرس الثوري الإيراني. ويرى محللون أن مليشيات «الحشد الشعبي» سوف تكون نواة للحرس الثوري العراقي المتوقع، ما يعني امتلاك إيران ذراعاً عسكرية في العراق من شأنها أن تضغط باتجاه فرض نظام ولاية الفقيه كأمر واقع.

تصريح الجعفري الذي منح سليماني صفة رسمية لتبرير وجوده في العراق، يدق ناقوس الخطر الذي تضاعف أكثر من قبل، وكشف عن التمادي الإيراني ووصوله مرحلة تبرير السلطات العراقية الرسمية وشرعنتها له.

وما لا يعرفه البعض أن الحديث عن السلطة القائمة في العراق يعني بالضرورة الحديث عن لائحة طويلة من الشخصيات التي عاشت معظم سنوات حياتها في إيران أثناء نزوح قيادات سياسية شيعية معارضة للنظام العراقي السابق. وبعد الاحتلال الأميركي للعراق وسقوط نظام صدام حسين عادت تلك الشخصيات من إيران، وشرعت منذ وصولها في بناء عملية سياسية شكلية لا تعيق الأطماع الإيرانية في جعل العراق حقل تجارب لنزوات الملالي وطموحات إلحاق شيعة العراق بشكل نهائي بالمرجعية الفارسية المعادية للعرب.

وما تريده إيران وتسعى إليه هو أن تصبح دولة عظمى تبني مشروعها عبر دول وتنظيمات خارج حدودها، وتعتبر أن نفوذها في العراق يمثل خطوة أولى لربطه بأمنها القومي، وبعد أن باتت تسيطر على قراره السياسي والاقتصادي، ترى أنه من الضروري أن تبسط سيطرتها على مؤسساته العسكرية والأمنية بشكل يضمن وجودها فعلياً على الأرض، وذلك على حساب استقلال العراق وانتمائه لمحيطه العربي.

كل المؤشرات تدل على أن المخطط الإيراني القادم في العراق هو بناء جيش طائفي مذهبي مواز وإعاقة خطوات إعادة بناء الجيش العراقي النظامي، مقابل دعم مشروع «الحرس الثوري العراقي»، والذي يتم بالفعل التحضير لتأسيسه عبر خبراء من الحرس الثوري وعلى رأسهم سليماني.

السيناريو الذي وضعته إيران للعراق يمر بطور التنفيذ منذ تشكيل الميليشيات والجماعات الشيعية المسلحة، أي «الحشد الشعبي»، وهي التسمية التي تم وضعها بمعرفة إيران لإعطاء تلك القوات غير النظامية طابع الوطنية والتمثيل الشعبي الزائف، وتم تدريبها من قبل خبرات إيرانية بحتة، وحقنت بأفكار متشددة طائفياً، وتم شحنها من قبل رجال دين بالولاء المطلق للمرجع الإيراني.

ووفقاً للسيناريو الإيراني، ستكون الخطوة القادمة إعادة هيكلة مجموعات الحشد الشعبي ودمجها تحت مسمى الحرس الثوري، مع ترشيح قادة عراقيين تم تدريبهم وشحنهم في إيران لتولي المناصب القيادية فيها والارتباط مباشرة بسليماني وخامنئي.

  • قراءة 353 مرات
الدخول للتعليق