إيران: التفاوض العدائي!

إيران: التفاوض العدائي!

 طلعت رميح – كاتب مصري

خاص بالراصد

تطرح قضية المفاوضات الحوثية – الإيرانية مع الحكومة الشرعية اليمنية على أرض الكويت، ومن قبلها مفاوضات جنيف 1 وجنيف 2، ما سبق أن طرحته المفاوضات بين بشار وإيران من جهة، والثوار السوريين من جهة أخرى. وكلا الحالتين تعيدان طرح وكشف أبعاد الطرق التفاوضية التي مورست بالعراق في ظل الاحتلال الإيراني الأمريكي، فضلا عن أنها تطلق أضواء كاشفة لسلوك حزب حسن نصر الله في التفاوض حول قضايا رئاسة الجمهورية بلبنان وقوانين الانتخابات وتشكيل الحكومات أو حول القضايا الخلافية والصراعية مع الأطياف أو الطوائف اللبنانية الأخرى.

ولعل أهم ما يميز أو يلخص النموذج الإيراني التفاوضي – بكل تطبيقاته من اليمن إلى سوريا إلى لبنان والعراق- هو ما يمكن وصفه بنمط "التفاوض العدائي"، الذي ينظر للمفاوضات باعتبارها إحدى وسائل أو آليات استمرار مواصلة الصراع القتالي لا إحدى آليات الوصول إلى حلول تحقن الدماء وتحقيق المصالحات الوطنية أو المجتمعية.

تلك التجارب تكشف أن إيران وحلفاءها (أو إيران عبر حلفائها) لا تنظر للعمليات التفاوضية باعتبارها أداة لتحقيق المصالحات الوطنية –كما تفعل الدول العربية في قضايا المصالحة اللبنانية، كما حدث بالطائف اللبناني، أو في حالات المفاوضات بين الفصائل الفلسطينية – بل هي تخوض تلك المفاوضات بهدف قطع الطريق على حدوث المصالحات ولمنع الوصول للسلام الداخلي عبر التسويات المجتمعية ولتهيئة جميع الأجواء السياسية والإعلامية لاستمرار القتال أو الاقتتال والحرب، وهى أنماط تفاوض تجرى متسقة كليا مع نمط الإستراتيجية الإيرانية التي تستهدف استمرار إنهاك المجتمعات الإسلامية وإضعافها وتفكيكها، لتصبح في وضع يسهل فيه تغيير طبيعتها السكانية والعقائدية، تنفيذا للأهداف والمصالح الإيرانية في المنطقة العربية أو لنقُل في دول العالم الإسلامي.

مفاوضات اليمن

تظهر متابعة المفاوضات اليمنية عبر مراحلها المتنقلة، من جنيف 1، جنيف 2، إلى الكويت، كيف تخطط إيران (وهي من يقود الطرف الحوثي ويوجهه) لاستدامة الصراع الحربي والاقتتال في اليمن لا لإنهائه عبر الحالات المعروفة في المفاوضات من الوصول إلى مساومات وتقسيم المصالح وتقديم التنازلات المشتركة، فقد مارس الحوثيون كل الألاعيب لمنع انعقاد المفاوضات من الأصل، وقد أصبح مشتهرا ومحيرا –بل ومضحكا أيضا-كيف وصل وفد الحوثيين إلى جنيف 1 ليرفض دخول قاعة التفاوض، وكيف أمضى هذا الوفد وقته في التسوق هناك، وتكررت هذه الألاعيب في جنيف 2، إذ شهدت تغييرا في التكتيك إذ جرى الانتقال من حالة رفض التفاوض إلى حالة تعطيل التفاوض! أما في الكويت فجرت ألاعيب تأخير وصول الوفد –ليجلس الوفد الشرعي في انتظار وصول وفد الحوثيين – وبعد بدء التفاوض جرى الحديث عن انتظار التعليمات تارة وعن رفض جدول الأعمال تارة أخرى.

وكان اللافت الواضح في تجربة التفاوض في اليمن –بغضّ النظر عن نتائج جولة الكويت- هو أن ألاعيب التفاوض كانت جارية، فيما الحوثيون يخرقون الهدنة ويواصلون القتال، كما ظهر أيضا كيف أنهم حاولوا توظيف المفاوضات لفتح المجالات لتعميق الأعمال القتالية لمصلحتهم، عبر تحييد طيران التحالف بما يمنحهم الفرصة لتركيز الجهد العسكري على المقاومة وقوات الشرعية، وهو أمر يفهم أكثر حين نعود إلى مفاوضات الحروب الست السابقة في اليمن، إذ لم تنه حالة التفاوض مع الحكم القائم وقتها، حالة الحرب الأولى، إلا بقدر ما يسمح الوقت للإعداد لإشعال الحرب الثانية وهكذا الحال حتى وصلنا إلى الحرب السابعة.

التفاوض في سوريا

وفى حالة التفاوض في سوريا، فنحن أمام نموذج واضح من الإصرار على مواصلة القتال والحرب الأهلية والطائفية والعمل لأجل التقسيم والتفتيت، حتى يمكن القول بأن إيران لا تسعى حتى لانتصار الأسد، بقدر ما تسعى لإدامة حالة القتال والاحتراب والحرب!.

لقد سعت إيران إلى تغيير نمط الصراع في سوريا لتحوله من ثورة شعب ضد حاكم طاغية إلى صراع أهلي وحرب طائفية، إذ كان جوهر تدخلها هو لمنع انتصار الثوار من جهة، ولتغيير جوهر الصراع من حالة ثورة إلى وضعية صراع طائفي، كما عملت على إدامة هذا الصراع والاقتتال عبر الدفع بشكل متواتر بميلشياتها في عموم الإقليم لتعزز حالة الحرب الطائفية ولترفع الصراع الطائفي من المحلية إلى الإقليمية، وهي وقفت ضد فكرة المفاوضات، وحين فرضت عليها وقفت منها عمليا موقف المانع لتحريكها باتجاه الحل، حتى أن الروس ضجوا من تصرفات بشار بطريقه أو بأخرى وأبرزوا خلافا مع إيران بشأن هذه المفاوضات.

وهنا لا يبدو الأمر غريبا بل هو فكر وسلوك مرتبط بشكل مباشر ويمثل ترجمة فورية جاهزة، للمصالح الإيرانية، ولذا قيل إن إيران تهتم بالبعد المجتمعي وبتحويل نيران الحرب إلى أداة تغيير المجتمع ونقله إلى وضعية المربعات الجغرافية للتخندق الطائفي، لا كأداة لتحقيق انتصار النظام، وهي ركزت جهدها خلف تشكيل حزب سوري شبيه بتجربة نصر الله –كأداة لإدامة الصراع داخل المجتمع- وهي من مارست أعمال الخنق والحصار والتهجير على السكان السنة –بل كانت خلف فرض نفس الحالة على السكان الشيعة عبر التفاوض باسمهم- لتغيير التركيبة الديموغرافية، أو هي جعلت التفاوض نمطا من أنماط إدامة الصراعات عبر تقسيم القرى والمناطق الجغرافية تقسيما طائفيا، لقد كان لافتا أن إيران دخلت على خطوط التفاوض المباشر بشأن المناطق المحاصرة -فيما غاب نظام بشار- حيث تقدم مفاوضوها برؤية مقايضة جغرافية تقوم على نقل السكان السنة إلى مناطق أخرى والشيعة إلى مناطق أخرى، تصب تحركاتها ضمن ما عرف بسوريا المفيدة وفق وصف بشار فيما بعد.

التفاوض في لبنان

وتظهر تجربة نصر الله -ومن خلفه إيران بطبيعة الحال - نفس النمط التفاوضي بآلياته وأهدافه كاملة، لقد كان حزب نصر الله هو صاحب نظرية الثلث المعطل داخل الحكومة اللبنانية، وهو نمط تشاركي فرض ويفرض لاستمرار الصراع وجعله حاله بعيدة عن التوافق ويجعل التفاوض حالة دائمة، وهو حزب لم يعمل لأجل تذليل المشكلات بين الفرقاء والهبوط بمستويات الاحتقان والصراع، إلا في اللحظات التي كان يرى أن الاندفاع نحو الاقتتال سيؤثر على خطة ذهابه إلى مواطن الطلب الإيراني، ولعل أخطر وأهم الكواشف هو دور نصر الله في قضية انتخاب الرئيس اللبناني أو منع انتخابه بالأحرى.

لقد أقدم سعد الحريري على مناورة جاءت كاشفة لموقف نصر الله كليا في هذا الجانب تحديدا، حين رمى الثقل السياسي لأغلبية السنة التصويتية في البرلمان خلف انتخاب سمير فرنجيه الذي هو ماروني من جماعة 8 آذار التي ينتمي لها نصر الله.

هذا القرار أظهر حقيقة نوايا نصر الله من الوقوف خلف الجنرال عون، إذ بدا نصر الله عاريا من كل غطاء، وأنه يصر على انتخاب عون لأجل إدامة الصراع، إذ فرنجيه ليس إلا من خلصاء النظام السوري في لبنان، وهو يجاهر بذلك ولا يخفيه.

ومن تابع كل اللقاءات التي يجريها نصر الله ورجاله مع الأطراف اللبنانية – وكذا خطابات نصر الله حول القضايا الداخلية والخارجية- يجدها لقاءات وخطابات تسعى لتعميق الانقسامات داخل المجتمع اللبناني وتحويلها إلى حالة صراعية متعادية مستمرة متواصلة، بل يجد المجهود الرئيسي للحزب وميلشياته هو في هذا الاتجاه، فيما حالات التفاوض هي حالات يجري اللجوء إليها فقط لقطع الطريق على توافقات الأطراف اللبنانية ولاستمرار حالات الاحتقان.

التفاوض في العراق

تبدو الحالة العراقية حالة خاصة في عمليات التفاوض الإيرانية، إذ يعيش العراق وضعية ازدواج الاحتلال، بين ما هو أمريكي وما هو إيراني، بما يجعل التفاوض يجري حول أسس محددة بين الطرفين الإيراني والأمريكي، وبذلك لا يبدو الأمر صراعا تفاوضيا أبدا باعتباره محكوما باتفاقات وتوافقات يلتزم بها طرفا الاحتلال.

غير أن نمطا آخر من التفاوض كان يجري دوما بين الأطراف العراقية سواء تلك المشاركة في العملية السياسية أو تلك التي كانت في خارج إطارها، وهنا لاحظ المتابعون أن إيران كانت تدفع الميلشيات الأشد ارتباطا بها إلى هذا النمط من التفاوض العدائي، هذا إن حصل مثل هذا التفاوض أصلا.

وأهم الأمثلة والنماذج هو ما حدث خلال موجة الاعتصامات التي اجتاحت المحافظات السنية، في تلك الحالة أعلنت إيران ومن مثّلها في قمة السلطة التنفيذية –أي نوري المالكي- أن لا تفاوض مع المعتصمين وأن عليهم أن ينهوا الاعتصام والتظاهر السلمي وإلا أنهاهم بالقوة المسلحة، وهو ما حدث فيما بعد حيث تم استخدام أسلحة القتال في الميدان وسيلة للتفاوض مع المعتصمين السلميين السنة، إذ قام بقصف المتظاهرين بالمدفعية والأسلحة الثقيلة، ما يبرز حقيقة طريقة تفاوض إيران التي تعتمد قاعدة لا تفاوض حين يمكن استخدام السلاح لقتل من يطلب التفاوض وإن بشكل سلمي، وأن التفاوض إن جرى فهدفه الوصول إلى حالة شرعنة أو تبرير استخدام القوة، لا الوصول إلى مصالحات مجتمعية وتسويات تحقق استقرار الدول.

النمط الإيراني في التفاوض

يمكن القول باختصار، إن إيران تعتمد ذات الإستراتيجية المعتمدة لدى الكيان الصهيوني، في المفاوضات، وتزيد عليها حالة عدوانية من نمط آخر.

ومن يراجع تجارب المفاوضات الفلسطينية الصهيونية أو السورية الصهيونية أو المصرية، أو غيرها يجدها تظهر كيف تجعل القيادات الصهيونية، التفاوض أداة لاستمرار الصراع والقتال، وكيف أنها منعت وصول أية مفاوضات إلى حالة إغلاق لأي من الملفات أبدا، لكي تظل أسباب الصراع والحرب قائمة.

وهو ما ارتبط بطبيعة الأهداف الصهيونية التي تنظر لكل تفاوض باعتباره أداة تحقيق وضع مؤقت إذ الاستراتيجية الصهيونية تستهدف استمرار الحرب حتى تحقيق هدف السيطرة على الأراضي الواقعة بين النيل والفرات، وكذلك تجرى إيران (ومن يرتبط بها في العراق وسوريا واليمن ولبنان) مفاوضاتها، إذ هي لا تغلق أيا من الملفات أبدا، حتى وصل عدد الحروب في اليمن سبع حروب، وكذلك تواصلت الحرب في سوريا لخمس سنوات، وفي العراق لا يزال حال الصراع والحرب جاريا منذ احتلاله، وهكذا الحال في لبنان، إذ منذ أن امتدت يد إيران إلى لبنان وشكلت حزب نصر الله، وهذا البلد لا يعرف الهدوء أو التوافق أبدا.

وإذا كانت النظرية الصهيونية للمفاوضات تقوم على فكرة العداء الأيديولوجي والديني، كما هي عنوان لصراع بين مشروعين على أرض واحدة لا تقبل القسمة على اثنين، فإيران بدورها تمارس المفاوضات من ذات الخلفية، وقد كان لافتا مثلا أن تحدث الصهاينة خلال مفاوضاتهم مع مصر عن مزارات صهيونية في سيناء، وكذلك بررت إيران ونصر الله تدخلهم العسكري في سوريا بوجود مزارات ومراقد شيعية فيها!!

وفى المفاوضات العراقية والسورية، نماذج متكررة لحالة "مسمار جحا" الذي تدقه إيران في كل مفاوضات لكي يستمر القتال والتطاحن ولكي تنقلب أعمال الهدنة والتوقف عن القتال إلى وضعية الإعداد لقتال جديد ..إلخ.

غير أن الاستراتيجية الإيرانية تتمايز على الصهيونية، في أنها مفاوضات ضمن منظومة عمل قتالي يستهدف تغيير الإنسان لا تهجيره فقط –كما الحال في الاستراتيجيات الصهيونية- وهناك نظرية تتحدث عن نار الحرب التي تصهر الإنسان عقديا –عبر وخلال الحروب- مثلما تفعل النار في الحديد.

تقوم استراتيجية إيران في التفاوض –والتفاوض أحد أدوات تحقيق أهداف السياسة والحرب- على تغيير الإنسان عقائديا ونقله من التسنن إلى التشيع، وذلك هو المختلف بين الاستراتيجيتين الإيرانية والصهيونية.

هذا النمط الإيراني في فهم التفاوض، يقف خلف استمرار الحرب أو خلف تحويل المفاوضات داخل المجتمعات من نمط التفاوض لأجل الوحدة أو بناء مجتمعات تعددية إلى نمط من أنماط مواصلة الحرب والاقتتال الدائم.

هو نمط عدواني من المفاوضات وهو نمط لا يسعى لوقف الحروب بل لإدامتها، والإنسان فيه مستهدف بالتغيير لا بالقتل أو التهجير فقط.

  • قراءة 357 مرات
الدخول للتعليق