انتشال العراق من مستنقع الطائفية

انتشال العراق من مستنقع 

الطائفية

© Sputnik. Igor Michalev

انتشال العراق من مستنقع الطائفية

 
بغداد
عامر راشد

التحذيرات من حرب طائفية شيعية - شيعية في العراق تعكس حدّة المأزق الذي وصلت الحالة العراقية إليه ولا يمكن الخروج منه إلا بالخروج من دوامة المحاصصة الطائفية، وبناء دولة مواطنة تقوم على الديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية والشفافية.

لا ينبغي التقليل من خطورة الصدامات التي شهدتها المنطقة الخضراء في بغداد، يوم الجمعة الماضي، بين الوحدات الأمنية المكلفة بحماية المنطقة ومتظاهرين من أنصار زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، اقتحموا مبنى الحكومة، فالمظاهرات والاحتجاجات المستمرة منذ عدة أشهر، والتي زادت سخونتها في الأسابيع القليلة الماضية، كشفت عن حالة احتقان شديدة يعيشها الشارع العراقي، وبدأت تصل إلى درجة الغليان، جراء تدهور الخدمات والأوضاع المعيشية، وتداعيات الصراعات السياسية والحزبية — بإبعادها الطائفية والإثنية — على عمل الحكومة والبرلمان، والمخاوف من أن يؤدي ذلك إلى انهيار العملية السياسية والأوضاع العسكرية الرسمية.

غير أنه يجب النظر إلى تلك الأحداث من منظور صحيح، لمعرفة أسبابها ووضع حلول لها، منعاً لتكرارها وتصاعدها نحو مواجهات عنيفة بين أنصار الزعيم الصدر وأنصار "منظمة بدر"، فخروج المتظاهرين إلى الشوارع منطلقه الاحتجاج على نظام المحاصصة الطائفية والإثنية، الذي فرضه الاحتلال الأميركي، وكان الشرارة لمواجهات عنف واسعة بين الشيعة والسنة، رفضت إدارة بوش الابن تصنيفها كـ"حرب أهلية" أو "حرب طائفية"، بل اعتبرتها "موجات عنف طائفي"، رغم أن المعايير المعتمدة دولياً تؤكد أن ما وقع في العراق 2006- 2007 يعد شكلاً من أشكال الحرب الأهلية، وظهرت فيه الدولة العراقية، برئاسة نوري المالكي (آنذاك) كدولة فاشلة، وثبت فشلها على نحو قاطع في تعاطيها مع أحداث صيف عام 2014، حين استولى تنظيم "داعش" على الموصل وتمدد إلى ما يقارب سدس الأراضي العراقية.

موقف الأمم المتحدة كان مختلفاً حينها، حيث اعتبرت على لسان أمينها العام السابق، كوفي عنان، أن "ما يجري في العراق حرب أهلية، بل أنها أسوأ من الحرب الأهلية"،  ويشار هنا إلى أن الإدارة الأميركية اتبعت أكثر من تكتيك، فقد حاولت على الدوام الاحتفاظ بخط رجعة، بتحذيرها من انزلاق العراق نحو حرب أهلية، وتحوله إلى دولة فاشلة، بما يقود إلى أن يصبح بؤرة لزعزعة الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة. أما اليوم فالمعادلة مختلفة تماماً، إذ أن غالبية القوى السياسية والحزبية تجمع على التحذير من انهيار الأوضاع السياسية والعسكرية، ودخول البلاد مرة ثانية في نفق مواجهات عنف طائفية، وعلى وجه التحديد صراع شيعي — شيعي، من بين الأصوات التي حذَّرت منه هادي العامري زعيم "منظمة بدر" (ميليشيا مسلحة) وأحد قادة "الحشد الشعبي"، ذي الصبغة الطائفية الشيعية والذي يقاتل إلى جانب الجيش ضد تنظيم "داعش".

من المؤشرات على ازدياد منسوب التوتر الإجراءات الأمنية المشددة، التي طبقت في بغداد يوم السبت، ونشر ميليشيا "منظمة بدر" مسلحين تابعين لها في المدينة، وإلى جانبهم مسلحين من الميليشيات المتحالفة معهم، وفي المقابل قامت "سرايا السلام" المسلحة التابعة للزعيم الصدر بنشر مقاتلين لها، وسط توقعات بقرب حدوث مواجهة جديدة في المنطقة الخضراء، إذا لم تستجب حكومة حيدر العبادي لمطالب المحتجين، وعلى رأسها التغيير السياسي وإعادة هيكلة الحكومة ومكافحة الفساد. حيث اعتبر المتحدث باسم زعيم التيار الصدري علي سميسم أن "انسحاب المتظاهرين من المنطقة الخضراء موقت، وهي فرصة أخيرة لرئيس الوزراء حيدر العبادي لإجراء الإصلاحات وتشكيل حكومة تكنوقراط ومحاسبة الفاسدين".

مطالب تتقاطع مع مطالب "التيار المدني" الذي بدأ المظاهرات ضد حكومة نوري المالكي، وعاد للتظاهر ضد حكومة حيدر العبادي، بيد أن مطالب "التيار المدني" أكثر جذرية ووضوحاً، برفعه شعار "ساحات الاحتجاج مفتوحة للجميع لمحاربة الفساد، والمطالبة بحكومة نزيهة بعيدة عن المحاصصات الطائفية أو العرقية أو المذهبية.."، لأنه لا يمكن وأد مخاوف الحرب الأهلية والانتصار على "داعش"، وقوى التطرف الأخرى بصرف النظر عن هويتها الطائفية والمذهبية، إلا بإنهاء نظام المحاصصة الطائفية والإثنية، وبناء دولة مواطنة تقوم على الديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية والشفافية، لإخراج العراق من مستنقع العنف والعنف المضاد، والفساد المستشري، والاحتقان السياسي والمجتمعي.

(المقالة تعبر عن رأي كاتبها)

  • قراءة 351 مرات
الدخول للتعليق