عن كوابح الثورة في العراق

عن كوابح الثورة في العراق

جمال محمد تقي

لا ننتظر خيرا ولا إصلاحا من الذي باع نفسه ووطنه مقابل كراسي السلطة الهشة، ومن الذي أيقض الفتن لدوام جلوسه على تلك الكراسي، فلا إصلاح حقيقي ولا تغيير حقيقي من زمر وعصابات التحرير الأمريكي الإيراني للعراق مهما تمسكن وتلون رموزها. 
كل شيء في العراق يسير من سيئ إلى أسوأ، سياسيا واقتصاديا وأمنيا وصحيا وتعليميا وخدميا، وكأن البلاد تنحدر من الأعلى إلى الأسفل وبوتائر مختلفة الشدة، واختلاف شدتها لا يغير من حقيقة انحدارها المتواصل والمتواتر، إفلاس مالي، وسرقات واهدارات بالمليارات، 1000 مليار دولار دخلت العراق منذ 2003 وحتى الآن، خاصة أن النصف الأخير من تلك الفترة شهد ارتفاعا قياسيا في أسعار النفط حتى وصل إلى 100 دولار للبرميل الواحد، والعراق وقتها يصدر ما لا يقل عن 5. 2 مليون برميل يوميا، والنتيجة كارثية، استدانة من البنوك الدولية وبشروط مجحفة وفوائد عالية، رئيس الوزراء العبادي ووزير ماليته المتخم هوشيار زيباري يطالبون الناس بشد الحزام، ولا يحركون ساكنا تجاه حيتان السلطة وحواشيها التي تجاوزت كل الارقام القياسية وكل الحدود بتماديها وترهلها وجشعها. 
ماذا بقي إذا أصبح أكثر من 30٪ من سكان العراق تحت خط الفقر، وتجاوزت نسبة البطالة الفعلية في عموم البلاد 35٪، ونسبة الأمية ارتفعت لتصل إلى 20٪. وهنا وفي هذا المضمار تحديدا راحت المنظمات الدولية تدين، حيث أعلنت منظمة اليونسكو واليونسيف أن هناك 6 ملايين أمي في العراق، نصفهم من الأطفال، وأن هذا الرقم يشهد ارتفاعا سريعا، خاصة أن أبناء النازحين من أطفال وشباب، الذين يقدر عددهم بأكثر من ثلاثة ملايين نازح، لا تتوفر لهم فرص مشجعة لمواصلة تعليمهم، وإذا اضيفت لهذه الحالة الطاردة للتعليم معالم الواقع التعليمي المزري في الوسط والجنوب، فإن هناك جيلا كاملا يتجاوز تعداده نصف السكان سيكون محروما من بصيرة القراءة والكتابة.
منظمة الصحة العالمية هي الأخرى تدق جرس الإنذار بدعوتها لوزارة الصحة العراقية بالوقاية من احتمالات عودة الاوبئة المنقرضة، كالطاعون والسل والكوليرا والجذام، الآلاف من شباب العراق يهم بالهجرة الى بلدان اخرى سعيا وراء الأمان والعيش الكريم، ماذا بقي اذن؟
ماذا بقي إذا كان ثلث البلاد محتل من قبل «داعش» والثلثان الباقيان ساحة مفتوحة لفساد واستبداد حكومات الميليشيات المتحكمة ببغداد والمجالس المحلية الأخرى، بما فيها محافظات إقليم كردستان التي يتعامل معها حزبا بارزاني وطالباني على أنها إقطاعيات ووقفيات مسجلة بطابو عوائلهم، قتلى وجرحى من المعترضين والمتظاهرين في السليمانية وحلبجة، وبارزاني يمنع خصومه المنتخبين من دخول أربيل، حتى وصل الأمر بميليشيات البيشمركة البارزانية إلى اعتبار كل دعوة لإزاحة بارزاني عن منصب رئاسة الإقليم حتى بعد انتهاء ولايته، بأنها خيانة عظمى عقوبتها الإعدام؟ ماذا بقي إذا كان الجفاف وانقطاع الكهرباء كل صيف وغرق الشوارع والبيوت بمياه الامطار كل شتاء سمة من سمات عصر التحرير الامريكي للعراق؟ ماذا بقي إذا انكشفت كل اقنعة رجالات العهد الجديد، وكان خيرهم إما جاسوسا أو مرتزقا أو مهربا للآثار، أو لصا للبنوك أو سياسيا فاشلا؟ أماذا بقي اذا كان يمينهم ويسارهم افنديهم ومعممهم شريكا في جريمة التحريض على غزو العراق، وإدامة الحصار عليه، ودليلا للمحتلين على العراق وخيرة رجاله من الكفاءات العلمية والطبية والعسكرية؟ ماذا بقي إذا هم انفسهم الخصوم والحكام وهم انفسهم من يدير عمليات الانتخاب والإرهاب وغلق وفتح الباب؟ 
إذا كان المال السائب يعلم السرقة، فإن أموال شعب العراق ليست بالسائبة، اذن من يسرقها هو متعلم ومتعمد السرقة، واذا كان سارقها هو الحاكم نفسه، تنطبق عليه مقولة «حاميها حراميها»، إذن ماذا بقي بعد هذا كله بعد ان اصبح الحاكم نفسه لصا سائبا يعتبر السلطة مغارة علي بابا؟ ماذا بقي ليثور الشعب انتقاما لحاضره وضمانا لمستقبله، ليسترد كرامته وأمواله وحقوقه، وأولها حقه في الحياة الحرة الكريمة، حقه بتكافؤ الفرص، حقه بالسكن اللائق، حقه بالعمل، حقه بالتعليم والصحة، حقه بالخدمات التي تتناسب مع موارد البلد، حقه بالأمن والأمان، حقه بالمساواة أمام القانون، حقه بالتعبير، حقه باختيار العقيدة التي يؤمن بها، وبالمختصر المفيد حقه كإنسان يعيش في القرن الواحد والعشرين؟
العوامل الذاتية والموضوعية تتراكم، وعند البعض وصلت ذروتها، وهم في ثورة حقيقية ضد الوضع القائم بمجمله ومكامن قوتها إنها تستحضر الحالة الوطنية لما قبل سقوط الدولة العراقية بيد الاحتلالين الأمريكي والإيراني، لكن الأكثرية مازالت تحبو وتتخـــبط، وما يشتت تركيزها واندفاعلها تنوع وتشابك أذرع الكوابح التي تبطئ وتعطل حركة عجلة الثورة المقبلة لا محال. 
غياب وتغييب التنظيمات الوطنية الشاملة، غياب الجيش الوطني الجامع ذي الخدمة الإلزامية، غياب المرجعيات الوطنية الشاملة، غياب المنظمات المهنية والنقابية ذات الأطر الوطنية الفاعلة والمستقلة والموحدة، كنقابات العمال والنقابات المهنية والمنظمات الاهلية كالشباب والطلبة والنساء، فمثلا كل أحزاب العملية السياسية، إما طائفية «كحزب الدعوة والحزب الإسلامي والمجلس الاسلامي الأعلى والتيار الصدري والفضيلة وبدر» وغيرها، وإما إثنية كالاحزاب الكردية والتركمانية وغيرها، وإما جماعات ذيلية او ليبرالية او براغماتية أو طفيلية مدعية، أو كلها معا، وليس لها بعد وطني جامع وبجذور إما طائفية أو يسارية انتهازية، كالجلبي وعلاوي ومهدي الحافظ ومثال الالوسي وانتفاض قنبر وحميد مجيد موسى، ونذكر هنا مثلا حزب الأمة لمثال الالوسي الذي خرج من عباءة حزب المؤتمر للجلبي، وهكذا الحال بالنسبة لانتفاض قنبر الذي خرج هو الآخر بحزب جديد عن حزب الجلبي، أما إياد علاوي وحركة الوفاق فهما اقرب الى تجمع سياسي منه الى حزب، وأما الحزب الشيوعي «الشيعي» على اعتبار انه دخل بهذه الصفة لمجلس حكم بريمر، فهو تجمع لبقايا الحزب الشيوعي العراقي القديم الذي انقسم بدوره الى حزب شيوعي كردستاني وعربستاني، وهو حاليا مجرد اسم بلا مضمون وطني وطبقي حقيقي. هناك تنظيمات عراقية وطنية شاملة خارج العملية السياسية القائمة، فيها القومي والاسلامي الليبرالي واليساري لكن اغلبها مقموع، واغلبها خارج العراق، ولبعضها اجنحة عسكرية، وهذا الواقع سيدفع بالقوى الناقمة على فساد العملية السياسية القائمة ايجاد بدائل وطنية شاملة ومعلنة داخل العراق وضاغطة باتجاه انبثاق عملية سياسية وطنية لا تقوم إلا على أساس المواطنة الحرة، بعيدا عن متاهة المكونات الطائفية والعرقية، عراق مستقل موحد قوي بجيشه الوطني وتعدديته الثرة وثقافته العربية الإســـلامية المتنورة والمنفتحة. إن وجود مراجع شيعية مؤثرة تحاول تبرئة نفسها مما انكشف من نتائج كارثية، نتيجة تماهيها مع احتلال العراق ومع التمرير غير الشرعي للدستور الجديد، من خلال محاولتها الآن الظهور بمظهر الرافض وركوب موجة الاصلاح ولي عنقه، لكي لا يشمل جوهر العملية السياسية القائمة، التي ترسخ حكم الطائفة على حساب الوطنية العراقية، هو كابح جوهري بلا مواربة، وعليه فإن اعتبار مرجعية المتظاهرين هي المراجع الشيعية في النجف وكربلاء، هو احد اهم كوابح الانطلاقة الثورية الوطنية الشاملة، لأنها ستكون في النهاية صاحبة القول الفصل في عدم انفلات زمام الحكم من البيت الشيعي ورموزه الحاكمة، وانتقاله لأي جهة اخرى لا تجسد جسدا وروحا الا روح البيت العراقي وبدون اي تمييز، وحتى لو حققت تلك الجهة نسبة عالية من التصويت تفوق نسبة الآخرين.

٭ كاتب عراقي

جمال محمد تقي

  • قراءة 470 مرات
الدخول للتعليق