ما بني على باطل فهو باطل – العراق نموذجا

ما بني على باطل فهو باطل – العراق نموذجا

حسن العطار

 

 

الجذور الفكرية لمقولة «ما بنى على باطل فهو باطل» من الناحية التاريخية، إلى علم المنطق، وهى نتيجة من نتائجه، إذ يقتضى التفكير المنطقى السليم المجرد، أن يكون أساس التصرفات الفعلية والقولية صحيحا حتى تنتج آثارها الشرعية أو القانونية، والأساس هو القاعدة التى تبنى عليها الأشياء المادية والمعنوية، فإن شاب ذلك الأساس عيب أو عدم مشروعية، كان باطلا، ومنعدما شرعا وقانونا، ولا أثر له ولا يـفيد حكما، ويقتضى منطق البطلان إعادة الحال إلى ما كانت عليه أصلا إن كان ذلك ممكنا، فإن الباطل هو نقيض الحق. 

لم يكن الهدف من احتلال العراق عام 2003م من قبل الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا هو اسقاط نظام "صدام حسين" فقط، بل كان الهدف الحقيقي والأهم هو اسقاط العراق وانهاء دوره كدولة محورية في الشرق الأوسط.
لهذا، كانت أولى الأوامر التي اصدرها "بول بريمر" كرئيس لسلطة التحالف المؤقتة هي منع اعضاء حزب البعث من تقلد مناصب عامة، وحل الجيش العراقي وتفكيك الأجهزة الأمنية. وخلال اشهر قليلة اندلعت في العراق واحدة من اعنف حركات التمرد في العصر الحديث، حيث انزلق العراق في الفوضى العارمة التي زعزعت استقراره الأمني والاجتماعي حتى يومنا هذا. وفي احدى المقابلات بعد انتهاء مهمته، اعترف "بريمر" أن قرار حل الجيش العراقي أقرته الحكومتان الأمريكية والبريطانية.
اثبتت الأحزاب السياسية العراقية الحالية انها كيانات لا تؤمن بالديمقراطية، مارست العنف بكل انواعه واساليبه ضد بعضها البعض، ولا ترى في اللعبة الديمقراطية سوى التزام مؤقت، وسلم تصل به الى السلطة، لذلك ابقت على اجنحتها العسكرية لاستخدامها وقت الحاجة. والاحزاب التي لم يكن لديها اجنحة عسكرية منذ تأسيسها عملت منذ عام 2003م على إنشاء اجنحتها العسكرية بمساعدة بعض دول الجوار العربي والاقليمي. كما ان هذه القوى السياسية لديها رجالها داخل الأجهزة العسكرية والأمنية والاستخباراتية الرسمية، وهؤلاء بلا شك يعملون حسب توجيهات احزابهم السياسية التي قد لا تتطابق مع مصلحة العراق. كما ان هذه الاحزاب مرتبطة بقوى خارجية اقليمية ودولية تتخذ من العراق ساحة لتصفية الخلافات السياسية فيما بينها، ويعملون على تنفيذ اجنداتهم السياسية التي ليست بالضرورة تخدم مصالح الشعب العراقي.
سياسة الاستحواذ والاقصاء لا يمكن ان تكون حلا ناجحا في اي بلد من بلدان العالم، بل انها سياسة تولد مشاكل جمة، والعراقيون في ظرفهم الحالي وهم في طور تأسيس نظام حكم ديمقراطي – كما يدعون – يحتاجون الى توافق وطني عام لتأسيس هذا النظام وترسيخه على اسس وطنية حقيقية. في الدول الديمقراطية ذات الشعوب المتحضرة، تعمد الأحزاب السياسية الى تشكيل حكومات انقاذ وطني لمواجهة الأزمات السياسية الداخلية والأخطار العسكرية الخارجية للحفاظ على وحدة الشعب والأرض.
العراق يعاني في الوقت الحاضر من مشاكل كثيرة، يأتي على رأسها الدستور الحالي الذي كتب على عجل، والذي يجب مراجعته واعادة صياغته من جديد على اسس وطنية خالصة، وتفادي تضمينه بعض المواد الدستورية الحالية التي هي بمثابة الغام قابلة للإنفجار في حال تطبيقها. كما يجب الغاء المحاصصة الطائفية والعرقية في تولي المناصب الرئاسية والوزارية، والوظائف العليا في الدولة وخصوصا في الأجهزة القضائية والرقابية والأمنية لتفادي وصول الفاسدين والانتهازيين وغير الأكفاء. كما يعاني العراق من الفساد الذي استشرى بشكل خطير في كل مفاصل الدولة خلال العشر سنوات الماضية، حيث اصبح المال العام مستباح لا حرمة له، وكثير من املاك الدولة تحولت الى املاك خاصة لزعماء الأحزاب السياسية.   
هناك عدة دول غربية واقليمية لا تريد ان ينهض العراق من كبوته كدولة اقليمية لها دورا مهما في المنطقة كما كان قبل اسقاط النظام في عام 2003م. فالدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا لا تريد عراقا قويا يهدد أمن اسرائيل بعد تحييد مصر عبر اتفاقية كامب ديفيد، وخروج سوريا من المعادلة نتيجة الحرب الأهلية الطاحنة. وإيران لا تريد عراقا قويا ينافسها وهو الذي خاض حربا ضروسا ضدها لمدة ثماني سنوات، صحيح انه لم يستطع ان يهزمها، ولكنها في الوقت نفسه لم تستطع ان تهزمه كذلك. وتركيا لا تريد عراقا قويا ينافسها على النفوذ في هذه المنطقة الحساسة من العالم. ودول الخليج العربي لا زالوا يتحسسون من العراق بعد الحماقة التي إرتكبها "صدام" بإحتلاله الكويت في شهر اغسطس عام 1990م. 
العراق حاليا دولة فاشلة بإمتياز، هذا ما اكدته "كيت جيلمور" نائب مفوض حقوق الانسان بالأمم المتحدة الأسبوع الماضي بعد رحلة الى العراق دامت لإسبوع واحد، حيث قالت: "إن العراق تديره حكومة فاشلة، وعلى المجتمع الدولي ألا يسمح لنفسه بالتورط مع هذه القيادة الفاشلة. هناك شلل سياسي ولا توجد حكومة في العراق. واضافت "جيلمور" قائلة: أن الحكومة العراقية وداعميها الدوليين يركزون بشدة على الحاق الهزيمة بتنظيم الدولة الاسلامية وليست لديهم استراتيجية لإصلاح هذا البلد بعد ذلك".  هذا هو حال العراق في الوقت الحاضر.
  • قراءة 439 مرات
الدخول للتعليق