اثنان اعتذرا عن غزو العراق حتى الآن: توني بلير، الذي لم يدخل في التفاصيل، ووزير خارجية أميركا آنذاك كولن باول، الذي قال: إن ذريعة الاحتلال بوجود أسلحة نووية قام بتزوير وثائقها أحمد الجلبي. والذين تابعوا النزول الأميركي ذلك اليوم، لا يذكرون صور القصف، ولا بغداد الخالية، ولا آخر تصريحات محمد سعيد الصحاف، ولا إسقاط أكبر تمثال برونزي أقامه صدام حسين لنفسه. الصورة التي كانت أكثر رقاعة، كانت صورة أحمد الجلبي يصل مظفرًا وحوله مجموعة حراسة من رجال المارينز العمالقة مثل قبائل الدناكيل. يجب زرع الرعب في نفوس الإخوة المواطنين.
بدأ الجلبي حياته في بيروت حيث تزوج من إحدى عائلات لبنان الفاضلة. ثم هجر وهاجر إلى عمان، حيث أنشأ مصرف «بترا» الذي أفلس في ظروف مثيرة للشبهات، وحُكم عليه بالسجن غيابيًا مدة 22 عامًا. وذهب إلى لندن، ثم إلى الولايات المتحدة، التي عرفها طالب هندسة. وهناك بدأ الاتصال بالمحافظين المتطرفين، الذين سيصبحون رجال جورج دبليو بوش، وفي طليعتهم بول وولفوتز وريتشارد بيرل.
ووسّع دائرة الاتصالات لكن في اتجاه واحد؛ الراغبين في تدمير العراق. وكان يحلم، طبعًا، بأن يتقدم هو فرقة الفرسان الأولى. وبأن يصبح حاكم العراق. لكنه كوفئ بوزارة النفط في بلد متفكك معرض للفساد، وبعدها، لم يستطع الحصول حتى على مقعد نيابي في البرلمان.
زالت الأحلام، وخسر صداقاته الأميركية وأُهمِلَ في العراق، لكنه ظل يحاول الإطلالة، مرة من طهران، ومرة من بغداد، ومرة من أي مكان ممكن. أحب الأضواء بأي ثمن وفي أي زمان. وقيل إنه تقاضى مبالغ من الـ«سي آي إيه» وكان أبو حسن سلامة قد رفض، في السبعينات، مبلغ 300 ألف دولار شهريًا للتعاون مع الأميركيين، قائلاً لهم: أتعامل معكم من أجل قضيتي وأهلي، لا من أجل سياساتكم.
لم يبدد العراق الأميركيون وحدهم. تشيني ورامسفيلد وبول وولفوتز ودبليو بوش، بل ساعدهم في ذلك العراقيون الذين قاموا بدور الأدلاء والمحرضين. ولم يستحوا لحظة واحدة بتلك الصور الفاقعة بلا حدود، وهم يعودون إلى العراق بحماية المارينز. والمعتذرون كثيرون الآن. لكن بعض الصور غير قابلة للاعتذار.
 

*نقلاً عن "الشرق الأوسط"