(وداعأ سوريا الجميلة) هل يرددها الروسي - والأيراني

 
 
ان التدخل (الروسي) في سوريا وتدخل ايران (ولاية الفقيه) يختلفون بالأهداف بينهما ومفهوم كل واحد منهم والغايات من هذه الحرب رغم اتصالات بينهما والتنسيق بأعلى الدرجات لكن ايران لاتقاتل في سوريا حربأ جيو- سياسية بل اصبحت هذه الحرب معركة عقائدية مذهبية بامتياز 
هناك وجهات نظر في تقيم تدخل ايران في سوريا خاصة والدول العربية الاخرى - النظرية الاولى تقول انه ليس صحيحاً أبداً أن إيران قوة قومية فارسية تغطي مـطــامعــها الـتوسعية في المنطقة برداء مذهبي بل هي في الحقيقة تحمل مشروعاً مذهبياً لا تخطئه عين - أصبح أشهر من نار على علم في كل البلدان التي تتمتع فيها بنفوذ 
والأخرى تقول ان ايران (ولاية الفقيه) لا يهمها المذهب ولا الطائفة ولا يهمها المشروع المذهبي) ولكن تستغل هذه الحالة من اجل التغطيه على مـطــامعــها الـتوسعية العنصرية لتحقيقة حلمها الأمبراطوري في المنطقة برداء مذهبي طائفي 
ومن هنا نرى ان الحوثيون في اليمن باتوا يرفعون شعارات وصور الولي الفقيه في كل مكان وقلما تجد مسؤولاً حوثياً دون أن ترى وراءه صورة( علي خامنئي) المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران وفي العراق حدث ولا حرج الذي باتت شوارعه تزخر بكل مظاهر ولاية الفقيه وتلعن العراق واهل العراق حتى وصل الأمر في زعيم حزب الله فرع العراق يعلن على شاشات التلفاز انه لو قامت حرب من جديد بين العراق وايران انه سوف يقاتل الى جانب ايران ضد العراق واكثر من ذلك إن بعض الجامعات العراقية باتت مطالبة وتطالب بتدريس فكر وتوجهات ما يسمى الإمام (الخميني) بشكل علني 
أما في جنوب العراق فتعمل إيران بكل الطرق والوسائل لتحويل المنطقة شعبياً وثقافياً واجتماعياً إلى كيان يشبهها تماماً الكيانات الموجودة في ايران مثل عرب الأحوازين والأكراد والبلوش حتى وصل الأمر على اعتبار ان الطائفة الشيعية من الأصول العربية على انها اقلية بالنسبة الى الشيعة من الاصول الفارسية وهذه هي حقيقة ايران طائفيأ بتعاملها مع الشيعة العرب الاحوازين والأتراك في ايران من الطائفة الشيعية نفسها 
وحتى في سوريا ذات الأغلبية السنية فهناك عمليات تشييع منذ عقود وبمباركة الدولة السورية وقد اشتكى بعض السوريين وان هناك شركات الإيرانية داخل سوريا المختصة ببناء الحسينيات والمراكز الثقافية الإيرانية الشيعية وقد تحولت شوارع سوريا إلى مكان للتطبير والاحتفالات الدينية الشيعية ومسرحاً للخطباء الإيرانيين المتطرفين في دمشق وفي لبنان ايضأ حدث ولا حرج حيث باتت الضاحية الجنوبية التي يحكمها حزب الله عاصمة إيرانية بامتياز في كل مظاهرها الاجتماعية والثقافية ناهيك عن أن زعيمها حسن نصر الله يعترف منذ اللحظة الأولى التي استلم فيها زمام الحزب بأنه مجرد جندي في ولاية الفقيه 
لا نقول هذا الكلام إلا لنوضح أن إيران لا تخجل من مشروعها ومعاركها العقائدية فهي صريحة جداً وجريئة وصادقة في خوضها دون وجل 
انا في أعتقادي الشخصي ان ايران ولاية الفقيه تستغل المذهب الشيعي من اجل مشروعها التوسعي العنصري الأمبراطوري الفارسي المجوسي اما فكرة ان المعارك هي عقائدية بأمتياز ومن اجل الطائفة او المذهب فقط لا ارجح ذلك على الأطلاق لقد أصبحت المعركة في سوريا بالنسبة لإيران معركة المعارك لأنها لو خسرتها ستخسر في العراق وفي لبنان واليمن والخليج لهذا فهي مستعدة لبذل الغالي والنفيس للفوز بها مهما كانت التكاليف المادية والبشرية ولقد خسرة ايران خلال حربها في سوريا 4 سنوات عشرات الألاف من الأشخاص وكذلك قيادات بارزة من قوات الحرس الثوري والباسيج 
لقد بلغت الأموال التي تدفعها ايران الى نظام المجرم (بشار الأسد) مبالغ لا تحصى من الدولارات حيث تقول بعض المصادر الأقتصادية السورية والخبراء الغربيين ان ايران تدفع شهرياً للنظام أكثر من مليار دولار كي يحافظ على نفسه ويدفع رواتب الموظفين والجيش والأمن ويؤكد احد المعارضيين السوريين على أن إيران مستعدة أن تدفع مليارين وأكثر في الشهر الواحد إذا تطلب الأمر بشرط أن تحافظ على نظام الأسد الذي أصبح بالنسبة لها بيضة القبان في مشروعها العقائدي ويذكر مسؤول روسي كبير أن إيران خصصت لسوريا شيكاً مفتوحاً كي تكسب المعركة وهنا تنعرف مقاصد المافيا الروسية من تدخلها المباشر في سوريا وهو ان ايران سوف تدفع جميع مصاريف وتكلفة الحرب في سوريا اضافة الى مصالحها الخاصة والحفاظ على قواعدها البحرية في طرطوس السورية 
أما عسكرياً فإيران باتت تدير المعارك على الأرض بقيادة قاسم سليماني التي كشفت عنه بأنه متواجد في معارك الشمال السوري مؤخرأ وقد دفعت بكل أذرعها العسكرية في العراق ولبنان إلى الداخل السوري فحزب الله منخرط بكل قواته ونخبه العسكرية في المعركة السورية وكذلك الميليشيات الشيعية العراقية وفي مقدمتها لواء (أبو الفضل العباس) وغيره وتتحدث بعض المصادر أن الميليشيات الشيعية باتت تسيطر على العاصمة دمشق وريفها عن طريق 
عشرات الألوف من الجنود اللبنانيين والإيرانيين والعراقيين والباكستانيين والمرتزقة السوريين الذين جندتهم إيران حتى وصل الأمر ان الكثير من القيادات الأيرانية اصبحت تصرح علنأ لولا الذراع العسكرية الإيرانية لسقط النظام وانهار جيشه 
أن القوة الضاربة اليوم في سوريا لم يعد الجيش السوري بل الميليشيات الشيعية إيران لا تخفي أهمية المعركة في سوريا بالنسبة لها أعلن كبار الآيات مرات ومرات بأن سوريا فقد أهم من العاصمة طهران وهناك من اعتبرها المحافظة الخامسة والثلاثين من إيران وقال رجل الدين الإيراني مهدي طائب إن سوريا أهم من الأهواز ولو خسرناها سنخسر طهران لاحظوا التركيز على مسألة حماية المقدسات الشيعية في سوريا في خطاب إيران وميليشياتها مما يؤكد على البعد العقائدي الكبير في معركتها السورية وهنا لو ندخل في أعماق كتب التاريخ لنجد عن سوريا والحروب التي دارت على ارضها كثيرة جدأ لنعرف ماذا جرى فيها وعليها
يقال إن الإمبراطور هرقليوس (حكم بين ٦٠٨ و٦٤١) نظر إلى جهة سورية وهو يغادرها بعد هزائم البيزنطيين المتكررة على يد الفاتحين العرب المسلمين وأطلق عبارة (وداعاً يا سورية الجميلة وداعاً لا لقاء بعده) ومع أن هذه العبارة مختلقة لأسباب عقائدية على الغالب من قبل المؤرخين المسلمين المبكرين وعلى رغم أن هرقليوس أو هرقل في المصادر العربية لم يكن في سورية أصلاً خلال تلك الحروب فإن الجملة ومدلولاتها بقيت تتردد في التاريخ العربي حتى اليوم كدلالة على اعتراف الإمبراطور البيزنطي بخسارته سورية التي ستصبح قلب الحضارة الإسلامية البازغة
فهرقل كان ممثلاً للإمبراطورية المسيحية الشرقية وهزيمة جيوشه كانت أكثر من هزيمة عسكرية فالصراع كان صراعاً حضارياً وهو لم يفقد معناه إلا بعد أن دخل الأتراك العثمانيون القسطنطينية عام ١٤٥٣ وقضوا نهائياً على الدولة البيزنطية ونقلوا حدود الصراع إلى قلب أوروبا ولكن بقي للطابع العقائدي الذي مثلته عبارة هرقل صدى في نقش العثمانيين لحديث نبوي ضعيف ولكنه غني بمدلولاته (لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش) على مدخل كاتدرائية آيا صوفيا التي حولها محمد الفاتح إلى المسجد الجامع الجديد في العاصمة التي أصبح اسمها اسطنبول والتي ما زال بعض غلاة الأرثوذكس اليونان والروس يصرون على تسميتها القسطنطينية حتى اليوم 
قداسة المعارك التي تنادي بها روسيا وايران وسيرتها الطويلة منها حروب غيرة مجرى التاريخ وتحت نفس شعار اليوم (الحروب المقدسة) على أرض سورية لكن تبقى الحروب جميعها مفجعة بالنسبة للأراضي التي تقع عليها الحروب ومن هذه الحرب (الأسلامية - البيزنطية) وكذلك الحرب (الفارسية - البيزنطية ) والتي دفعت سورية ذاتها أثماناً باهظة فيها فالحرب الإسلامية – البيزنطية في القرن السابع جاءت في أعقاب الحرب البيزنطية – الفارسية في بدايات القرن السابع والتي احتل خلالها (خسرو الثاني) سورية وأخذ من القدس الصليب الأصلي إلى عاصمته (قطيسفون ) والتي هي الان في قضاء المدائن حيث (ايوان كسرى) كانت العاصمة الفارسية فأعلن هرقل الحرب المقدسة على الفرس وجمع الجيوش واستعاد الصليب وحمله بنفسه إلى القدس إيفاءً بنذره عام ٦٢٩ مباشرةً قبيل الفتح الإسلامي الذي انداح شمال جزيرة العرب خلال خلافة أبي بكر الصديق عام ٦٣٣-٦٣٤ ليأخذ سورية من البيزنطيين بعد سلسلة معارك وفي هذه المعارك وإن لم يستخدم الفاتحون العرب عبارة مقدسة إلا أنهم كانوا قطعاً مدفوعين بعاطفة دينية جياشة وهدف واضح بنشر الدين الجديد 
ثم جاء الصليبيون في نهاية القرن الحادي عشر واحتلوا سواحل بلاد الشام حملتهم جاءت بمباركة من البابا لاستعادة بيت المقدس حروبهم التي استمرت قرنين كانت (حروباً مقدسة) بامتياز استخدمت الكنيسة فيها شتى الوسائل لحض المؤمنين الأوروبيين على الهجرة إلى المشرق وقتال (الكفار) المسلمين ولم تنتظم مقاومة المسلمين إلا مع الملك العادل نور الدين محمود ابن زنكي (١١١٨-١١٧٤) الذي وحد البلاد واستعاد مفهوم الجهاد ورعى استخدام النوع الأدبي المعروف بالفضائل للتركيز على قدسية بلاد الشام عموماً في تجييش العواطف لفك أسر بيت المقدس وقد تبعه الأيوبيون والمماليك الأول في ذلك بحيث إن أمراءهم بمعظمهم دعموا ثقافة دينية تحض على الجهاد وأبلوا بلاءً حسناً في الدفاع عن أرض الإسلام والحفاظ على كينونته ضد الصليبيين والمغول
لكن الحملات الصليبية التي انتهت فعلياً في القرن الرابع عشر خلفت شروخاً عميقة في العلاقة بين الشرق المسلم والغرب المسيحي ما زالت تغذي مشاعر عدائية ذات أبعاد مذهبية حتى يومنا هذا بل إن الاستعمار الأوروبي في القرن العشرين الذي جاء بآلة الحداثة الضخمة أفصح عن رواسب صليبية واضحة عندما نظّم الجنرال البريطاني (اللنبي ) دخول جيشه إلى القدس غداة هزيمته للعثمانيين عام ١٩١٨ على منوال الدخول الصليبي عام ١٠٩٩ أو عندما ذهب الجنرال (غورو) عقب دخوله دمشق عام ١٩٢٠ إلى قبر صلاح الدين الأيوبي وخاطبه ها قد عدنا ( يا صلاح الدين)

اليوم أصبحت «القدسية» شعاراً يرفعه جهاراً أو يستخدمه ستاراً كل طائفي (حربجي) في سورية الممزقة بالحروب العبثية نظام الحكم القمعي الذي تسربل بالعلمانية خلال فترة المد القومي انكفأ على مذهبية بغيضة تدعي الدفاع عن مزارات مقدسة في حربه ضد جزء كبير من شعبه ومقاتلوه الإسلاميون وداعموهم الاقليميون والدوليون يستخدمون المفاهيم نفسها بل يؤلفون عليها خطابات إقصائية متزمتة لا تقتصر في إجرامها على من تناصبهم العداء فقط بل تصيب كل أبناء الوطن خصوصاً أولئك الذين تدعي التكلم باسمهم
ثم يأتينا الرئيس فلاديمير بوتين بـ «حرب مقدسة» عاتية وبطاشة بمباركة الكنيسة الروسية الأرثوذكسية تصب في خانتين معاً خانة ذكرى الصراع بين روسيا القيصرية وجيرانها المسلمين في وسط آسيا وفي الدولة العثمانية والذي لم تمحه على ما يبدو سبعون سنة من الشيوعية وخانة التماهي مع الجو العام في المنطقة التي تريد روسيا أن تستعيد فيها بعضاً من نفوذ فقدته عندما عادت إلى قوميتها وشوفينيتها إثر انهيار الاتحاد السوفياتي
لكنّ الحرب والقدسية مفهومان متعارضان مهما ادعى المدعون وإضفاء القدسية على أية حرب ما هو في نهاية الأمر سوى أداة تضليل ودعاية تخفي وراءها دائماً مآرب أخرى فإذا كان قدر بلادنا أن تكون مسرحاً لصراعات مريرة ودموية خلال تاريخها الطويل فلنرفع عنها صفة القدسية والتمسح بالدين والانتخاب الإلهي والانتساب للفئة الناجية والصراع العقائدي المتطاول بين الديانات التوحيدية ولنصفها بما هي عليه من القذارة والوحشية والتدمير والمنفعية الباردة أو العبثية المدمرة والإهدار لإنسانية ضحاياها وجلاديها في الآن نفسه 
لا اعتقد ان بوتين يستطيع ان يتكلم بالقدسية كونه شيوعي الفكر والأسلوب والخلفية الأجتماعية وكذلك (علي خامنئي ولاية الفقيه) لا يستطيع ان يتكلم عن القدسية لان جميع الحروب كانت فارية عنصرية وفي زمن المجوس انتم كما اسلافكم سوف تقولون (وداعأ سوريا الجميلة) مهما أشتدت الصعاب واهل سوريا والعراق دعاة حق وعدل ولذلك فان الله ناصرهم وحاميهمالكاتب الشيخ محمد الطالباني 2015 بغداد

 

 

  • قراءة 524 مرات
الدخول للتعليق