الشام.. ساحة الصراع وحلبة النزال

أرض الشام أرض الجهاد والرباط، أصبحت اليوم ساحة الصراع العالمي، فبدخول روسيا عسكريًا إلى الشام اكتملت أطراف الصراع، وأصبح الجميع داخل حلبة النزال، ومن يكسب المعركة ويصمد للأخير سيغير خريطة العالم، ويبسط نفوذه على الأرض، ويحول مجرى التاريخ لصالحه!

ولا يغرنك توافق أمريكا وروسيا اليوم ظاهريًا، فما نراه من تحالف أمريكي روسي في الشام، حقيقته صراع وحرب باردة بين الطرفين .فالوحشان المتصارعان يسعى كل منهما للإطاحة بالآخر مستثمرًا حاجة الطرف الآخر له.

فأمريكا تحتاج من ينوب عنها في مواجهة العملاق الإسلامي الذي بدأ يستيقظ ويستعيد قوته في المنطقة، ويعيق لها مشاريعها وقد استعصى عليها إسقاطه، وبنفس الوقت تريد أمريكا إضعاف الدب الروسي، والتقليل من هيبة روسيا كدولة عظمى واستنزاف قوتها من خلال استدراجها إلى مستنقع المنطقة كلها، ولتذيقها من كأس الهزيمة الذي ذاقته أمريكا في العراق على يد المجاهدين الأبرار، كما بدا ذلك واضحًا بسحب أمريكا منظومة صواريخها الدفاعية “باتريوت” من تركيا التي نشرتها في صيف 2013 .

إضافة إلى سحب بارجاتها الحربية من الخليج العربي “حاملة الطائرات تيودور روزفلت” التي تحمل على متنها 5000 جندي و65 طائرة حربية، وهذه هي المرة الأولى منذ عام 2007 التي لا يكون لأمريكا أي حاملة طائرات جاهزة للعمل العسكري في الخليج .

وقد أعرب بعض الخبراء الأمريكيين عن قلقهم بشأن سحب حاملة الطائرات كما صرح بذلك، نائب أميرال القوات البحرية الأمريكية المتقاعد، بيتر دالي، “أن عدم وجود السفن الحربية الأمريكية لن يمر مرور الكرام، وأن روسيا ستظل الأهم في المنطقة”.

كما قال الأميرال الأمريكي، جون ريتشاردسون: “من دون هذه الحاملة، قدرات الولايات المتحدة في تلك المنطقة ستصبح أقل بكثير”.

إجراءات تبين لك انسحاب أمريكا عسكريًا من المنطقة وتقليص دورها العسكري، مقابل فسح المجال لروسيا لخوض حرب عظيمة مرتقبة في المنطقة، ترغب أمريكا أن لا تكون لها فيها خسائر! كما سعت أمريكا لإعادة سيناريو أفغانستان بشكل مقلوب، فبدل أن تدعم المجاهدين ضد الروس كما فعلت في أفغانستان لتتخلص من عدوين لدودين لها من خلال إغراق المجاهدين والروس في مستنقع أفغانستان وسحق الطرفين بالحروب الطاحنة، اليوم أمريكا تدعم الروس ضد المجاهدين للتخلص من الاثنين بضربة واحدة .

كما تسعى روسيا وهي الطرف الثاني في الصراع، إلى استعادة هيبتها كقوة رئيسية في العالم بعد أن ساهمت أمريكا في تفكيكها أيام الاتحاد السوفيتي، وترد الصفعة لأمريكا من خلال سيطرتها على مناطق نفوذها وتقويض دورها في المنطقة، مستثمرة تخوُّف أمريكا من الدخول عسكريًا في المنطقة بعد تجربتها القاسية في العراق، مستغلة الضوء الأخضر الأمريكي بالدخول .

كما تسعى روسيا إلى إجهاض المشروع الإسلامي الذي بدأ يتبلور من خلال توحيد بوصلة الأمة ضد أعدائها ومشاريعهم  .ووسط الصراع المحتدم بين أمريكا وروسيا تلعب إيران – وهي طرف آخر في الصراع – كعادتها على كل الحبال وتستثمر تناقضات الصراع .

فهي تتحالف ميدانيًا مع روسيا في سوريا وينسقان عملهم العسكري حفاظًا على حليفهما الأسد ونظامه من السقوط، ونكاية بالإسلاميين عدوهما اللدود، وبنفس الوقت تتحالف مع أمريكا في العراق وتتفاوض معها على برنامجها النووي مستخدمة كل أوراق الضغط التي بجعبتها مثل ورقة الحوثيين، وورقة حكومتها الطائفية في العراق، وورقة خلايها النائمة في السعودية والكويت، إضافة إلى نفوذها في قارة أفريقيا!

مما جعل طرفي الصراع يحتاجان إليها في مد نفوذهما وسيطرتهما على المنطقة ولا يستطيعان أن يتخليا عن دورهما لمصلحتيهما! فهي لديها القدرة على استثمار الفرص واللعب على تناقضات الصراع، كما فعلت من قبل واستثمرت رغبة أمريكا بدخولها العراق وأفغانستان فأسقطت نظامين عدوين لها دون أن تطلق رصاصة واحدة ولا تنفق تومانًا واحدًا، وتخلصت من نظام صدام في العراق وطالبان في أفغانستان !

ونلاحظ من خلال استعراض المشهد في المنطقة وأهداف أطراف الصراع، أن العدو الحقيقي والهدف المشترك لأطراف الصراع رغم خلافاتهم وتناحرهم فيما بينهم هو الإسلام. لذا نجدهم يتحالفون جميعًا على هذا الهدف ويتقاطعون فيما دونه ويتقاتلون على باقي الأهداف .

أما دور العرب فهم كالعادة أداة بيد اللاعبين ويدخلون حلبة النزال يجعجعون وينتصرون لغيرهم! فكما أوعزت لهم أمريكا بتسهيل ذهاب المجاهدين إلى أفغانستان وجمع التبرعات أيام الحرب في أفغانستان بغية النكاية بالروس والتخلص من الشباب الجهاديين الحماسيين في المنطقة، فالذاهب من المجاهدين إلى أفغانستان إما أن يقتل في ساحات القتال، أو يعود لبلده ليكون في غيابات السجون كما حصل لكثير من الشباب إلى يومنا هذا .

فدورهم اليوم لا يختلف عن دورهم أمس. فعندما نسمع أن بعضًا من الدول العربية سلمت فصائل مسلحة سورية بعض الأسلحة النوعية فهو حتمًا ليس حبًا بالجهاد، ولا تمسكًا بالمجاهدين، ولا رغبة منهم في تغيير موازين الصراع لصالحهم، ولكن طاعة لولي أمرهم، ونكاية بعدو سيدهم ورب نعمتهم، سواء كان من الإسلاميين أو من الروس!

ولم نذكرهم كطرف أصيل في الصراع كونهم تبعًا لأحد أطراف الصراع وليس لاعبًا رئيسيًا. ما الطرف المهم في الصراع والذي يكاد أن يكون ممسكًا بزمام الأمور في حلبة النزال، ومن خلفه الأمة تأييدًا ونصرة؛ فهم المجاهدون الأفذاذ .

الرقم الأصعب في المعادلة، وهم من يربك حسابات النظام الدولي، ويقف بوجه المخططات والمؤامرات، التي تحاك من قبل أطراف الصراع ضد الإسلام وأهله، وهم من سيغير مجرى التاريخ، ويعيد للأرض توازنها، وستكون أرضهم أرض الملاحم ومحرقة لكل المشاريع التي تعادي المشروع الإسلامي .

فمعركة الشام ونتائجها ستفرض على العالم توازنات جديدة وستحدد وجهة المشروع الإسلامي العالمي .لذا نجد أن أطراف الصراع: كلًّا من أمريكا وروسيا وإيران، مقابل المجاهدين – دون تميز بين الرايات – يسعون لكسب هذه المعركة لإدارك الجميع أن معركة الشام لها ما بعدها .

ويقينًا بالله وبما وعده لعباده المجاهدين، نقول أن الغلبة لأهل الإيمان الثابتين على الحق، وسينتصر أهل الشام بإذن الله على أطراف الصراع في حلبة النزال كافة ويكسبون معركة الأمة المصيرية .

وكما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة تكلم فيها عن فضائل أهل الشام وانتصاراتهم في الملاحم والمعارك، كما دلنا صلى الله عليه وسلم واختار لنا وجهتنا عندما يحتدم الصراع فقال بأبي هو وأمي، كما في الحديث الذي رواه أبو داود وصححه الألباني: “سيصير الأمر أن تكونوا جنودا مجندة: جند بالشام، وجند باليمن، وجند بالعراق”، فقال ابن حوالة: خر لي يا رسول الله! إن أدركت ذلك؟ قال: “عليك بالشام؛ فإنها خيرة الله من أرضه، يجتبي إليها خيرته من عباده، فأما إن أبيتم؛ فعليكم بيمنكم، واسقوا من غدركم؛ فإن الله توكل لي بالشام وأهله”.

كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الحاكم وصححه الألباني: إني رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي فنظرت فإذا هو نور ساطع عمد به إلى الشام ألا إن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام”.

فهذه بوصلة الأمة قد حدد وجهتها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهاهم أعداء الأمة قد ساقهم الله إلينا في ميدان واحد، فتوجب على الأمة جميعًا نصرة أهل الشام بالنفس والمال وعدم خذلانهم والتخلي عنهم .

اياد العطية

ماجستير اعلام، ناشط سياسي عراقي معارض وخبير في الجماعات الاسلامية

 

  • قراءة 544 مرات
الدخول للتعليق