العراق:في هجاء الجماهير

العراق:في هجاء الجماهير

ليس ثمة لحظة أكثر مواتاة لصعود الشعبوية في العراق من تلك القائمة الآن، وليس ثمة أدهى من السيد مقتدى الصدر في القدرة على اقتناصها.

تظاهرات الأسبوعين الأخيرين لا تشبهان، لا من بعيد ولا من قريب تظاهرات الحراك الشعبي التي سبقتها واستمرت لأكثر من عام. اختلاف ليس مردّه ضخامتها ولا اختيار موقعها على أبواب منطقة الحكم الخضراء في أسبوعها الأول. تظاهرات الحراك الشعبي كانت عفوية شاركت فيها حركات صغيرة ولم تقدها، رفع فيها المتظاهرون الشعارات التي تمسّ حياتهم وفق ما ارتأت كل جماعة ابتداء من إقالة مسؤول بعينه أو الاحتجاج على انقطاع الكهرباء لفترات طويلة، وانتهاء بالمطالبة بمحاكمة رئيس الوزراء السابق وحل البرلمان، بل إعدام رئيس مجلس القضاء الأعلى.

التظاهرات الأخيرة تتسم بالانضباط الذي لا أرى فيه غير نذير شؤم. فهي جاءت استجابة لدعوة السيّد الذي يمهّد لها بخطاب متلفز يحدد فيه ما يريد وعلى المتظاهرين أن يريدوا ما يريد لا أن يصوغوا مطالبهم كما يحلو لهم.

وتوحيد المطالب والشعارات أمر ضروري ومطلوب لتحقيق نجاح حركة جماهيرية. أما هنا فالجمهور أخرس ينزل إلى المنطقة المحددة ويحتشد أمام منصّة يلقي من فوقها ممثلو السيّد خطباً تفصّل مطالبه. تظاهرات السيّد تحتشد في منطقة كان غيرهم سيواجه بإطلاق النار لو فكّر في الاقتراب منها. وشعاراتها وإنذاراتها تبثّ قلقاً في أوساط طبقة الحكم على عكس شعارات الحراك الشعبي التي كانت تقابل بمباركة وتطمينات وترحيب وتبنّ لفظي، «طبطبة» على ظهر أولاد نجباء.

ليست للسيّد شخصية كاريزمية كشخصية حسن نصرالله. السيّد لا يعرف فنّ التأثير في السيكولوجية الجمعية الذي يتقنه الأخير. لا يبتسم ابتسامة المنتصر التي تشيع الاطمئنان في نفوس أنصاره بل هو متوتّر مقطّب الجبين على الدوام. ولا يعرف إلقاء كلمة من دون قراءة نص مكتوب أمامه. وهو لا يشكر الجمهور ولا أتباعه على تضحياتهم، بل هو يشكر نفسه إذ يعلن أنه مستعد للتضحية بنفسه من أجل هذا القطيع الزاحف تلبية لندائه.

لكنه قادر على التعويض عن ذلك بالاتكاء على شخصية أبيه الشعبية، والذي قتله نظام البعث، وبامتلاكه أوراقاً شديدة القوة أضعفها، وليس أقواها، احتلال حركته ثُمن مقاعد البرلمان، فهي أصوات يمكن تعطيلها ببساطة.

قوّة الصدر تكمن في تلبّسه رداء روبن هود الذي يسلب الأثرياء ليوزّع ثرواتهم على الفقراء. قوّته تكمن في قدرته على تصوير نفسه مهديّاً منتظَراً جاء ليملأ الأرض عدلاً بعد أن مُلئت ظلماً وجوراً. يتقدّم السيّد أمام جمهرة تحقد على هؤلاء الأثرياء الظالمين الجائرين، تشعر بالعجز واليأس والشلل فتبحث عن الزعيم المنقذ الذي جاء في صورة مقتدى الصدر. مقتدى الصدر في أعين هذا القطيع زعيم لا يقل حقداً على النظام القائم منها، لكنه زعيم. والزعيم لا ينبغي أن يكون واحداً من أفراد القطيع بل هو فوقهم، عليه أن يعرف كيف يضع مسافة بينه وبينهم في الوقت الذي يشعر بشعورهم ويشاركهم الإحساس بالظلم. هو من يمتلك الحلول، فعليهم وضع مقاديرهم بين يديه.

لا يبحث القطيع الذي فقد الثقة بنفسه عن زعيم جماهيري يكون واحداً منه لا يرى فيه غير مشارك له في عجزه، بل يبحث عن قائد له مدخل إلى السلطة، وهنا يكمن دهاء السيّد ومراوغته. هو في السلطة لكنه زاهد فيها ومتنازل عنها خدمة للقطيع. ما يبحث القطيع عنه هو بالضبط ما يقلق الحكم، فهو في السلطة وأتباعه يتغلغلون في كل مستوياتها.

الصدر مع الدولة، مع بسط الدولة سلطتها على القوات المسلّحة وإخضاع ميليشيات الحشد الشعبي لإمرتها. لكنه يصدر الأوامر لسرايا السلام التابعة له للمشاركة في عملية عسكرية أو الامتناع عن المشاركة فيها. هو يقرّر متى وأين تنتشر سرايا سلامه ومتى تنكفئ. يطالب بسيادة القانون على الجميع، لكن مكتبه يصدر بيانات عن اعتقال أجهزته متجاوزين عليه والتحقيق معهم. هو يدعم العبادي لكنه لا يشاركه أو يشارك آخرين التفكير في تركيبة الحكومة المنشودة، بل يشكّل لجنة تعدّ تشكيلة حكومية كاملة. هو مع القوات المسلحة وضد الميليشيات «الوقحة» على حد تعبيره، لكن له سياسته الدفاعية والخارجية المستقلّة التي تعلن الحرب على «المحتل» الأميركي والبريطاني فيما هو والحكومة يطالبانه والتحالف الذي يقوده المحتل ببذل مزيد من الجهد والمال للمساعدة في الحرب ضد «داعش». هو يهدد بقتال كل جندي أجنبي تطأ قدماه العراق، والمحتل المزعوم يسعى بكل ثمن لعدم توريط جنوده في العراق. هو يعلن ألا أحد يمثّله في الحكومة، لكن وزراء كتلته مرشحّون من جانبه. يطالب بحكومة تكنوقراط تعرف كيف تدير شؤون البلاد بكفاءة، ووزير الموارد المائية من كتلته يعلن أن كل التقارير الفنّية المختصّة بشأن الأخطار الجسيمة التي تواجه العراق إذا انهار سدّ الموصل، دعايات أميركية مشبوهة.

وهذا ما يريده الجمهور بالضبط. بطل فيلم هندي يتنازل عن ثروته ليتزوج فتاة فقيرة أو ليحارب الشر.

ليس ما سبق هجاء لمقتدى الصدر، وهو مثل باقي الحركات الطائفية الشيعية والسنّية على حد سواء تستحقّ الهجاء وما فوقه. هو درس في فن الشعبوية. هو درس في كيفية الانغماس في اللعبة وفي الفساد والقدرة على إقناع الآخرين بأن الشعبوي ليس فيها في الوقت نفسه، بل هو فوقها يراقب ويعطي الأوامر للتصحيح. يعطي الأوامر لحركة يقول أنها لا تمثّله، لأتباع يحتقرهم وهم يلهثون منتظرين مباركته أو النجاة من عقابه على أقل تقدير، فهو الآن يعتقل من تولّى منصب نائب رئيس الوزراء من حركته بعد أن بات واحداً من أغنى العراقيين وصلت ثروته إلى درجة أن عادل إمام نفسه ضرب به وبثروته مثلاً.

المشكلة ليست في الصدر أو في غيره من الشعبويين. المشكلة تكمن في شعب أُفقرت ثقافته السياسية على امتداد عقود فبات الإنجاز مقترناً في ذهنه بالبطل الفرد الذي يتّخذ القرار الجريء ويفرض على الآخرين الالتزام به.

وليس أمام العبادي في لحظة كهذه إلا محاولة أن يكون شعبوياً مضاداً.

ثمة شارع بات يرى في المؤسسات الدستورية عدواً ينهبه ويذلّه باسم القانون، شارع واثق من أن الحلول لن تأتي ولا يمكن أن تأتي عبر تلك المؤسسات. شارع يبرّئ نفسه من نظام محاصصة يؤبّد حكم طبقة هو من جلبها إلى السلطة بأصواته، وهو الذي يهتف في منتصف كل دورة انتخابية «نادمون لأننا انتخبناكم» ثم يعود لانتخابهم بعد عامين، شارع يبحث عن القائد المنقذ حتى لو كان المنقذ وهماً.

يكتب سلمان رشدي: في كل مجتمع وفي كل عصر هناك من يرى نفسه نبيّاً. لكنني أتساءل دوماً: ما الذي يجعل مجتمعاً ما يرى في هذا النبي المزعوم مجنوناً يُلقي به في مصح، ويرى فيه مجتمع آخر طرفة يستمتع بوجودها، ويراه آخر مبدعاً خارجاً عن المألوف فيما ينساق مجتمع آخر وراءه مسحوراً به؟

  • قراءة 450 مرات
الدخول للتعليق