العراق المختطف أيضاً

 

العراق المختطف أيضاً

سالم الكتبي
يبدو أن ظاهرة اختطاف القرار في بعض الدول العربية لم تعد محصورة في لبنان، فرغم أن إيران قد كرست نفوذها في العراق بشكل أقوى من لبنان خلال السنوات الأخيرة، فإن عاصمة الرشيد لم تكن على هذه الدرجة من الانكشاف في الاعلان عن تبعية قرارها السياسي لإيران أكثر من الوقت الراهن!!
منذ أيام قلائل، خرجت منظمة "بدر" عبر كتلتها النيابية في البرلمان العراقي لتهاجم قرار مجلس التعاون الخليجي بشأن تصنيف "حزب الله اللبناني" ضمن التنظيمات الارهابية، وتصف الحزب بأنه "تاج رأس كل وطني عربي"، وقالت المنظمة أن "حزب الله" شوكة في عين اسرائيل وتاج رأس وموضع فخر لكل عربي وطني شريف وان وصفه بالارهاب أمر على عكس الحقيقة حيث أنه حارب الارهاب وردع اسرائيل وكسر شوكتها"!
هذا الكلام يبدو لأي مبتدىء في السياسة في منتهى الغرابة والاستخفاف بالعقول، بل يدعو للشفقة على عقلية من سطّر هذه الكلمات، فلا "حزب الله" اللبناني شوكة في عين اسرائيل ولا ظهرها ولا حتى طرف قدمها (!) فميلشيات الحزب لم تعد تسفك سوى دماء السوريين، وتقاتل من أجل بقاء نظام بشار الطائفي، وتعمل على تشريد مزيد من السوريين العزل بعد أن بلغ عدد اللاجئين والنازحين أرقام مليونية تختلف الهيئات والمؤسسات الدولية في تحديدها بشكل دقيق.
الغريب أن بيان منظمة "بدر" قد تجاهل المشهد الراهن في المنطقة بكل مايحويه من مآس ومفارقات دامية يلعب فيها "حزب الله" اللبناني دور رأس حربة إيران وأحد اهم أدوات تنفيذ خططها التآمرية التوسعية، ليحاول استحضار الحرب التي تسبب الحزب في اشعالها ضد اسرائيل في عام 2006 وماتسببت فيه من خراب وتدمير للدولة اللبنانية ثم خرج الحزب ليعلن بعدها انتصاره الاستراتيجي!!
ندرك جميعاً أن معايير وحسابات هذه المنظمات والميلشيات للربح والخسارة تختلف تماماً عن معايير وحسابات الدول، فحزب الله أو حركة حماس على استعداد لقبول دمار شامل للحرث والنسل مقابل بقاء "الزعيم" حياً يرزق حتى يخرجوا للعالم ويتباهوا بأن اسرائيل قد فشلت في قتله وأن هذا بحد ذاته نصر لا يضاهيه نصر!!
هذا الدعم الطائفي البغيض لمنظمة "بدر" الشيعية العراقية لحزب الله اللبناني ليس سوى إعلان رسمي عن سيطرة وكلاء إيران في المنطقة على القرار السياسي في دول مختلفة، فالميلشيات تجاوزت دولها وانتهكت سيادتها وقفزت على الأدوار الرسمية، لتعلن بكل تجبح تبعيتها لإيران.
لم تكن منظمة "بدر" وحدها في خندق الدفاع عن "حزب الله" اللبناني بل اصطف إلى جانبها تنظيمات طائفية عراقية أخرى منها جماعة عصائب أهل الحق، التي اتهمت الحكام العرب بالتبعية لما وصفته بـ "إدارة الشر الصهيوأمريكية"، وهي بحد ذاتها مفارقة مثيرة للسخرية لأن عصائب الحق هذه معروفة للجميع بتبعيتها لإيران ويتلقى عناصرها التدريب والتمويل من جانب فيلق القدس التابع للحرس الثوري الايراني، كما أن هذه "العصائب" تتلقى أيضاً مساعدات من "حزب الله" اللبناني، والحقائق في هذا الملف واضحة ومعروفة لكل مهتم بالشأن العراقي، ولكن يبدو أن هذه التنظيمات الارهابية قد تخلت تماماً عن أي حسابات سياسية وباتت تجاهر بتبعيتها لإيران، ولم لا ورئيس الوزراء العراقي نفسه يعمل لمصلحة "الحرس الثوري" الايراني وينفذ تعليمات قادته؟!
يتردد كثيراً أن العراق بات مقسماً من الناحية الواقعية وأن إعلان التقسيم لم يعد سوى إجراء بروتوكولي ينتظر التوقيت المناسب للاعلان عنه ضمن مخطط إعادة هندسة جيوسياسية للمنطقة العربية، ولكن يبدو أن الميلشيات الشيعية العراقية في عجلة من أمرها ولا تريد الانتظار وتتحين أي فرصة لإعلان ولائها وتبعيتها لملالي قم، ثم بعد ذلك يريدون من دول مجلس التعاون أن تقف مكتوفة الأيدي على مايحدث من حولها من سيناريوهات تقسيم بغيضة على أسس مذهبية وطائفية تحقق تطلعات إيران وطموحاتها الاقليمية.
منذ فترة قال صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة أن "الأمن القومي العربي لا يتجزأ وسنتصدى للأجندات الاقليمية"، وهي رسالة لم تفهمها إيران ووكلائها جيداً ولم ينتبهوا إلى جديتها ومعناها ومغزاها، كما لم تفطن طهران إلى أن الكيل قد فاض بالعواصم الخليجية جراء العبث الايراني والانتهاكات المستمرة والقضم الاستراتيجي لجغرافيا دول عربية عدة.
ربما تفلح إيران في صرف أنظار المجتمع الدولي عن تصرفاتها الخرقاء في المنطقة، باستغلال المصالح الاقتصادية وتوافق الأهواء وتماهي الأهداف وغير ذلك، ولكن ما لم تدركه طهران أن دول مجلس التعاون لم تعد قادرة على التزام الصمت حيال هذه الممارسات، ولن تستطيع البقاء مكتوفة الأيدي في مواجهة عبث وكلاء إيران الارهابيين بالأمن القومي العربي.
وما لا تدركه هذه الميلشيات أن مواقف دول مجلس التعاون وحفاظها على سيادتها وأمنها واستقرارها لا تنطلق من حسابات طائفية ومذهبية دينية، بل من اعتبارات أمنية محضة، وقرارات ترحيل بعض العناصر التي تنتمي إلى هذه الجنسية أو تلك، يقع ضمن نطاق الأمور السيادية للدول، ولا يخضع لحسابات ضيق كما يتوهم هؤلاء الواهمون، ممن يتصورون أن الدول مثل الميلشيات تدار وفق منطق الهوى والمؤامرة!!  
  • قراءة 479 مرات
الدخول للتعليق