مع أول أنسام نهار أمس هبط عليّ إيميل رقيق مرسل من قلب المنطقة الخضراء، تكرّم به عليّ أحد الطيبين الخيرين المتفائلين بقرب أن تستقبل بغداد ربيعَها (الزماني) المنتظر، وربيعها الآخر (السياسي) الذي يجزم، في إيميله، بأنه سيقلب الطاولة على المحاصصة، ويضع مكانها حكومة تكنوقراط غير مسيسة، ومستقلة، ويُخرج الوطن وأهله من عنق الزجاجة، ويعيد إليه العافية من جديد.

بيني وبينكم، فرحت، ولكن لدقائق معدودة، وحلمت بربيع حقيقي يحتضن بغداد العزيزة، ووجدت نفسي عائدا إلى الديار التي كانت ديارا. ولكنني لم ألبث أن سقطت في موجة الحزن المزمن المقيم في نفسي منذ زمن طويل. فلم أستطع إسكات شكوكي في رحيل قريب وممكن لشتاء بغداد الثقيل الممل، وفي عودة ربيعها الجميل الذي افتقدنا أفراح شموسه الدافئة، وزغاريد هوائه العليل منذ أن هبط من طائراتهم قادة (عراقنا الديمقراطي الجديد) عائدين من مقاهي السيدة زينب في دمشق، والساحة الهاشمية بعمّان، ومن دوائر المساعدات الإنسانية البريطانية والأميركية والسويدية والهولندية والأسترالية، ليخيّم على سماء الوطن وعلى أهله المساكين شتاء قارس ومزعج وثقيل، لا يقل ضراوة عن أيام (الراحل) العزيز.
صورة من قلب المنطقة الخضراء ببغداد

الرسالة، يا قرائي الأعزاء، لا تقرأ بالمقلوب، كما فعل حجي راضي في مسلسل (تحت موس الحلاق)، ولكن بمطابقة الوقائع القائمة مع المُتوقع والممكن المترتب عليها، بدقة وتمحيص وتدقيق عقلاني، وبحنكة تحليلية فائقة، وليس بغير ذلك.

وربيع بغداد المنتظر يراد له أن يأتي على ذراعي أخينا حيدر العبادي، وهذا ما يفرض علينا أن نسأل، هل صحيح أنه المارد القادر على فعل ذلك، أو الراغب في فعله، قولا وعملا، سرا وعلنا، فيتحدى المتحاصصين المحيطين به، والممسكين بكل الحبال من حوله، والواقفين على كل باب وشباك في قصره، مثل المردة والشياطين، وهو الذي جاء منهم، من الأساس، وعلى حصان أبيض تكرّموا به عليه، وما زال منهم، وإن اختلفت المقادير؟

وحتى لو تمكن، فعلا، من تشكيل حكومته التكنوقراط العتيدة، من خارج الأحزاب والميليشيات، ودون وصاية المرجعيات الشيعية والسنية والكردية، هل سيتمكن من تمريرها في (برلمانهم)؟ إنه عشم في غير محله. ثم هل سيستطيع الوزير الجديد (المستقل) و(غير المسيّس) أن يخرج من مكتبه، ويتجول في مرافق وزارته ومؤسساتها، داخل المنطقة الخضراء وخارجها، في بغداد وفي غيرها من المحافظات؟

ألم يسمع قائد ربيعنا المنتظر بما تريده كتلة المواطن، التابعة لعمار الحكيم؟ إنها مصرة على توليفة (توافقية) لحكومة التكنوقراط التي يهجس بها حيدر العبادي؟ يعني أنها تريد توليد الحكومة التكنوقراط من ذات البطون المنتفخة الكبيرة، وبنفس الأذرع السمينة الممسكة بـ(خوانيق) الوطن، من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه. فهي وحدها من يسمح أو لا يسمح، لربيع أو خريف، ولصيف أو شتاء، بالمجيء أو بالرحيل.

فهي طالبت علنا، في الصحافة والتلفزيون، باستقالة الوزارة الحالية كاملة، برئيسها وكل وزرائها، وتشكيل الجديدة، ولكن ضمن (توافق) مكوّنات الشعب العراقي. (يعني المحصصة). على ذمة جريدة المدى العراقية التي نقلت عن قيادي في المجلس الأعلى تأكيده على “وجود تداول حول حكومة التكنوقراط التي سيتم اختيارها بـ(توافق) بين الكتل السياسية، بغية تسهيل تمريرها في مجلس النواب”.

والكتلة الكردية متمسكة بضرورة أن يختار حيدر العبادي وزراءه الجدد من (قوائم) تقدمها الكتل السياسية الفاعلة. والشيء نفسه يريده، ولا يسمح بغيره، تجمعُ القوى السنية وأربابه الكبار. ثم تعالوا ننظر في طبيعة الحكومة الحالية القائمة. أليست هي حكومة تكنوقراط؟ فرئيسها الدكتور حيدر العبادي مهندس إلكترونيات، ووزير خارجيتها إبراهيم الجعفري طبيب. ووزير النقل فيها بيان صولاغ مهندس مدني. ووزير تعليمها العالي حسين الشهرستاني عالم نووي. ووزير الموارد المائية فيها مهنَّد سلمان السعدي مهندس. ووزير ماليتها هوشيار محمود محمد زيباري حاصل على شهادة في العلوم السياسية من الجامعة الأردنية بعمّان، وعلى شهادة الماجستير في علم الاجتماع والتنمية من جامعة إسكس في المملكة المتحدة. ووزير النفط عادل عبدالمهدي أنهى دراساته العليا في السياسة والاقتصاد في فرنسا، وعمل في عدد من مراكز البحوث الفرنسية. ووزير التخطيط سلمان الجميلي حاصل على الدكتوراه في العلوم السياسية. ووزير الكهرباء قاسم محمد عبد حمادي الفهداوي مهندس متخرج في كلية الهندسة العراقية. ووزير النقل باقر صولاغ حاصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة المدنية عام 1969. ووزير التربية محمد تميم حاصل على شهادة دكتوراه في التاريخ من جامعة الموصل. وعديلة حمود وزيرة الصحة طبيبة نسائية منذ 15 عاما. ووزير الثقافة فرياد راوندوزي مهندس كيميائي. ووزير البيئة قتيبة الجبوري طبيب. ووزير الاتصالات كاظم راشد دكتوراه معلوماتية. ووزير العمل والشؤون الاجتماعية حمد شياع السوداني مهندس.

وحتى رئيس الجمهورية محمد فؤاد معصوم حاصل على شهادة بكالوريوس من كلية الشريعة والقانون في جامعة الأزهر عام 1958، ثم على الماجستير والدكتوراه في الفلسفة الإسلامية. ورئيس البرلمان دكتوراه في القانون. فهل هناك، بعد كل هذا، تكنوقراط آخر أكمل وأضبط من هكذا تكنوقراط؟

وبالعودة إلى إيميل الصديق العزيز المتفائل بقرب رحيل شتاء بغداد، وحلول ربيعها المنتظر، لم أستطع أن أفهم مصدر تفاؤله، وعجزت عن تخيّل حكومة عراقية مستقلة غير مسيسة تتشكل بـ(توافق) الكتل الدينية والقومية والمناطقية التي لن تقوم للوطن قائمة بوجودها إلا بمعجزة. ولا أظن أن زمان المعجزات يعود.