العراق في دائرة التشيُّع

العراق في دائرة التشيُّع


وسام الكبيسي – كاتب عراقي

خاص بالراصد

كان العراق طوال تاريخه الممتد لقرون طويلة ينتمي لعمق استراتيجي عربي في قوميته، وسني في معتقده، وكانت حواضره في البصرة والكوفة وبغداد مراكز الإشعاع العلمي والفكري والفقهي للأمة، وكان روضا للشعر والأدب والبلاغة والنحو كما كان مركزا لشتى الفنون ومنطلقا لأغلب العلوم والاكتشافات، برغم الأطماع التي كانت تحيط به، والمخاطر التي واجهته، وعمليات السطو التي طالته على امتداد محطات تاريخه، حيث واجه محاولات عديدة لسلخه، ولكنه سرعان ما كان يعود إلى حضن عمقه الاستراتيجي.

لقد أنهكت الحرب بين العراق وإيران (1980 – 1988م) الطرفين، وخرجا منها بأسوأ وضع، وتجرع الخميني (كأس السم) الذي ابتلع معه أحلامه التوسعية وفكرة تصدير الثورة، وكان يظن أن هذه الأحلام قد تبخرت وإلى الأبد، حتى أنه مات بعد فترة قصيرة من إعلان وقف الحرب، كمداً وحزنا على أحلام كان يظنها طوع بنانه، وتحت سطوة سلطانه.

ولكن الخطوة والخطيئة التي وقع / أو أُوقِعَ فيها نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، والتي تمثلت بغزو الكويت أحيت الأمل لدى خامنئي، خليفة الخميني على كرسي ولاية الفقيه، لإعادة رسم خارطة الصراع ولكن بصورة مختلفة هذه المرة تعتمد على الاستفادة من المشاريع الدولية والتخادم الاستراتيجي معها لتحقيق الأحلام التي لم يمكن تحقيقها ممكنا بالطائرات والدبابات والمدافع، وتحرك مشروع ولاية الفقيه لتكوين مفاتيح (لوبيات) ضغط في الدول ذات الثقل في القرارات ورسم السياسات وتنفيذ الأجندات الدولية.

وقد جندت في سبيل ذلك كل التوجهات والفعاليات الممكنة داخل الطائفة الشيعية، حتى وإن بدا لوهلة من الزمن أنها متناقضة أحيانا، وكان اللوبي الذي يرسم توجهاتها في واشنطن، علماني النزعة تغريبي النهج - في الغالب -، وقد تكفل هذا الفريق باستغلال خطأ القيادة العراقية لإزاحة الصخرة العراقية من وجه مشروع ولاية الفقيه وأحلامه التوسعية، فاستغل المعماري العلماني المقيم في الغرب (كنعان مكية) هذا الخطأ، وضعف العراق وجيشه بعد معركة الخليج الثانية عام 1991، وبات يكتب مقالات تغازل اللوبي اليهودي الأمريكي، وتدعو للتحذير من النظام الحاكم في العراق ظاهراً، ولتغيير المعادلة التاريخية العراقية عبر إبعاده عن عمقه الاستراتيجي باطنا.

خرج العالم يتحدث بعد حرب الخليج الثانية، وسقوط الاتحاد السوفييتي، عن ضرورة البدء بمحادثات السلام بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال في تل أبيب، وقد استغل كنعان مكية، وبقية فريق لوبي ولاية الفقيه أمثال أحمد الجلبي وعدنان إحسان الحيدري ونبراس الكاظمي ورندة فرانكلي وغيرهم هذا الحدث لإقناع أمريكا والغرب عبر التماهي مع اللوبي اليهودي، واستغلالا لظروف بدء المحادثات، ومن خلال سلسلة مقالات - منها مقال جمهورية الخوف - تميزت بالخبث الذكي، حيث طرح مكية أفكاراً ادّعت أن السلام لن يتحقق في الشرق الأوسط، إلا إذا أخرجنا العراق من دائرة عروبيته، وأن العروبة في العراق شأن سني إلى حد كبير!!، وهو بذلك مهَّد لفكرة سحب العراق من عمقه الاستراتيجي العربي - الإسلامي، ومن الطبيعي وفقا لخطة مكية ومن يقف معه أو وراءه، أن يسقط العراق في عمق استراتيجي منافس، فكان عمقا فارسيا في القومية، وشيعيا في المنهج، حيث لا يمكن أن نتخيل دولة بلا عمق استراتيجي تكتسب معه ومنه القوة والمرونة في مواجهة مشاريع الآخرين.

نعم وُجد التشيع في العراق، نشأة وتطوراً، حتى أصبح منهجا عقديا وفكريا سياسيا ذا صبغة خاصة، وتسمية محددة (الشيعة الاثنا عشرية، أو الإمامية، أو الجعفرية، نسبة إلى جعفر الصادق الإمام السادس وفقا للمفهوم الإمامي)، ولكنه بقي وجودا محدودا.

وللحقيقة فإن المؤرخين يؤكدون أن التشيع بدأ ينشط ويتوسع بدءا من النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بفعل عدة عوامل منها الجهل والبداوة التي ميزت الكثير من جوانب الحياة في جنوب العراق والخليج والجزيرة، خلال هذه الفترة من الحكم العثماني الذي أهمل هذه المناطق، بما في ذلك التعليم الديني والدعوة لمنهج أهل السنة، حيث شهدت تلك الأعوام كثافة في نشر التشيع في جنوب العراق فتشيعت عشائر مثل، بني حچيم من الزبيد، والشبل من الخزاعل وآل فتلة وفرعهم من الدغارة وبني حسن من بني مالك، والعفك. بينما تشيع بعض قبيلة العُبيد وشمر والظفير وبني تميم قبيل القرن التاسع عشر أو خلاله، كما تشيعت عشائر أخرى قبل ذلك بقليل، ابتداء من أواخر القرن الثامن عشر الميلادي مثل، البو محمد وخزعل وبني لام وربيعة وكعب، وبعض أتباع قبائل المنتفق والزبيد والدليم بصفة أفراد أو أفخاذ صغيرة.

ولكن بقي التشيع رقماً صغيراً، في مقابل الديموغرافيا والجغرافيا والتاريخ السني في العراق، وربما نشاهد اليوم متغيرات حقيقية ومؤلمة على أرض الواقع في العراق تقتضيها مصالح وضرورات دولية، أرادت صناعة الضد النوعي عبر تقوية القلة من (الطائفة) لتوازن وتوازي الكثرة من (الأمة)، وحصل ذلك للأسف في ظل ضعف وانقسام وتشرذم سني داخلي، وتجاهل سني إقليمي سلم هذه المناطق لمطرقة ميليشيات سليماني وسندان الغلاة في تنظيم الدولة، وهو ما قد يجعل الجميع يدفع ثمنه، إذا ما انهار السد المتمثل اليوم بالمناطق السنية في العراق - والشام لاحقا - وهيمن مشروع ولاية الفقيه على خط الهلال الشيعي (لا سمح الله)، وصارت بغداد عاصمة انطلاق يتمدد منها هذا المشروع في كل الاتجاهات، حيث تتحقق نبوءة الشاعر حين قالها محذرا: إذا ضاع منا شامها وعراقها فتلك من البيت العتيق مداخلُه

يندفع مشروع ولاية الفقيه مسابقا نفسه والزمن، لاستغلال الفرصة الدولية التاريخية السانحة، وهو يحاول أن يفرض بالقوة والترهيب ما لم يتمكن من فرضه بالترغيب، وكما يقول المثل أن كثرة الضرب يفلُّ الحديد، فإن بعض أهل السنة والجماعة في العراق بدأوا بالدخول في التشيع، بعضهم بدافع الطمع والمتع الزائلة التي يحسن أتباع ولاية الفقيه توظيفها، وبعضهم بدافع اليأس من تغيير الواقع السني والتنازع الداخلي، والإحباط من الدور الإقليمي السلبي الذي بقي متفرجا بينما تغتصب كتائب ولاية الفقيه الأرض والعرض وتنتهك التاريخ والجغرافيا وأبسط حقوق الإنسان.

أحد أبناء العرب السنة من منطقة الضلوعية يتحدث ومعه صور للأطفال، وقد عُصبت رؤوسهم بخرق خضراء مكتوب عليها (أدرِكنا يا صاحب الزمان) وهم من عشيرة الجبور، وتأتي أخبار مزعجة من مناطق في محافظة الأنبار قد تكون مراكز لنشر التشيع، مثل مزار الشيخ حديد في مدينة حديثة، حيث يُزعم أن نسبه يرجع إلى موسى الكاظم عليه رحمة الله، ومزار الشيخ مسعود في المضيق قرب الرمادي وهو الآخر محط نظر، حيث حاول الشيعة جعله مزارا شيعيا منذ نهاية السبعينيات لكن تصدى لهم العلماء وتم طردهم وقتها.

هناك مزارات في منطقة آلوس يُنسب بعضها إلى أولاد الشيخ عبد القادر الكيلاني رحمه الله، كما أن هناك مقاما للإمام علي رضي الله عنه في تلة آلوس، كان كنيسة من زمن الرومان قبل الإسلام إلى أن أصبح موقعا عسكريا عثمانيا عثر المنقبون فيه قبل الاحتلال على قبر كان يفوح مسكا.

ولدعاة ما يسمى (الدين المحمدي) برئاسة عبد القادر بهجت الألوسي في الفلوجة وحديثة صلات قوية بالحوزة في النجف وباتوا مدعومين من الحكومة كمراكز انطلاق في الأنبار، حتى إن عبد القادر يتحرك بصحبة رتل من السيارات المدرعة التي أهديت له، وينتقل إلى بغداد بالطائرات الحكومية، ومن حقنا أن نرتاب من حركته وصِلاته تلك، كما من حقنا أن نعتب على بني ديننا وجلدتنا الذين جعلوا بعض المحاصرين ينجرون بعواطفهم صوب المرجعية في مقابل علبة حليب وكيلو من الدقيق يسكتون بها جوع صغارهم.

وهناك شيوخ عشائر تربطهم روابط وصلات قوية بقادة الأحزاب الشيعية وبعمار الحكيم خصوصا، وغالب هؤلاء تحركهم الأطماع والسعي وراء العقود والامتيازات.

السياسيون المنتفعون - وهي السمة الغالبة على ممثلي العرب السنة - لا أظن أن الكثيرين منهم سيكلف نفسه التصدي إلا بتصريحات خجولة على أفضل الاحتمالات، أما الذي سيعترض من العلماء وبقية أهل السنة، فإن تهمة الطائفية والوهابية والداعشية ستكون جاهزة بل إن تصفيتهم ستكون من أولويات الميليشيات المدعومة من قبل الحكومة وأجهزتها السرية الإجرامية ثم تلصق التهمة بداعش كالعادة.

حدثني أحد أصدقائي ممن خرجوا قبل فترة من المنطقة، فقال لي: "التقيت في آلوس (التي ينتسب لها عدد من العلماء بينهم الآلوسي المفسر)، بقريب لي يدير مسجدا تم استدعاؤه إلى مدينة حديثه عند أحد المتنفذين من الجغايفه بناء على تقارير لأحد عيونهم، قال قريبي: عند دخولي مكتب هذا الشخص رأيت صورة كبيرة لمحمد باقر الصدر وراياتهم مما يعني أنني دخلت مكتبا لحزب الدعوة"، ويضيف الشيخ لصديقي فيقول، "لقد تمت مفاتحتي للانتماء لحزب الدعوة فاعتذرت"، وسرد تفاصيل كثيرة عمن تم تجنيدهم في تلك الفترة.

في مسجد خديجة الكبرى، وهو مسجد مركزي يقع قرب مديرية ناحية العلم، معقل إحدى الدعوات السلفية المسالمة للسلطات، يذكر لي صديق من المنطقة فيقول: "قام أحد معممي الشيعة بإلقاء محاضرة في المسجد بمناسبة عاشوراء، من قبل ما يسمى بالتوجيه العقائدي للحشد، ووضعوا لافتات عند بوابة المسجد من قبل جماعة الحشد وهم مسلحون طبعا، ولكن هذا المصدر نفى الأخبار التي ذكرتها بعض القنوات والمواقع الإعلامية من تحويل هذا المسجد لحسينية، حيث قام المصلون برفع اللافتات والشعارات الطائفية، وهو ما جوبه بامتعاض شديد من قبل قوات (الحشد الشعبي)، ويضيف المصدر قوله لي: "في منطقة المزرعة في بيجي سمعت أنهم فرضوا أن يكون الأذان حسب الصيغة الشيعية، يعني إضافة (على ولي الله، وحي على خير العمل)، وبعكسه يغلق المسجد!! هذا حصل - وفقا للمصدر - في المساجد القليلة التي لم تهدم في المدينة بعد دخولها من قبل الجيش والميليشيات المرافقة".

بعض الشخصيات السياسية في محافظة صلاح الدين كانت قد ذكرت أن فصائل الحشد الشعبي أقدمت على افتتاح مكاتب خاصة لـ “استقبال المتشيعين الجدد”، وتضم صلاح الدين بعض أهم المراقد الشيعية في العراق التي يؤمها الآلاف من الزوار سنويا، وشهدت الأشهر الماضية زيارة نحو 150 من أبناء صلاح الدين “المتشيعين” إلى المناطق المقدسة لدى الشيعة، في كربلاء والنجف، وقد توشحت ملوية سامراء منذ مدة بالشعارات الدينية الشيعية واللون الأسود، وارتفعت الرايات الشيعية فيها، فيما يتدفق على سامراء المئات من الزوار بشكل يومي منتظم لزيارة مرقد الإمامين العسكريين، وفقا لمصادر مؤكدة.

ويرى الكثير من المراقبين سعيا حميما لتكرار ما قام به الصفويون قبل قرون من سعي لجعل العراق شيعيا خالصا، ومن الوسائل التي يعتمدها مشروع ولاية الفقيه كذلك، العمل على تغيير المناهج الدراسية والضغط على الطلبة والمدرسين والموظفين لحضور المناسبات والزيارات الشيعية والمشاركة فيها، واعتبار من لا يحضرها داعشيا إرهابيا.

ويعمد مشروع ولاية الفقيه وأذرعه في العراق إلى طمس الهوية السنية منه بالتدريج، وما الأحداث التي جرت في قضاء المقدادية من محافظة ديالى التي تفصل بين بغداد والحدود الإيرانية مباشرة إلا وجها من وجوه هذا السلوك المنظم، وبالإضافة لذلك يعمل المشروع على تهجير سكان المناطق السنية بدعاوى باطلة، ثم يقوم بتجريف بساتينهم وسرقة ممتلكاتهم وحرق دورهم ومحلاتهم وتفجير مساجدهم، وقتل أئمتها ودعاتها وروادها، لبث الرعب في قلوب البسطاء، وإفراغ الساحة من العلماء والدعاة والكفاءات والمثقفين، تمهيدا لتشييع المناطق بأهلها أو بدونهم عبر قتلهم وتهجيرهم بالإكراه، ويكفي أن نتذكر بأن أكثر من مائة من القرى والنواحي ذات الأغلبية العربية السنية في محافظة ديالى قد تم تدميرها بالكامل.

وللتدليل على خطورة الأمر في محافظة ديالى مثالاً، فإن علينا أن نلاحظ النسب التي حصلت عليها الكتل الانتخابية خلال عدة دورات كي نرى التغير الكبير بين ما حصل عليه العرب السنة مقارنة بالشيعة حيث تظهر انخفاضا واضحا بين عامي 2009 و2014، كما جاء في تقرير لقناة الجزيرة وتحدثت عن ذلك منظمات معنية محلية وإقليمية ودولية، كما أبدت هذه المنظمات قلقها من ظاهرة الإعلانات في الصحف لدعاوى تغيير الأسماء التي تحمل إيحاءات سنية (اسم عمر وعائشة مثلا)، وهو ما يؤشر إلى حجم الضغوط والإكراه والتمييز التي تواجه الشباب السني، مما يؤكد على حقيقة أن مشروع ولاية الفقيه ماض بالعمل على تشييع العراق طوعا أو كرها.

رغم ذلك نقول، إن العراق جرب مثل هذه الظروف والمواقف، ومرت عليه مثل هذه الصعاب والمصائب، ولكنه سرعان ما خرج من تحت الرماد كعنقاء الأساطير، وعاد ليمارس دوره في العربات الأولى من قاطرة حركة الأمة في مسارها ومسيرتها، خصوصا أن ما يجري على أرض العراق هو استثناء خارج سياق التاريخ والجغرافيا، أملته ظروف دولية معينة، وحالة من الضعف والتخبط المحلي والإقليمي السني، وهي مرحلة ستنتهي في يوم لا يبعد عنا كثيرا، بمصالحة بين التاريخ والجغرافيا، لأن بغداد مهرة حرة لا يستقر على ظهرها إلا فوارسها الذين تعرفهم وتألفهم.

  • قراءة 810 مرات
الدخول للتعليق