النهب في العراق… حفريات اجتماعية

مع بروز ظاهرة النهب في العراق بشكل لافت، التي طالت شبهتها طيفا واسعا من الطبقة السياسية الحاكمة في عراق ما بعد 2003، بات ضروريا أن نطرح سؤالا ملحا؛ هل لظاهرة النهب جذور تمتد عميقا في الشخصية العراقية؟ ولماذا طالت شبهات الفساد كل الطيف السياسي، بدون تمييز بين الأحزاب، إسلامية كانت أو علمانية؟
للعراق تاريخ حافل في عمليات النهب والسلب، التي عادة ما تتبع حالات الانفلات الأمني التي تحدث بعد الحروب أو الكوارث الطبيعية، وقد درسها أكثر من باحث ربما كان أبرزهم عالم الاجتماع العراقي د.علي الوردي، الذي عزا الأمر إلى صراع البداوة والحضارة في الشخصية العراقية.
وأشار في عدد من كتبه إلى أن جذر البداوة ضارب في عمق الشخصية العراقية، فترى صفات الشخصية البدوية تظهر كلما وجـــدت إلى ذلك سبيلا حيث تتفاخر بنهب وتدمير مؤسسات الدولة العدو الأول للبدوي. في المقابل، وعلى سبيل المقارنة، نحن نتذكر كارثة مفاعل فوكوشيما في اليابان، وهي كارثة تطورت بعد الزلزال في 11 مارس 2011.
وهنا نسأل، لماذا لم تحدث حالات نهب أو سرقة بعد الكوارث وما تسببه من انفلات، وعجز الدولة عن القيام بواجباتها في هذا البلد؟ والإجابة ببساطة لأن بنية المجتمع الياباني تاريخيا مختلفة، حيث كان نمط العلاقات الاجتماعية في اليابان في الحقبة الاقطاعية مختلفا، إذ لم يكن الاقطاع الياباني متعسفا تجاه فلاحيه مثل الاقطاع الاوروبي، أو الإقطاع الشرق ـ أوسطي، بل امتاز بنمط من العلاقات الاجتماعية يمكن وصفها باللحمة او الانتماء العائلي، التي ينظر عبرها الفلاحون بإجلال واحترام لاقطاعييهم، وفي المقابل يمنحهم الإقطاعي الرعاية والعناية والتكفل باحتياجاتهم الحياتية، بما يضمن كرامتهم الإنسانية، لأنه يعلم أن ثروته قائمة على فائض جهود فلاحيه، ثم تحول رموز الاقطاع وبدفع ومساعدة الدولة إلى الاستثمار الصناعي لينشئوا رأسمالية صناعية وطنية في عام 1868، خلال حكم الإمبراطور مييجي، فيما عرف بحقبة تحديث اليابان، وبالتالي بنيت علاقات الفلاحين الذين تحولوا إلى عمال مصانع على الاسس القديمة من الولاء والانتماء لمؤسساتهم الصناعية الجديدة، وبالمقابل تمنحهم هذه المؤسسات الحماية والرعاية، وبذلك بنيت الشخصية اليابانية وهي تشعر بالمسؤولية تجاه المؤسسات العامة، وهذ الامر بالتأكيد يحتاج إلى تفصيل اكثر ربما سنتناوله في مرة قادمة، وللمقارنة والخـــروج بنتائج موضوعية نسأل، إذن، لماذا يختلف الامر في مجتمعاتنا؟ وأنا اتكلم تحديدا عن المجتمع العراقي في تاريخه الحديث والمعاصر؟ 
لقد شهد العراق في الحقبة الملكية الكثير من ظواهر النهب الكبرى في اكثر من حادثة او نزاع داخلي، وربما كان أكثرها رسوخا في الذاكرة العراقية ما عرف بـ»فرهود 1941» وكلمة «فرهود» تعني النهب، والحادثة هي ما حصل بعد الاطاحة بحكومة ثورة مايو1941، فقد شنت بريطانيا الحرب على العراق واسقطت حكومة رشيد عالي الكيلاني، وأعادت الأمير عبد الإله، الوصي على عرش العراق، إلى الحكم لينكل بالعقداء الاربعة الذين قادوا الانقلاب العسكري على الحكومة السابقة، وعزلوا الأمير عبد الإله، وعينوا بدله احد اشراف العائلة الهاشمية هو الشريف شرف بن راجح وصيا على العرش، عاد الأمير عبد الإله لينتقم وليعلق المشانق لرموز الانقلاب في مدخل وزارة الدفاع. من طرف آخر كان يهود العراق يشعرون بالقلق والتهديد من حكومة الانقلاب العسكري لميولها المعلنة والواضحة نحو ألمانيا النازية نكاية ببريطانيا، لذا فقد فرحوا بسقوط حكومة رشيد عالي الكيلاني، ولم يخفوا فرحتهم، بل خرجوا إلى أطراف مدينة بغداد بأبهى حللهم لاستقبال الامير عبد الاله العائد في الاول من يونيو 1941، وبالصدفة المحض كانت فرحتهم مضاعفة، لتزامن هذا الحدث مع احد اعيادهم الدينية، ونتيجة لكره شرائح واسعة من المجتمع العراقي للانكليز والقصر، مع الاحساس بالعجز عن القيام بشيء مؤثر ضدهم، تحول سيل الشعور الغاضب والساخط لينصب على اليهود باعتبارهم رمزا وعونا للمستعمر البريطاني والوصي المكروه شعبيا، وبذلك تحولوا إلى كبش فداء للانفلات الأمني الذي حصل جراء الفراغ الحكومي الحاصل، ما بين اسقاط حكومة الكيلاني وتشكيل الحكومة الجديدة، فوقعت حوادث ما عرف بـ(فرهود 1941) حيث نهبت واحرقت بيوت ومحلات اليهود وتعرض بعضهم للقتل، ولم يكف الناهبون عن القتل والحرق والتدمير، إلا بعد أن أمر الوصي بإطلاق النار على الناهبين، بعد أن أصبحت ممتلكات المسلمين في خطر النهب أيضا، ثم شكلت لجنة تحقيق عن حوادث يومي 1 و2 يونيو 1941، بقرار من مجلس الوزراء برئاسة محمد توفيق النائب، لكنها لم تخرج بنتائج حاسمة، ما ترك غصة في نفوس الطائفة اليهودية وشرخا يعزلها عن النسيج الاجتماعي العراقي، ولم تمح هذه الغصة مع مرور السنين، إذ ظهرت آثار هذا الخوف بعد عشر سنوات عندما حصلت الهجرة الكبرى عام 1951 إلى (اسرائيل) هربا من اعمال انتقامية قد تحدث مجددا.
واستمرت حالات النهب، وكانت تتناسب تناسبا عكسيا مع قوة وسطوة الحكومات، إلا أن هنالك نقطة مهمة يجب الوقوف عندها، وهي دور الجانب الحكومي الذي رسخ مفهوم (النهب الرسمي) وهنا لابد من ذكر بعض الحوادث التاريخية؛ الاولى ما عرف في تاريخ العراق المعاصر «بتهجير التبعية الايرانية» في مطلع الثمانينيات، إذ تمت مصادرة الاموال المنقولة وغير المنقولة لعشرات الآلاف من العراقيين من ذوي الاصول او التبعية الايرانية، والقاؤهم في العراء على الحدود الدولية مع ايران، هذه الظاهرة رسٌخت في مخيلة المواطن العراقي مفهوم الدولة النهابة، كذلك ما حصل للمدن الايرانية الحدودية عندما اجتاحتها القوات العراقية في بداية الحرب العراقية ـ الايرانية بداية الثمانينيات، فقد نُهبت هذه المدن خاصة مدينتي المحمرة وقصر شيرين، من قبل الضباط والجنود، أمام أنظار السلطات الحكومية، التي لم تردعهم ولم تتخذ بحقهم اجراء قانونيا، وهذا ما حصل ايضا، ولكن بشكل اكثر تنظيما ابان احتلال الكويت، إذ ولأول مرة يحدث أن دولة تسرق دولة اخرى بالكامل، فقد عمدت المؤسسات الحكومية وبتوجيه من قياداتها إلى الاستحواذ على ممتلكات المؤسسات القرينة لها في (المحافظة التاسعة عشرة) كما اطلق على الكويت، وتم تحويل ممتلكات الوزارات الكويتية إلى قرينتها العراقية في بغداد، بالإضافة إلى عمليات النهب والسرقة التي مارسها بعض الافراد المتنفذين في الدولة للاموال العامة والخاصة في الكويت، هذه الظواهر التي حدثت في العراق وايران والكويت رسخت مفهوم النهب في الشخصية العراقية، بعد أن توارى هذا المفهوم بعيدا في عقدي الخمسينيات والستينيات مفسحا الطريق لسلطة القانون، ولو بدرجات متفاوتة بين حقبة واخرى.
وعندما كلكل الحصار الاقتصادي على العراق، الذي فرض على الشعب العراقي بدون أن يمس النظام طوال ثلاث عشرة سنة، كانت ثقافة النهب تُرسخ من قبل الدولة، ففي ما عرف «بقضية التجار»، وهي قضية اتهم فيها كبار التجار العراقيين المستوردين للمواد الغذائية باحتكار السلع الغذائية لرفع اسعارها، واحيلوا إلى محاكم صورية امرت باعدامهم، وبأمر من الحكومة تم فتح مخازن هؤلاء التجار المغدورين والمناداة على الناس (تعالوا وخذوا ما كنز اعداء الشعب) ليتم نهب ممتلكاتهم بالكامل، واصبح في هذا العقد الاسود نهب المال العام مدعاة للفخر، وإن من يقوم بذلك من الناس لا يخجل او يداري الامر فهو (شاطر) يعرف كيف يستغل وظيفته، حتى استشرى الفساد إلى درجات غير مسبوقة، ولم تكن الحكومة تلتفت لذلك، اذ انها كانت تعتبر النهب والفساد الحكومي من الامور التي لا تمس أمن الدولة، مثل القضايا السياسية، لتنتهي هذه الحقبة بأكبر كارثة نهب شهدها العراق في ما عرف بـ»الحواسم»، وهو الاسم الذي أطلقه الرئيس الأسبق صدام حسين على الحرب التي شنتها قوات التحالف ضد العراق عام 2003 وسمتها «حرية العراق»، والتي انتهت باسقاط النظام وشيوع حالة الانفلات التي طالت المؤسسات والدوائر الرسمية اجمع، ومنها كارثة نهب المتحف العراقي وتدمير التراث الحضاري للعراق، الذي عد خسارة للانسانية جمعاء وليس للعراق فقط. وبات مصطلح «الحواسم» شائعا في الثقافة الشعبية العراقية واصبحت هي الكلمة البديلة لـ»النهب» أو «الفرهود».
وقد وقفت القوى المجتمعية التقليدية ممثلة برجال الدين والشيوخ القبليين وكبار السن في المجتمعات المحلــــية، وكل من له هيـــــبة أو مكانة اجتماعية بوجه هذه الفوضى، وأمروا الناس بحكم مكانتهم الاجتماعية أن يعيدوا ممتلـــكات الدولة، لأنها ملك للجميــــع، وفعلا تمت إعادة الكثير من المنهوبات. وهنا يجب أن نشير إلى أن جزءا اساسيا من المشكلة يتحمـــله النظام السابق، لانه افرغ المجتمــــع من مؤسســـات المجتمع المدني، التي كان بإمكانها ملء الفراغ وتقليل الخسائر والكوارث التي حصلت عندما دمر الاحتلال بنى الدولة.
إن ما نعيشه اليوم من فساد حكومي، لم يأت من فراغ، انما هنالك العديد من الجذور التاريخية التي مهدت لحدوثه. أنا لا أتجنى أو أتحامل على الشخصية لأن مثل هذه الامراض الاجتماعية تصيب أي مجتمع من المجتمعات، ولكن بتفاوت من مكان لاخر، ونحن شهدنا حالات النهب والسلب في دول تعد من الامم الراسخة في التحضر والتقدم، في اوروبا وامريكا عندما تعرضت إلى كوارث طبيعية او حروب، الا اننا يجب أن نؤكد على رسوخ قيم المواطنة والحق والخير في هذه المجتمعات بدرجة تفوق المجتمع العراقي الذي تناوبت عليه المحن والكوارث طوال تاريخه المعاصر فاوصلته إلى ما هو عليه اليوم.

٭ كاتب عراقي

صادق الطائي

  • قراءة 495 مرات
الدخول للتعليق