الغاء الوطن

 
 
 
تنزيل (1)

 

 

  عبد الحميد الصائح

لايمكن لعاقل ان يجد بطاطا او طماطة بسعر ربع دينار  للكيلو ويشتري بطاطا او طماطة بسعر نصف دينار للكيلو من السوق نفسه. لاسيما اذا كانت البضاعتان متقاربتين في الجودة .

واذا ما كان جميع المتسوقين عاقلين وعقلاء و عقلائية  في العراق . فانهم حتما – دون قصد – سيقتلون الزراعة العراقية ويهينون الفلاح العراقي الذي اصبح تحت رحمة الوزارات الفاسدة والمديريات المختلسة وهي تحتقر  الزراعة العراقية  ، تضغط عليها و تبتزها ، فيما تتيح لتجار السحت الحرام استيراد الفواكة والخضرورات والمواد الصناعية والزراعية الاخرى من الدول المجاورة بتسهيلات وتواطؤ ملحوظ ، فتأتيك باسعار اقل بكثير من سعرالبضاعة الوطنية  .

في مثل هذه الحال القرار الاكثر حكمة يفترض ان يكون الغاء او تحريم الزراعة وجعل الفلاح العراقي يغادر ارضه ويعمل حمّالا في الاسواق التي تسوّق البضاعة الأجنبية ، بدل ضياع الوقت في الزراعة والسقي وانتظار ايام الحصاد. و معنى الغاء الزراعة والصناعة يعني الغاء الوطن .

ربما يستغرب احد ان ابدأ بالطماطة والخس موضوعا عن مصير الوطن ووجوده ، لكنها الحقيقة ، لاننا اعتدنا ان نتعامل مع الوطن من منطلق شعري فلسفي فوقي ، من منطلق الحرب والسلام والولاء والخيانة والتسليح والتحالفات ، تاركين ركائز الحياة  الاساسية تنتهك ،فالارض بائرة والانهر ناشفة  والعمال عاطلون والفلاحون بؤساء والمستشفيات اسطبلات بلا عناية ، والكفاءات تهاجر ، ونتحدث عن التاريخ والمستقبل والحدود وتقسيم البلد والخرائط المفترضة التي تضعها مراكز النفوذ الدولية . وكل هذا  ليس له ادنى قيمة ازاء شرايين الحياة وبنية البلد والمجتمع الاساسية ، تلك بايديهم وهذه بايدينا ، فالجائع ومن تنتهك عائلته وحياته وشرفه ، تكون العدالة لديه اهم من الوطن. والمواطن المنتج يرى في حمايته بالقانون واجراءات السلامة والدعم اهم من الحفاوة الاعلامية التي تزول بعد التصوير !

في بريطانيا ، الفلاحون طبقة ثرية ، وهذه البلدان الراسمالية التي تحسب الموارد فلسا فلسا لاتفرط بالعائلة والمجتمع الزراعي الذي جعلته اكثر طبقات المجتمع ترفا وثراء ، من توفير اراض باسعار رمزية وقروض ميسرة لشراء المكائن الزراعية  وتوفير التكنلوجيا الحديثة الى بيع الوقود باسعار مخفضة . والاهم من ذلك توفير شركات التصنيع والتعليب والتغليف والتسويق التي تنصب اجهزتها داخل المزارع . هذه الامتيازات ” الوطنية ” هي التي تجعل المنتوج المحلي قادرا على منافسة السلع المستوردة لاسيما في اسواق   اوربا  المفتوحة لكل منتوج من جميع انحاء العالم .

الثرورة الطبيعية في اي بلد ليست ميزة له ولأنسانه ، لانها ثروة  جاهزة موروثة ومنزلة من السماء ، الميزة الحقيقية هي في تصنيعها واستثمارها وتحويلها من مصدر احادي متذبذب الى مصادر انتاجية ثابتة لاتؤثر فيها تقلبات الاسواق ولاتتلاعب بها المصالح  ،  خلاف ذلك  وببساطة شديدة مايحدث لدينا هو جريمة   سياسية واقتصادية ليس المواطن ضحيتها حسب بل الوطن نفسه.

  • قراءة 305 مرات
الدخول للتعليق