المكر الإيراني في القضية السُنية العراقية

المكر الإيراني في القضية السُنية العراقية

 

صباح العجاج– كاتب عراقي

خاص بالراصد

طفت (القضية السنية العراقية) على سطح المشهد مؤخراً برغم أنها قديمة ومؤلمة، نعم برزت متأخرة عن الوقت المطلوب، لكنها بدأت تنضج بشكل سريع منذ عام 2012، ولعل من أسباب هذا التأخر تشتت حَمَلتها وأسباب عدة ليس هذا مجال ذكرها.

لقد أيقن الجميع تقريبا أن القضة السنية لا يمكن تجاهلها أكثر مما جرى، بل إن القضية السنية تجاوزت الحدود العراقية لتصبح قضية تهم دول المنطقة بعد انفضاح المحور الشيعي الذي تقوده إيران في كل من العراق وسوريا ولبنان (حزب الله) واليمن (الحوثي)، ويتبع هذا المحور غالب التجمعات والأقليات الشيعية في أرجاء العالم، ومن ثم تطور هذا المحور ليأخذ بعدًا عالميا جديدًا يهدد الوجود السني؛ فإيران اليوم تتلاعب في تركيبة العراق وسوريا الديمغرافية وربما تساهم في ظهور خرائط جديدة في المنطقة.

لكن الأطماع الإيرانية باتت تدرك أنّ هناك مخططا أمريكيا مدعوم غربيا لإيجاد شرق أوسط جديد، وأن أطماعها بالسيطرة على العراق كاملاً أمر صعب للغاية ويصطدم بتلك المخططات، التي لا تريد إيران قوية للغاية تهدد الغرب وإسرائيل على الحصص والنفوذ إلا بما يناسبها هي.

كما أن إيران تدرك كذلك حقيقة حجم الوجود السني الحقيقي في العراق، لا ما تذيعه الوكالات الغربية من أنه يمثل فقط 20 %، بل هو وجود كبير إن لم يكن أكثر من النصف فهو على تخومها، وهو وجود منافس ومعرقل لمشاريعها الطائفية في العراق؛ لذلك كان من مخططات إيران في العراق السيطرة على من يمثل المكون السُني العراقي، ليكون تابعا أو مقربا لها.

ومع انطلاق تحركات سنية هنا وهناك لتأسيس واجهة جديدة تعبر عنها بصدق، سعت إيران لمعرفة خارطة المكونات السنية وتنوعاتها واختلافاتها لتنسج بدورها ثوبا جديدا من المكونات السنية يكون تابعا لها أو مقربا منها.

وفيما يلي بيان لمحاولات تكوين واجهة سنية والموقف الإيراني منها:

الوقف السني ومن يديره:

حاول الشيعة زمن رئيس الوزراء السابق نوري المالكي منع تعيين أي رئيس جديد للوقف السني إلا بموافقته، رغم أن قيادة الوقف السني حق خالص للسنة بالعراق لا يجوز تدخل الأطراف الأخرى به، كما هو حال بقية الأطراف إذ لا يجوز لأحد أن يتدخل في تعيين قياداته.

ونجح الشيعة اليوم في زمن رئيس الوزراء الشيعي د. حيدر العبادي[1] بالتعاون مع إيران على فرض اسم مقرب منها لقيادة الوقف السني وهو د.عبد اللطيف الهميم الذي يملك علاقات قديمة مع إيران([2])، حيث عيّن العبادي الهميم في 14/6/2015 بالوكالة رئيسًا بالوقف السني.

كان الهميم في طروحاته السابقة من الذين يرفضون الكلام في المكونات العراقية ويعتبر ذلك طائفية صدّرها الاستعمار، لكن اليوم له طرح مختلف فأصبح يتحدث عن ضرورة إيجاد مكون سني! والمتتبع والمقرب منه يدرك أنه كُلّف بتشكيل جبهة سنية داخلية لها صلة وطيدة بإيران، فبدأ يتحرك بحرية داخل العراق لإنشاء تجمعات سنية من خطباء مساجد وعشائر ونخب ليكون ممثلا للعرب السنة برعاية حكومية عراقية، داعيا للتفاهم مع الحكومة الحالية (الشيعية).

والهميم شخصية ذكية، وهو مفاوض ناجح يمتص الخصم بسهولة وله نفَس طويل وتخطيط مسبق؛ فهو يعمل على عدة توجهات سنية، ومن أهمها التوجهات البعثية التي كانت موجودة داخل الوقف ووزارة الأوقاف زمن النظام السابق، وفعلا قرّب وأعاد شخصيات كانت متهمة من قبل الحكومات الشيعية، ويبدو أنه يهدف إلى تخفيف عداء حزب البعث تجاه الحكومة بطرق مختلفة، فأعاد أيضاً عددا من الشخصيات الصوفية التي كانت مقربة من عزة الدوري للوقف السني كبديل أفضل لأن التصوف أقل عداء وحديّة من كل التوجهات تجاه التشيع وإيران.

هذه هي المحاولة الأولى المدعومة إيرانيا بواسطة هذه الشخصية المراوغة الذكية والذي قدّم تنازلات كبيرة للشيعة من خلال رئاسته للوقف السني.

ظهور ائتلاف القوى السنية:

أعلن في تركيا بتاريخ 13/7/2015 عن تشكيل ائتلاف القوى السنية، ويضم مجموعة من فصائل المقاومة والنخب السياسية، ولأن الائتلاف ليس تابعا لجهة معينة لذا جرى التضييق عليه إعلاميا وعدم الترويج له، لأنه يشكل تحديا للحكومة الشيعية في العراق ولإيران، ويمثل هذا الائتلاف محاولة لسنة الخارج المعارضين للعملية السياسية في العراق من تشكيل واجهة تعبر عن السنة وقضيتهم في العراق.  

مؤتمر قطر:

في قطر بتاريخ 14/9/2015 عقد مؤتمر جمع بين سنة العراق المنخرطين بالعملية السياسية وبعض أطراف سنة المعارضة، قوطع المؤتمر من قبل حزب البعث وهيئة علماء المسلمين ولم يُدع له ائتلاف القوى السنية، وقيل إن حيدر العبادي كان موافقا عليه وقيل غير ذلك، لكن المؤتمر هاجمته التوجهات الشيعية في العراق بشدة ولم يكتب له الاستمرار.

لقاء الأردن:

في نهاية عام 2015 شهد الأردن تحركات لسياسيين عراقيين سنة مقيمين بالأردن والإمارات وتركيا، ومقربين من إيران والمالكي لعقد لقاء للسنة المعارضين ودعوتهم للتفاهم مع الحكومة العراقية الشيعية، ومن هذه الشخصيات: محمد سلمان الطائي (محمد السني) وحسين الفلوجي وهما برلمانيان سابقان، ود. محمود المشهداني، رئيس البرلمان العراقي سابقا، وغيرهم، للترويج إلى لقاء مختلف عن لقاء قطر داخل الأردن، وأن مؤتمرا بين سنة الخارج والداخل لابد من أن ينعقد وإجراء عملية مصالحة سنية سنية تمهيدا لمصالحة شيعية سنية، وقد صرح بعض هؤلاء أن هذه التوجهات تباركها الحكومة العراقية وإيران، وتصريحهم بهذا يتضمن احتمالين:

الأولى: أنها رسالة من إيران للسنة أن لا سبيل للعمل خارج سيطرتها في العراق، وأن على أصحاب المشاريع السنية التفاهم مع إيران وليس الذهاب لأمريكا أو السعودية أو تركيا، فمقاليد الأمور بيدها.

الثانية: أنها محاولة للتنفير من المشروع وإحباطه، والحفاظ على نفوذ سنة الحكم الذين ارتبط أكثرهم بالمالكي ثم تحولوا إلى سنة إيران، وإيران سعيدة بهم ولا ترغب باستبدالهم.

هذه بعض المحاولات لتشكيل واجهة سنية ومحاولات إيران إحباطها بما يكشف عن مكر إيراني كبير في التلاعب بالقوى السنية أو احتوائها.

الحزب الإسلامي وجماعة الإخوان:

يعتبر اختراق واحتواء هذا الكيان من أسهل الأمور على إيران للسيطرة على المكون السني؛ ذلك أن هؤلاء يمتلكون علاقات قديمة مع المعارضة الشيعية من خلال مشاركة قيادات إخوانية عراقية في مؤتمر لندن عام 2002 وتعاونها مع المعارضة الكردية والشيعية للنظام السابق، ومن أشهر هذه القيادات أياد السامرائي (أمين العام الحزب الإسلامي) وأسامة التكريتي، ويؤيد ذلك أن اسم الحزب الإسلامي كان مطروحا منذ احتلال العراق وتكوين مجلس الحكم كأحد المكونات السنية.

إنّ علاقة جماعة الإخوان العالمية بإيران في عدة دول معلنة ومعروفة لذلك لن تكون علاقة الحزب الإسلامي بإيران أمرا مخالفا للنسق التي تسير عليه جماعة الإخوان في العالم العربي والإسلامي.

والحزب الإسلامي اليوم يتصدر مشهد المكونات السنية المراد تأسيسها مستقبلا خاصة بعد أن قرر سياسيا أن يكون رئيس مجلس النواب من جماعة الحزب الإسلامي فكان إياد السامرائي ثم سليم الجبوري، لذلك تسعى إيران ليكون المكون السني بيد الحزب الإسلامي لأنه مقرب منها جدا ويحظى برعاية وعلاقة جيدة مع إيران.

وبموازاة ذلك تعمل إيران بخبث شديد على تفريغ هذه المحاولات بطرق مختلفة منها:

- دعم قوى سياسية ترفض تشكيل السنة لواجهة مستقلة لهم بحجة الوطنية، فقد باشر د. إياد علاوي (علماني شيعي) للترويج لمشروع وطني خارج العراق جامعا مجموعة من السنة العلمانيين والشيعة، لتشكيل جبهة سنية شيعية وطنية، وهذا المشروع مدعوم من قبل العبادي لمواجهة المطالبة السنية، وقد سبق لإيران أن أحبطت القائمة العراقية بقيادة علاوي حين فاز بالانتخابات على نوري المالكي، لكن الآن يُدعم ليحبط المشروع السني!

- توجيه ضربات قانونية استباقية لمن يروّج لمشاريع سنية مثل البرلماني والوزير الأسبق رافع العيساوي والتاجر العراقي المعروف خميس الخنجر، وأصدرت بحقهما أحكاما بالحبس لعدة سنين بتلفيق تهم إرهابية لهما، كما تم ذلك أيضاً بحق محافظ نينوى السابق أثيل النجيفي لأنه نادى بإقليم نينوى السني.

- ومما تخطط له إيران وتتحسب وقوعه أنه إذا فرض على العراقيين مشروع الأقاليم من قبل دول الجوار وأمريكا، لذافستختار أخف الضررين وتمنع ظهور إقليم سني يجمع محافظاته الخمس أو الست وستقبل بإقليم للأنبار، وربما إقليم نينوى.

إن إيران تحرص دائما على أن تضع لكل مشروع خططاً، وخططاً بديلة، ولذلك فهي تعمل بكل قوة على إجهاض أي مشروع يقف في وجه مشاريعها الرامية للهيمنة على العراق وغيره من دول المنطقة، وكما عملت إيران بواسطة المالكي وسوريا لتجنيد بعض السنة لصالحها، فإنها اليوم تعمل لتجنيد سنة تبعاً لها بشكل مباشر، لذلك على السنة أن يدركوا طريقة إيران في التعاطي مع المشاريع عبر الاختراق بدسّ عملائها أو عبر إقامة المشروع البديل العميل لها.


[1]- يخطأ من يظن أن العبادي رئيس وزراء ضعيف، بل هو ينفذ أجندة مشتركة لأمريكا وإيران، نعم تتضارب بعض الأحيان مصالح الطرفين، لكنه يظل رجل حزب الدعوة فلا يحلم أحد أن يأتي حل من قبله.

[2]- يعود تاريخ علاقاته مع إيران منذ أن أرسله صدام مبعوثا لإيران في وقت الحصار في تسعينيات القرن الماضي، ثم تطورت وقت الاحتلال بعد أن شكل مجلس علماء ومثقفي العراق. انظر مقالنا في الراصد العدد 131، "قراءة في مواقف بعض النخب السنية العراقية،مجلس علماء ومثقفي العراق". 

  • قراءة 374 مرات
الدخول للتعليق