العراق: هل سنعود اليك؟

العراق: هل سنعود اليك؟

عبد الرحمن دارا سليمان

 

 
 
هي ليست قصّة الأمس ولا قصّة اليوم، ولكنّها قصّة دهر بأكمله. بداية الحكاية تقليدية، ومع ذلك يجهلها الكثيرون من غير العراقيين. أحداثها وشخصيّاتها وأوراقها وفصولها ونهاياتها لم تكن مفتوحة في مهبّ الريح كما هي تبدو اليوم. حكاية بلاد عارية تنزف تحت الشمس وتتعثّر تحت المطر. مسبيّة الحدود والأرواح والاسواق والأجساد. تكاد أن تكون كقصص الف ليلة وليلة التي لا تنتهي عن علي بابا وبساط الريح والسندباد البحري وكلّ ما في مستودعات الخيال الشعبي والتراث المكتوب والمنقول من التاريخ الحقيقي والإسطوري. لكنّ شهريار صار له ألف وجه وألف سيّاف في قصص الأزمات العراقية التي تفضي الى بعضها دون توقّف. الواقع والخيال تمازجا تمازج المال العامّ بالمال الخاص. التاريخ ذاكرة الشعوب ولكنّه من أسخف ما يكون حين يتناوله السفهاء. يصبح درسا لا نتعلّم منه شيئا. التلاعب بالذاكرة جريمة.
الخيال المبدع يُضفي جمالا على الواقع. يُزيد من عدد سكّان الأرض. يشحن الحميمية ويُسرع في تحويل الكائن البشري الى إنسان. الهوّية الأعلى والأرقى والأبقى: الإنسانية. الخيال المريض للسياسي عندنا "ان توفّر له خيال"، يُحيل الواقع الى شظايا. هويّته الشخصية هي الأبقى وصنمه الأعلى ينبغي أن ينتصب في الساحات العامّة ليُخيّم على النفوس ويُحصي أنفاس المارّة.
 أحلامه على حساب كوابيسنا. مصالحه على حساب دمائنا. هي ليست أنانية فحسب، وإنّما مرض تتآمر فيه كلّ العقد والأمراض. وباء إجتماعي مُعدي وفتّاك يتبادلوه فيما بينهم ويُرحّلوه على بعضهم البعض دون إرادة مشتركة لرفضه والقضاء عليه قبل أن يقضي عليهم جميعا، قادة وقيادات وقواعد.  
أبطال المستنقعات والبرك الآسنة. ملوك الطوائف وأمراء الفشل. السّاعون الى السلطة لا يعيرون إهتماما بالأوبئة الإجتماعية. يستخدموها لأغراضهم. فالسلطة أولا وأخيرا. أمّا المجتمع والقيم الإجتماعية والبشر وأحلامهم اليومية البسيطة هي مجرّد وقود استعمال وأرقام تحترق في لهيب المعارك والحروب التي تتجدّد بإستمرار تحت مسمّيات جديدة. إن لم يجدوا حروبا، إخترعوها.
  نحن لم ننجح لا في الحبّ ولا في الحرب. نقتل ونحتقر ونتعالى ونمجّد ونعشق لنفس الأسباب وبدون أسباب ولا أسباب تمنعنا من الإستمرار في الأخطاء والخطايا. نقتل بعضنا ونقتل ضمائرنا كلّ يوم. نضمر ولا نفصح. هل يمكن أن ينقرض الضمير؟.
 السياسي ورجل الدين ـ السياسي هما أفضل مَن يجيب على هذا السؤال. ضحاياهما كُثر وخبرتهما طويلة في صفقات بيع الروح للشيطان. هذا هو السياسي الذي كان يريد تغيير السلطة ولا يريد تغيير المجتمع. بل كان يكرّس كلّ العيوب الإجتماعية في سعيه للوصول الى السلطة. مبتغاه وجنّته المفقودة والمرهم السحري الشافي لكلّ عقده التاريخية الطويلة. 
الأوطان كالبشر. تتنفس وتختنق وتحيا وتموت بالموت الروحي للأفراد والجماعات. الحضارات والثقافات القديمة زالت وإندثرت بزوال وإندثار شعوبها القديمة من سومريين وبابليين وفراعنة وغيرهم. الأجساد والمساحات التي تتبقّى تستبّدل هوياتها كي تبقى على قيد الحياة. الهويّات الثقافية مرنة ومتحركة ولا تستقيم مع الثبات والجمود. توثين المفاهيم وتحويل البلاد والعباد الى أصنام هي التي أضاعت الهوّيات. أية هوية للعراق هذا اليوم؟. وما هي علاقة هذه المسوخ الحاكمة بتاريخ وتراث أهل هذي البلاد؟. 
خبرة الجريمة هي الوحيدة التي تتراكم لديهم. التحوّلات النوعية هي فقط في هوّيات القتلة. قتلة يستلمون وقتلة يسلّمون. الأحياء بلا أسماء ولا هويّات. هم "متوارون" كما يصفهم أديب صديق. هل هي شعوب وأحلام وإرادات تقطن أرض الرافدين وتعيش محنتها ولعنتها الأبدية؟. أم هم رهائن ومحتجزون ومعتقلون خلف الأسوار العالية لواقعهم المرير؟. 
القاتل في الداخل. وأدوات القتل متاحة لمن يودّ إستخدامها في المزيد من التدمير الذاتي. القاتل لم يقتل. والضحية تموت مرّات ومرّات. آالهة النفط والمصارف وشركات السلاح وتجار الحروب وأسهم البورصات وسدنتهم ووكلائهم المحلّيون من الزعامات والقيادات والشيوخ والسّادة وأمراء الطوائف والمليشيات سوف لن يتركوا السلام يستقر حتى في المقابر. فللموتى هويّات أيضا ستلاحقهم لما بعد الموت.
الرهان على كسب المعركة دستوريا وإنتخابيا هو رهان فاشل على المدى المنظور. التظاهرات السلمية والإحتجاجات وبيانات الإستنكار وجمع التواقيع تجدي فقط في المجتمعات التي تحترم إنسانها. تحويل ساحة التحرير الى "كومونة بغداد" غير ممكن وغير مطلوب أيضا. قد تفتح لنا الليلة بعد الألف بوابة للمعجزات. من يدري؟. بقاء العراق والعراقيين لحينها على قيد الحياة هي المعجزة الكبرى.
  • قراءة 376 مرات
الدخول للتعليق