هل سيبقى العراق موحداحتى عام 2020؟

هل سيبقى العراق موحداحتى عام 2020؟

د. سعدي الإبراهيم

■ انهالت المشاكل والأزمات على العراق مرة واحدة بعد عام 2003، واستمرت بالتفاعل والغليان حتى انفجر الكثير منها في عام 2014، فعدم الاستقرار السياسي أدى إلى عدم استقرار أمني، والأخير بدوره أدى إلى عدم استقرار اجتماعي.
وبالتالي أصبحت الفوضى الشاملة هي السمة البارزة في عراق اليوم. فالبلاد نصفها تسيطر عليه جماعات مسلحة خارجة عن سيطرة الدولة، ونصفــــها الاخر يعيش في حالة شبه مستقلة ولا يعترف بعراقيته، الا عندما يتعلق الامر بالميزانية، والنصف الثالث يموت ابناؤه دفاعا عن الانصاف الاخرى من البلاد، وهو يعاني من مساوئ الفساد الاقتصادي والسياسي والهزات الأمنية التي تنتابه بين الآونة والأخرى. هذه المعطيات تجعلنا نطرح السؤال الآتي: هل سيبقى العراق موحدا حتى عام 2020؟ أي هل سيبقى دولة قائمة بحدوده الحالية؟ أم أنه سيتشرذم وينقسم إلى عدة دويلات؟ أم هناك احتمالات أخرى؟
الإجابة عن مثل هذه التساؤلات ليس بالأمر السهل، لكثرة التفاعلات وتجددها، والتغييرات السريعة التي تطرأ على ساحة الأحداث بين الآونة والاخرى، ولكننا مع ذلك سنحاول أن نستشف مستقبل العراق عام 2020، من خلال الآتي:
اولا البيئة الداخلية ومستقبل العراق: يمر العراقيون منذ عام 2003 بحالة اشبه بفقدان الوعي، فقد قتل بعضهم بعضا مرات عدة، وانتهك بعضهم حرمات بعض مرات عدة أيضا، ولكن رغم كل ذلك لا يزال الكثير منهم يرفض فكرة التقسيم، باستثناء الجماعات المسلحة التي تسيطر على الموصل والانبار، أو ما يعرف بتنظيم الدولة الاسلامية «داعـــش»، فهو لا يؤمن بشيء غير الذي يطرحه ويعمل على تنفيذه. واذا كان الشعب العراقي بأغلبيته يفكرهكذا، فإن النخبة السياسية الحاكمة هي الاخرى لا يوجد من بينها من يقبل بتقسيم البلاد، على اعتبار انه سيكون مسؤولا امام التاريخ عن مثل هذا الحدث اذا ما حصل، طبعا باستثناء الساسة الاكراد فهم غير معنين بوحدة العراق، وهمهم الاكبر بناء دولتهم المستقلة.
ثانيا البيئة الإقليمية: الدول المحيطة بالعراق حتى تلك المعادية للترتيبات السياسية التي جرت فيه بعد عام 2003 تدرك جيدا أن تقسيم العراق لن يكون هو آخر عملية تقسيم في المنطقة، وأن العدوى ستصلهم جميعا عاجلا أم آجلا، ولذلك فهي لا تتقبل مثل هذا الطرح ولا تدعمه.
البيئة الدولية: هي الأخرى لا تمتلك رؤى واضحة حول المستقبل الذي ينتظر العراق كدولة موحدة، بل إنها تعاني من ضبابية وتشويش على الرغم من انها هي من صاغ الكثير من معالمه، فهي، وعلى الاخص الولايات المتحدة الامريكية، طرحت موضوع او فكرة اعادة صياغة خريطة المنطقة، وفق ما يعرف بخريطة الشرق الاوسط الجديد، إلا أنها بدت وكأنها غير مستعدة أن ترى دولا جديدة تتشكل تكيل لها ولحلفائها في المنطقة، وعلى الاخص اسرائيل، العداء والحقد، ولذلك فهي غير متحمسة للمضي قدما لتطبيق مثل هذا المشروع في الوقت الحاضر.
اذن، هناك شبه رفض لموضوع تقسيم العراق في الوقت الحاضر، ولكن كيف تحل مشاكل هذا البلد ؟ كيف سيكون حاله مستقبلا؟ الاجابة عن مثل هذا التساؤل تقتضي التعرف على الموقف الداخلي والاقليمي والدولي من خلال البيئة الداخلية أولا فقد وصل الكثير من العراقيين إلى قناعة تفيد بأن تعايشهم تحت سيطرة حكومة مركزية قوية أمر غير ممكن، وأن حمايتهم من قبل جيش عراقي مركزي هو الاخر بات مستحيلا، إذ اصبحت سمة عدم ثقة بعضهم بالبعض الآخر امرا واضحا للعيان، وبالتالي فلم يعد هناك من يرفض إقامة اقاليم جديدة في البلاد، ومهما كانت سمتها: طائفية، قومية، مناطقية، ادارية، جغرافية. 
ثانيا البيئة الاقليمية، ففي الوقت الذي لا تحبذ الدول المجاورة للعراق أن تراه مقسما خوفا من أن تقسيمه سيكون بداية لفعل الشيء نفسه معها، فإن هذه الدول ترفض ايضا أن تراه موحدا خوفا من أن يحكم من قبل نظام معاد لها، فالدول العربية وتركيا تخشى من أن يُحكم العراق من قبل نظام سياسي شيعي، وإيران على العكس من ذلك تخشى من أن يُحكم العراق من قبل نظام سياسي سني. ولكن العرب وتركيا وإيران قد يرضون بأن يذهب العراق إلى تشكيل الاقاليم لأن السلطة السياسية فيه سوف تقسم على هذه الاقاليم، ولن تكون هناك سيطرة لمكون على اخر، وبالتالي ستضمن كل الاطراف الاقليمية حصة لها او نفوذا في العراق قد لا يكون متساويا ولكنه مرض. 
يشعر المجتمع الدولي بأنه كان السبب الاول فيما آلت إليه الظروف في المنطقة العربية، وعلى الاخص العراق، لأنه هو من قام بالتغيير في عام 2003، فأزاح نظاما سياسيا ولم ينجح بأن يأتي بآخر يملأ فراغه، وترك العراق عرضة للتدخلات الاقليمية والدولية، والولايات المتحدة على وجه الخصوص لا زالت تفتقد إلى الرؤية الواضحة حول مستقبل هذه البلاد، ولكنها ومن خلال سلوكياتها وتصريحات البعض من الساسة فيها تعلن مرارا وتكرارا أن المركزية لم تعد تصلح للتطبيق في العراق، وأن البلاد من الممكن أن تصبح مقسمة في لحظة ما، ولكن هذا التقسيم سيتم بشكل تدريجي، بدءا من تشكيل الاقاليم ومن ثم الانتقال إلى المرحلة الاهم الا وهي اقامة دول مستقلة بعد أن تكون قد استقرت ودبرت امورها بنفسها لكي تسهل عملية التعامل معها، ولكي تضمن الولايات المتحدة عدم تحولها إلى بيئة رحبة للجماعات المتطرفة والمعادية لها ولحلفائها في المنطقة وعلى الاخص اسرائيل. 
وهكذا يمكننا القول إن تشكيل اقاليم جديدة في العراق قد يكون هو الحل الاوفر حظا لحل البعض من المشاكل التي تمر بها البلاد منذ عام 2003 .

٭ كاتب عراقي

د. سعدي الإبراهيم

  • قراءة 1376 مرات
الدخول للتعليق