عندما قدم رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي قبل أشهر حزمة إصلاحية هدفها الأساسي محاربة الفساد ووضع حد للسرقة الممنهجة للمال العام، تلقفت الأوساط الشعبية تلك الإصلاحات بحماسة كبيرة مع بعض الملاحظات التي طالبته بالتنسيق مع السلطة التشريعية وعدم التوقف عن تنفيذ الإصلاحات بسبب ضغوط الأحزاب والكتل السياسية التي تتضرر مصالحها بالإصلاحات.

ومنذ ذلك الوقت، وبين الحين والآخر تطلق الحكومة أو بعض أجهزتها مبادرات تدعو إلى تقليص الاعتماد على موارد النفط وتنويع الاقتصاد والاقتراض من الداخل والخارج، وتقليص الرواتب والمخصصات وتشجيع مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، خصوصاً في قطاعي الزراعة والصناعة التحويلية وتشجيع الاستثمار الخاص الوطني والأجنبي وتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة. وأخيراً أطلقت الحكومة مبادرة تهدف إلى إصلاح النظام الضريبي، خصوصاً توسيع الوعاء الضريبي بهدف تحقيق موارد إضافية للموازنة العامة التي تعاني من ضائقة مالية خانقة بسبب انخفاض أسعار النفط.

قد يكون الطموح رؤية أوضح من ذلك لدى المعنيين بالشؤون الاقتصادية، خصوصاً التفريق بين الإجراءات التي تحقق أهدافاً آنية، كتحقيق موارد إضافية للموازنة العامة للعام الماضي والعام الحالي، وبين الإجراءات المتوسطة والطويلة الأمد التي تهدف إلى تحقيق إصلاحات جوهرية في الاقتصاد وعدم الخلط بينها. وعند تبني إجراءات ذات طبيعة متوسطة وطويلة الأمد يجري ذلك كحزمة واحدة وليس كإجراءات متفرقة. فمعروف أن من أسوأ ما تعانيه السياسة الاقتصادية في أي بلد، عدم التعامل مع مكوناتها كحزمة واحدة وتحديد الآثار التبادلية لحزمة السياسات التي يجري انتقاؤها حتى لا ينتهي الأمر إلى مجموعة من الإجراءات المتناقضة تُفشِل الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها.

فبعد إهمال طويل لموضوع تقليص الاعتماد على النفط وتنويع الاقتصاد، خصوصاً قطاعي الزراعة والصناعة التحويلية وتشجيع الاستثمارات الخاصة الوطنية والأجنبية وإصلاح النظام الضريبي، لا تستطيع الحكومة أن تقوم بإصلاحات من هذا النوع وتأمل بجني ثمارها في الأمد القصير لرفد موارد الموازنة العامة والتعويض عن النقص الحاد في إيرادات النفط. فالحكومات المتعاقبة خلال الاثنتي عشرة سنة الماضية لم تسع إلى تحقيق إنجازات في مجال تنويع الاقتصاد وتنمية الزراعة والصناعة التحويلية وتشجيع استثمار القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي الإنتاجي واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، وأهملت أيضاً ما كان موجوداً من صناعة وزراعة فتدهورت صناعات عديدة قائمة، خصوصاً الشركات المختلطة التي عملت وأنتجت ووزعت أرباحاً لمساهميها في أقسى ظروف الحصار.

كذلك أهملت الحكومات السابقة الصناعات الحكومية القائمة مثل مصافي النفط ومحطات توليد الكهرباء، واعتمدت بدلاً عن ذلك على استيراد المشتقات النفطية من إيران وخلق قطاع خاص مستفيد من بيع الكهرباء إلى الأفراد عن طريق المولدات. وصبّت جل اهتمامها، إذا لم يكن كله، على تطوير قطاع استخراج النفط وزيادة الإنتاج والتصدير لكونها موارد سهلة وسريعة ومضمونة. ولم تسعَ إلى نفخ الحياة في القطاع الصناعي الخاص الذي أغلق معظمه بسبب الحصار، وحاولت إعادة تأهيله وتشجيع الصناعيين العراقيين المقيمين في الخارج على العودة وممارسة نشاطاتهم وتأمين القروض التي تؤهلهم لزيادة استثماراتهم وتحديث مصانعهم وتوسيعها.

وفي ضوء انتعاش هذا القطاع، كان يحق للحكومة الحديث عن تطوير النظام الضريبي وتوسيع الوعاء الضريبي. أما في الظروف الحالية، حيث تقتصر النشاطات الخاصة على بعض القطاعات الخدمية التي تعمل في ظروف أمنية صعبة ويصعب عليها التخطيط ولو لفترة متوسطة لتوسيع نشاطاتها بسبب التقلبات السريعة في الظروف الأمنية والعسكرية، لا يمكن للحكومة الحديث عن توسيع الوعاء الضريبي. فعن أي وعاء نتحدث، والنشاطات الصناعية والزراعية الخاصة غائبة والنشاطات الخدمية توفر بالكاد نفقات استمرارها؟

إن مقابلة حاجة الموازنة حالياً إلى إيرادات أخرى غير النفط لا يمكنها أن تتحقق إلا عن طريق إجراءات قصيرة الأمد مثل تقليص كل أنواع النفقات الجارية والاستثمارية غير الضرورية. وهو ما تعلن عنه الحكومة بين الحين والآخر، والاقتراض الداخلي والخارجي. أما تنويع موارد الموازنة من خلال تنويع الاقتصاد وتشجيع الاستثمار الخاص الوطني والأجنبي وتطوير الزراعة والصناعة، فهي إجراءات لا يمكن أن تكون آنية بأي شكل من الأشكال، وإنما هي إجراءات متوسطة إلى طويلة الأمد وتحتاج إلى توفير المناخ الصديق لها قبل أن تتحقق. وأهم مقومات هذا المناخ هو استتباب الأمن. فلا تنمية ولا استثمار من دون أمن. والأخير يجب أن يكون أولوية للحكومة ولكل الأحزاب والكتل السياسية المتمثلة بالبرلمان.

وفي مجال تطوير الزراعة والصناعة التحويلية فعوضاً عن البدء بمـــشاريع جديدة من الصفر، على الحكومة أن تفتح أبواب حوار مع الصناعيين ورجال الأعمال العراقيين المغتربين الذين يملكون معامل مغلقة منذ 1991 لتســـهيل عودتهم وتقديم التسهيلات الائتمــــانية لهم، وكذلك إعادة تأهيل المــشاريع الحكومية والشركات المختلطة وإعادة النظر في ســــياسة فتح باب الاستيراد على مصراعيه لإعطاء نوع من الحماية للصناعة والزراعة الوطنية.

إن أية محاولة من القطاع الخاص لتشجيع الاستثمارات الجديدة عن طريق قروض تقدمها المصارف بدعم من البنك المركزي لا تمثل إلا هدراً للمال العام. ففي ظل الظروف القائمة، من المستبعد أن تؤدي هذه القروض إلى إنشاء مشاريع فعلية وإنما تفشل وتنتهي بديون معدومة. أما إصلاح النظام الضريبي وضمنه توسيع الوعاء الضريبي فيتطلّب، حتى يعطي مردوداً، مشاريع إنتاجية وخدمية فاعلة تحقق دخلاً يستحق إخضاعه للضريبة في شكل يؤمّن موارد مالية للدولة من جهة، ويحقق عدالة أكثر لتوزيع الدخل من جهة أخرى.

* نقلا عن صحيفة " الحياة "