محمد كعوش

الذين شاهدوا صور مدينة الرمادي العراقية اصيبوا بالصدمة ، وقد سبقهم وزير الدفاع في حكومة بغداد حين اعترف فأعلن ان 80 بالمئة من المدينة مدمر بالكامل . هذا يعني ان الجيش العراقي الذي استعان بكل القوى الداخلية والخارجية نجح أخيرا في الدخول الى الارض المحروقة معلنا انتصاره الكبيرعلى داعش .
ولكن من يتابع الشأن العراقي يعرف تماما ان المسالة العراقية ، في باطنها ، شائكة متشابكة صعبة ومعقدة ، حتى بعد تحرير الموصل ، اذا حصل ، وتحقق الانتصار النهائي على « تنظيم الدولة الاسلامية « ، لأن الواقع الذي خلق التنظيم الارهابي لم يتغير ، وما زال على حاله . لذلك نقول ان المسألة العراقية لا تزال عصية على الحل الحقيقي الذي يعيد العراق الى العراق .
المشهد العراقي يشي بكل تفاصيله المعلنة بوضوح مخجل . هناك دولة يحكمها ورثة الاحتلال ، ولكنها ليست دولة لانها مفرغة من الداخل ، ومسيرة من الخارج ، خاضعة للنفوذ الايراني والتركي والهيمنة الاميركية في وقت واحد . اما من الداخل فهي ليست دولة مؤسسات قائمة على المواطنة والمساواة والعدالة والنزاهة ، بل هي كيان ضعيف فاسد خاضع لارادة المليشيات والاحزاب الطائفية والعرقية ، وهي القوى التي تقاسمت الارض والشعب على أرض الواقع .
في الشمال اقليم كردستان بحكومته ومجلسه النيابي وعلمه وجيشه ونشيده الخاص ، وفي عدد من محافظات الشمال والغرب والوسط الاقليم الخاضع لتنظيم «الدولة الاسلامية» ، وفي الوسط والجنوب الاقليم الخاضع للمليشيات والاحزاب الطائفية ، اما حكومة العبادي لها سرايا الحكومة في بغداد . هذا هومشروع الولايات المتحدة مصدرة وحامية الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان .
ما يثير الاستغراب ان هناك من يعتقد ، حتى الآن ، أن الادارة الاميركية تحارب الارهاب وتريد لدولة العراق ان تقوم في بلاد الرافدين وأرض السواد ، وهناك عراقيون ساذجون ما زالوا يعوّلون على القوات الاميركية في محاربة «داعش» ، في حين تريد واشنطن توظيف هذه التنظيمات الارهابية في مواجهة النفوذ الايراني في العراق ، واسقاط النظام في سوريا أيضا وهو المشروع القديم الجديد .
الحقيقة المرة التي يجب أن تعرفها كل الاطراف والاطياف والطوائف في العراق ، هي أن لاحل من خلال الاستنجاد والاستقواء والاحتماء بأي قوة خارجية ، والاقتناع بحل داخلي عراقي على قاعدة المشاركة وعدم رفض الاخر والعمل على اصلاحات داخلية جذرية تعتمد المواطنة والحرية والمساواة والعدالة ومكافحة الفساد والغاء الامتيازات ، وصياغة دستور جديد للبلاد يكون بديلا لدستور برايمر القائم على المحاصصة الطائفية والعرقية ، والاهم فصل الدين عن الدولة .
هذه هي خريطة الطريق الى القضاء على الارهاب واقامة الدولة في العراق ، وبغير ذلك سيتم القضاء على داعش عبر حرب طويلة ولكن التنظيم الارهابي سيتوالد ويتناسخ بوجود التربة الخصبة التي توفرها دولة الفوضى .