العراق ما بعد داعش

العراق ما بعد داعش

عبد الجبار الجبوري

سربت بعض المواقع الالكترونية السيناريو الامريكي الجديد في العراق الذي اضطلعت بتنفيذه  واشنطن بكل ثقلها من مخابرات وكونغرس وإدارة وبنتاغون لما بعد داعش ، واحتوى على الكثير من النقاط المهمة الخطيرة جدا والتي نحاول قراءتها وتحليلها هنا، لنضعها في سياقها الصحيح وحجمها الحقيقي،لأننا نحن من يقرر مصيره وليس امريكا او غيرها ، علما ان هذا السيناريو تمت مناقشته منذ مدة ليست قصيرة، مع كل الاطراف المناهضة للاحتلال الامريكي وعمليته السياسية الفاشلة الفاسدة ومع رموز العملية وأحزابها ورموزها الدينية ومراجعها وكل من له صلة بمستقبل ألعراق واخطر ما جاء بهذه المناقشات المباشرة ،الشرط الاخطر الذي تريد ان تفرضه امريكا على كل الاطراف المناهضة للاحتلال، والتي جاءت معه هي وأحزابها ،ويقضي الشرط الامريكي لتنفيذ هذا السيناريو هو قبول الجميع بتقسيم العراق الى ثلاثة اقاليم مقابل( انهاء وجود داعش والميليشيات الايرانية والتدخل والنفوذ الايراني في العراق الى الابد)، كما ادعت ادارة اوباما وهو تهديد مبطن للجميع فإما تطبيق مشروع بايدن الان وإلا ستبقى داعش والميليشيات مسلطة على رؤوسكم هكذا بكل وضوح دون ان تعترف ان وجود داعش والميليشيات هو بسبب ونتيجة لأخطائها الكارثية للاحتلال ، ويستند السيناريو الى تطبيق مشروع جوزيف بايدن قبل الاحتلال،وهو تقسيم العراق الى ثلاثة اقاليم طائفية فدرالية (سنية وشيعية وكردية)،ويأتي تنفيذ هذا المشروع في هذا الوقت بالذات وليس بعد الاحتلال مباشرة استنادا الى جملة معطيات على الأرض فرضتها نتائج الاحتلال المخيبة للآمال الامريكية لا كما تشتهي لها سفنها ، حتى وصل الفشل الكارثي هذا الى اعترافات بالجملة عن (خطأ) غزو العراق، وان التاريخي سوف لن يرحم وان ايران وميليشياتها هي المستفيد الأكبر وان داعش ظهرت بسبب هذا ألغزو ولولاه لما ظهرت، وتهدد الان الامن القومي الامريكي وإن وإن ، اذن وصلت امريكا الى قاع الهزيمة والفشل في العراق،بعد سلسلة الاعترافات هذه،فماذا بقي لديها سوى ان تنفذ الصفحة الثانية من صفحات الغزو ، فأحضرت ملف التقسيم كضرورة ملحة لإنقاذها من ورطة ومستنقع العراق ،بعد ان وصل داعش لمصالحها تحت الحزام ووصل خطره الداهم الى مسارح وساحات باريس في غزوة باريس وتفجيراتها وقتل المئات من ابناء الدول الاوروبية الاخرى ، مع توعد محموم بقرب ضرب امريكا في عقر دارها وبعملية اكبر وأوسع من احداث سبتمبر وإسقاط برج التجارة ألعالمي لاسيما وان خطر داعش اصبح عالميا وليس اقليميا ،بعد تمدده وسيطرته على ثلث العراق وسوريا ، وهو بكل تأكيد نتيجة طبيعية لغزو امريكا للعراق ، وعندما نقول ان داعش صناعة امريكية نقصد هذه النتيجة التي نراها الان على شكل(دولة خلافة ) ، اذن يجيء الان مشروع بايدن ليلملم جراحات امريكا في العراق ، ويشبه تماما كالمستجير بالرمضاء من النار امام ظاهرة داعش وخطرها ، ولنأت الان على خفايا وخطورة مشروع بايدن وإمكانية تطبيقه وضرورته الملجئة ،لدى البعض ، وما هو خطره على مستقبل العراق كدولة وشعب وأرض السيناريو للعراق الجديد (هكذا اسموه)، يستند الى انشاء ثلاثة اقاليم وإبقاء بغداد كعاصمة فيدرالية يرمز لها بالحرفcf للخروج من الازمة ،والحفاظ على ( وحدة العراق )، وهذه فرية اولى ان يقولوا الحفاظ على وحدة العراق ،ثم تدعم امريكا بشكل استثنائي (اقليم السنة ) ،لأسباب انية ،وهي ان مدنه مخربة ومدمرة وشعبه مهجر، فيجب دعمه وحمايته بقرار من مجلس الامن ،وإعادة بناؤه من جديد ، وتم ابلاغ الدول العربية اقامة جسر جوي لأعماره بظرف ستة اشهر فقط ، قياسا الى الاقاليم الاخرى المستقرة نسبيا وعدم تعرضها للخراب والدمار ، وهذا يجري كله ازاء تفاهم كل القوى والأحزاب كواقع مفروض وكحل اساسي اوحد لإنقاذ العراق وخروجه من كارثته ومآسيه وأوضاعه حسب الرؤية الامريكية ، وأضاف المشروع شرطا وافقت عليه احزاب وأطراف العملية السياسية وهو تبديل كل وجوه العملية السياسية التي اوصلت العراق لهذا الوضع المأساوي كما تقول وتحملها الفشل كله وتنأى بنفسها عنه ، مع الغاء كامل لكل القوانين والإجراءات التي فرضها وأوجدها الحاكم المدني السيئ الصيت بول بريمر، والاعتماد على وجوه جديدة لعملية سياسية لما بعد داعش والميليشيات ونفوذ ايران ، هذا ما جادت به قريحة جو بايدن ورهط حكومته وإدارتها الفاشلة ، فالإستراتيجية الامريكية تتخبط في العراق ليس اليوم وإنما منذ بدء الاحتلال الامريكي وتسليمه للاحتلال الايراني وحتى ظهور داعش وأخواتها في العراق وبعدها سوريا ، ولنعد الى اس المشروع التقسيمي الجهنمي ، ونحن هنا كالقابض على جمرة ، فخيار امريكا واضح وتهديدها مباشر، فإما داعش والميليشيات تبقى تنخر وتقتل وتهجر بكم وإما قبولكم بالتقسيم الفدرالي لمشروع بايدن ، ونحن نرى تدهور الاوضاع وصل حدودا غير مسبوقة في المنطقة ويزحف بسرعة مخيفة الى كل دول الجوار بتسارع محموم وتركيا ليست بعيدة عن المشهد القادم لتفجير اوضاعها من الداخل والحرب عليها من الخارج وروسيا تستفزها وتتربص بها ايران ، نعم المشهد يزداد غموضا ، والتهديد بحرب عالمية اصبح واقع التنفيذ ان لم يكن حاصلا اصلا ،او هو قاب قوسين او ادنى من الانفجار ، والاستعدادات الروسية وتواجدها المخيف في سوريا عسكريا هو الاخطر على المنطقة ، اذن نحن ازاء خيارات صعبة ، وكلها تنذر بالفوضى الخلاقة كما ارادتها ادارة المجرم بوش ، فكيف الخروج والإفلات من الحرب وإفشال مخططات الاعداء والأصدقاء المتفرجين على معاناة اهلنا ومستقبل المنطقة المريع ، لاسيما وان عشرين مليون مهاجر من سوريا والعراق هم خارج بلادهم ، لذلك من يرى الحشود والسيناريوهات المرعبة  الامريكية ،والتي تقوم فرنسا وبريطانيا وألمانيا وروسيا وإيران بتنفيذها في العراق وسوريا بالقصف الجوي الوحشي للمدنيين الابرياء دون ان تستهدف داعش ومواقعها ، وتؤهل المنطقة للحرب على الارهاب ، كمبرر لقتل شعوبها وتدمير بنيتها التحتية وقتل مستقبلها الى الابد بسيناريوهات تفرضها فرضا على ألشعوب فلابد من رفض هذا السيناريوهات المجحفة والمشبوهة الاهداف والنوايا ألشريرة وخطرها الكارثي على ألعراق لان وجود اقاليم يعني بالضرورة وجود احتراب اهلي بين الطائفة الواحدة ، كأن يكونوا الاكراد وأحزابهم او اقليم الشيعة وأحزابه او اقليم السنة وكتلهم وعشائرهم وأحزابها ايضا ، اذن الاحتراب الاهلي واقع لا محالة بين ابناء العراق الواحد ،مما يؤدي بالنتيجة الى مزيد من الخراب والدمار والقتل والتهجير،وليس اعادة البناء والاستقرار للعراق كما تدعي امريكا بمشروع بايدن ،اذن مشروع بايدن وسيناريو امريكا الجديد/القديم هو تكريس لواقع لا يريده العراقيون وليس خيارهم الوحيد كما تريد فرضه امريكا وحلفاؤها ، وإنما هو واقع استثنائي مؤقت ممكن التعامل بجزء منه كخارطة طريق للخروج من الواقع الكارثي والتخلص من داعش والميليشيات معا ، وهذا ليس بصعب على من يفاوض الامريكان ، هناك في المشروع فقرات تتلاقى فيها الافكار والرؤى في الخروج ويمكن التعامل معها اذا كان الجانب الامريكي (جادا في انقاذ) ما يمكن انقاذه من اخطائها في العراق ، ومنها مثلا الاتفاق على خطورة داعش وإيران وميليشياتها في ألعراق وضرورة (تسليح السنة ) ،وإيقاف الاعتقالات وإخراج الابرياء منهم في سجون ألحكومة وإعادة المهجرين الى بيوتهم والبدء بإعادة اعمار بيوتهم المفجرة ومدنهم المخربة وإعادة الخدمات لها ، وإلغاء قرارات بريمر فورا ، والذهاب الى مصالحة حقيقية والاعتراف بالمقاومة العراقية ,والذهاب الى مبادرات سابقة تنقذ العراق من اوضاعه الحالية ومنها مبادرة العراق الجامع لهيئة علماء المسلمين وضرورة التعامل معها كخطوة اولى لخارطة طريق عراقي وليس امريكي وبإشراف دولي ،هناك بدائل اخرى اكثر مقبولية وعقلانية من مشروع بايدن السيئ ، العراقيون كلهم ينتظرونها ، ولكن الاساس في نجاحها في مواجهة داعش والميليشيات وعندها كل شيء يهون امام العراقيين ،ويصير كل شيء من الماضي كما تقول امريكا  ، وبهذا يكون المشروع عراقيا وليس امريكيا ، وهكذا يكون العراق بعد داعش كما نريد نحـــن لا كما تريد امريكا.

  • قراءة 559 مرات
الدخول للتعليق